قصــة الحيــاة .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصــة الحيــاة ..

هي ليست مجرد قصة , هي الحياة بذاتها .. دون خيالات وأبطال مزيفين , دون أحداث مؤلفة , هي وببساطة .. الحقيقة .

  نشر في 23 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 01 ماي 2018 .

وها نحن يا فتاتي الجميلة قد أنجزنا يومنا من صباح كان قد امتلئ بالصخب المدرسي والدروس التي لا حصر بها , وانتهينا من واجباتك الأكثر من إحتمالية عقلك البدائي , ولكننا قد أنجزنا كل شئ على خير إنجاز , والآن تدرين ما عسانا أن نفعل في هذه الساعة المتأخرة من الليل ؟ , حتماً علمتي دون أن أخبرك بخطتنا لتلك الساعات المتبقية قبل نومك ..

نعم أمي , أعرف ما علينا فعله الآن , فلنبدأ ..

وإن كان ما يدور في أذهانكم الآن هو ما يلي : أم تجلس بجوار ابنتها التي لا تتجاوز من العمر عدد أصابع اليد الواحدة , بالتأكيد ستروي لها قصة من قصص ما قبل النوم لتضمن أن الفتاة ستخلد في نوم عميق دون أن تجاهد في ذلك , مجرد كلمات بسيطة تدفع عيناها إلى الإستسلام لبحور النوم الهادئ دون إضطراب أو كوابيس ..

ولكن .. كل هذه الإفتراضات التي وضعها عقلكم وللأسف " خاطئة " .. هو المألوف لعقولنا جميعاً عندما نرى ذلك المشهد يدور بين الأم والابنة في تلك اللحظات الليلية الساحرة , ولكن وفي هذا المشهد الغير معتاد و الإستثنائي نجد كل شئ قد تغير , حسابات العقل قد تعيد حساباتها مرة أخرى , فنحن نقف أمام مشهد مختلف كلياً عن تلك المشاهد التي رأيناها في الأفلام والمسلسلات وقرأنا عنها , هي حالة جديدة من نوعها يجب أن نستكشفها سوياً , فماذا تعتقد أن يدور المشهد عليه الآن ؟ ..

هي لن تقص عليها قصة من قصص ما قبل النوم , حسناً , ولكنها ماذا ستقص عليها فلا يوجد غير تلك القصص الخيالية لتقصها على مسامعها وتتشربها أذنها وتفيض على نفسها بشعور النعاس القاتل لجفون عيونها المفتوحة على أشدها ومصراعيها ..

في هذه اللحظة من اليوم قررت الأم أن تخبر ابنتها قصة قصيرة ولكنها ليس كمثل باقي القصص المعتادة على مسامع الأطفال من : جحا ومغامراته , ملك الغابة , الفأر الصغير , الشاطر حسن وغيرها من فلكلور الخيال الطفولي ..

قد أخبرتها السر , أخبرتها ما يجب عليها أن تخبره ل ابنتها , قصت عليها قصة الحياة , القصة الوحيدة التي تخلو من مظاهر الخيال والزيف , القصة الوحيدة التي يوجد لها بطل أوحد , هو الإنسان ..

قد تكون صعبة على هذا العقل أن يتحمل تلك القصة الأكيد بأنها أصعب بكثير من إحتمال عقلها لدروسها الحسابية , واحد زائد واحد أهون بكثر من مناقشة السر الذي لم يتوصل إليه البشر حتى الآن , فكيف لهذه الطفلة المسكينة أن تتقبل ذلك السر دون أن يلفظه عقلها كما يلفظ الجسم العضو المزروع الدخيل على أعضاؤه المستقرين به منذ أن دبت روحه على الأرض ؟! ..

مهمة شاقة بالفعل على الأم , هل ستجد الصبر الكافي لتوصل ل ابنتها هذا السر بكل سلاسة ومرونة أم ستقضي ليالي وليالي في المحاولة دون فائدة ؟ , مجرد إضاعة وقت أم ستجد مردود قصتها على إدراك ابنتها قد أبهرها ؟ , من يدري ما سيحدث ..

ولكن على غير المتوقع ..

استساغت الطفلة الحديث , ألفت القصة وأعتبرتها كقصص سندريلا أو ذات الرداء الأحمر مع إختلاف الشخصيات والسرد وطبيعة القصة , فتلك القصص ما هي إلا خيال وأبطال لم ترى شمس الحياة إلا في الأفلام , الأفلام الكارتونية , إذن هي شمس مزيفة أيضاً ولا تدل على حرارة أو غيرها ..

عقلها لم يجد أي غرابة فيما يُقص عليها من الأم , بل وجدت نفسها قد إندمجت فيه وشربته كما تشرب الحليب كل صباح بنفس راضية , كغير باقي أطفال سنها , فقد كانت مختلفة لما زرعته الأم داخلها من بذور التميز , وها هي الأم تحصد ما زرعته بمنتهى السعادة لما تلقاه من ثمار الإدراك والوعي الأمور في عقل أبنتها قيد الأكتمال ..

أستمرت الأم في السرد وأستمرت الابنة في الأستماع بأهتمام ..

كوني حذرة يا ابنتي , ستفاجئك لحظة فريدة , حاسمة لأمر فكرك , لحظة تغير مسار تفكيرك تغييراً كبيراً , لحظة ستفتح عليها عيون إدراكك ومدارك عقلك , والفاعل لذلك هي الحياة ..

الحياة ستخطو اولى خطواتها داخلك بفتح نوافذ الإدراك وغلق أبواب الفكر النمطي الذي لا يخلو من اللعب والمزاح , لا تتردي في الترحيب بالحياة حينذاك , كوني خير مضيافاً لها , ستأتي لتبعث داخلك أسمى معاني الفهم , وتبعث لعقلك الحياة هو الآخر , فهل ستحسني ضيافتها ؟ ..

نعم يا أمي , سأحسن ضيافتها , ولكنها متى ستأتي ؟ لقد أشتقت لها من حديثك عنها كل ليلة ؟

حتماً ستأتي , لا تبالي بموعد قدومها , لا تنتظريها , هي لا تأتي بمواعيد سابقة كما نفعل في حجزنا لدكتور الباطنة الخاص بك , هي غير مقيدة بمواعيد مثل البشر , فقد تأتي اليوم , غداً , بعد أعوام , لا ندري حق الدراية متى ولكنها ستأتيكي ..

ما عليكي الآن سوى أن تدركي ما قصصته عليكي من قصة واقعية حقيقية غير ما قصصته عليكي في سنواتك الأولى من قصص لا تمت للواقع بصلة , هل فهمتي يا أبنتي ؟

نعم قد فهمت , وسأنتظرها أشد الإنتظار ..

يُختتم المشهد الحقيقي على ما يلي : أخبرتها ذات ليلة بكيفية مواجهة حقائق الحياة التي ستضرب فكرها يوماً ما خلال مشوار حياتها الذي أنكتب عليها ..

ولم تخبرها بكيفية مواجهة شبح حكايات ما قبل النوم المزيف الذي لا وجود له من الأساس ..

فأستطاعت أن تُنشأ إنساناً قادرًا على مواجهة الكون برمته بسلاح الفكر والإدراك بدلاً من أن تُنشأ فرداً يحارب الخيال ويتفنن في ملاحقة الزيف وأبطال اللاشئ ..


  • 4

   نشر في 23 أبريل 2018  وآخر تعديل بتاريخ 01 ماي 2018 .

التعليقات

ابراهيم محروس منذ 2 أسبوع
اتفق معكى نورا فيما هدفت اليه مقالتك القيمة .حيث من المفيد جدا أن نبدأ مع اطفالنا الصغار (تدريجيا بمعنى الكلمة) الحديث عما يدور حولهم وحولنا من امور وأحداث ( ولا نرهقهم كثيرا بتحليلاتنا نحن الكبار بل فقط نسرد لهم وندع لهم و لعقولهم * و اعتقد ان معظم اطفالنا اذكياء بما فيه الكفاية * استكشاف الحقائق والتنبؤ بمجريات الامور طبقا للمعطيات التى امامهم . ولا يمنع أن نناقشهم بعد ذلك فيما توصلوا اليه و ذلك ينمى فيهم التفكير الابداعي بحيث يطلقون العنان لعقولهم دون اقحام تفسيرنا وقناعاتنا نحن الكبار.. .
داىما متألقة نورا
1
نورا محمد
دة صحيح فعلا أصبت الهدف من المقالة وصدقت في كلماتك وتحليلك لها بكلمات واعية نابعة من عقل مفكر مدرك لما يجب فعله , تنمية الفكر لدى الأطفال خاصة عند العمر الصغير هو بداية ومنبع لفكر كبير وفلسفة لا يمكن أن تُنافس في الكبر , لذا تعتبر الطفولة هي أهم مرحلة من مراحل تشكيل العقل والفكر على الإطلاق ويجب أن ندرك كيف سنُسير فيها الأمور بشكل صحيح , تحياتي لك دمت مبدعاً بحروفك :)
ابراهيم محروس
تبادل الافكار والرؤى هو حقا ما يعزز الابداع لدينا جميعا تشرفت جدا بتعليقك نورا
لينة بغدادي منذ 2 أسبوع
فعلا تربية الأولاد في هذا الجيل صعبة جدا على الاباء أن يتسلحوا بالفكر ولادراك ....مقال فعلا يوعينا لما هو قادم ان شاء الله..مشكوررة
2
نورا محمد
نعم بالظبط تربية وتنشئة الأولاد بهذا الزمن يحتاج منا الحذر وحسن الأداء وإلا سينفلت زمام الأمور من بين أيدينا .. شكراً جزيلاً والشكر كل الشكر لكي أختي الغالية دمتي مبدعة بكلماتك العذبة :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا