بين رهبة الموت .. وٱستحالة البقاء ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بين رهبة الموت .. وٱستحالة البقاء !

هكذا نأجل الحياة ..

  نشر في 22 مارس 2016 .

الموتى يصيرون أكثر لطفا و أهمّية مما كانوا عليه و سواء رموك بالسوء أو بروث البقر .. يظل هناك شيء من الحنين لهم .. قد يكون شيئا مما كنت تودّ لو كانوا عليه أو ما لم تستطع سبره بهم .. يظل أمرا غير واضح يجعلهم يطلّون من شرفة قدّيسين .. بأسباب صفح غير مفهومة لا يورّثها سوى خروج الروح عن الجسد ..

ففكرة الموت مختلطة من دون وعينا بالشفقة على هؤلاء الذين سبقونا .. لذلك غالبا ما نقول "مات مسكين" .. فالميّت بنظرنا مسكين سواء مات ميتة طبيعية أو بعد مرض أو مقتولا أو منتحرا، و ذلك بغضّ النظر عن المقاربات الدينية أو المجتمعية للأمر ..

فالموت طاريء .. و تناقض لما عليه الأصل في الحدث الطاريء إذ نعلم أن تلك نهايتنا جميعا، لكننا نصدم في كلّ مرة يجب أن نتذكر ذلك .. فهو أشبه بدين آجل غير عاجل، ندين به جميعا في أجل محدّد..

فهو منحدر غامض، يصلك أن فلانا مات فلا تصدّق، تحاول أن تستوعب الأمر، ليس أمر موته، بل فكرة أنه ما عاد موجودا و لن يكون بعد اليوم، فتدرك حقيقة النهاية الجافّة لمنسوب الحياة، فتحسّه أثقل منك و من قدرتك على تقبّل اللاجدوى من الفهم ..

لكننا بالرغم من ذلك ننام و نحن متأكدين من أننا سنستيقظ اليوم الموالي لنفطر و نذهب للعمل

نعرف أنّه سيأتي دورنا في الطابور أيضا .. لكننا لا نتجهّز له بالشكل الكافي أبدا .. لأننا نضع في اعتبارنا أننا لن نموت بعد ساعة أو غدا !!

هناك شيء عميق في داخلنا يخبرنا أنّ دورنا لم يحن بعد و إن كنّا نعلم في دواخلنا أنّ منحى اعتقادنا هذا خاطيء .. ننظر لأنفسنا بالمرآة و نطمئن أنفسنا أنه لا يمكن أن تنتهي حياتنا اليوم أو غذا بهذه السرعة

نحن نظن أنّنا أهمّ من أن ينتهي حالنا دون أن نشيخ و نتأهّل لاستقباله كتصريف طبيعي لدورة الحياة و التي يكون العجائز أقرب لبلعها بسلام ..

و استيعاب هذه الفكرة هي ما يجعل المرء يمضي حياته منغّصا من هذه الحتمية، و قد نعثه الرسول عليه الصلاة و السلام بهادم اللذات، و لهذا فالإنسان يتفادى بشدة الحديث عن الموت، و يتعوّذ منه كما كان يتعوّذ الأوروبيون من الطاعون في القرن الرابع عشر ..

يحاول تناسي هذا التناهي اللامحدود الذي سيلُفّه فلا يستطيع .. و أذكر أني قرأت فصلا في كتاب "الكلمات و الأشياء" لميشيل فوكو يتحدث فيه عن الاقتصاد و يورد فيه نظريات لعلماء و باحثين، حين قال : "الإنسان الاقتصادي ليس ذلك الذي يطوّر حاجاته الخاصّة و الأشياء القادرة على إشباعها، إنّما هو الذي يمضي حياته و يستهلكها و يفنيها في النجاة من الموت الوشيك" .. فتحليل القيمة عند الاقتصاديين كان مبنيا على الحاجة، لكنه عند فوكو كان مختلفا تماما في تصوّر فلسفي موسّع لأنتروبولجيا الخطاب الاقتصادي، اقتصاد الموت!

و إن ما يجعل من هذا الحادث أمرا جللا في حياة الإنسان، هو قطعيته التي لا تمنحنا إمكانية الاستدراك.

و إني أتذكر في دراسة قبل سنتين .. كيف وضعت فكرة موت افتراضي لشخص معيّن يربطه بآخر خصام أو سوء فهم عظّم القطيعة بينهم و كيف تغيّرت مشاعر الاستياء هذه بمجرّد إثارة وفاته.. كان هناك بمعظم الحالات ندم يتبعه حزن فانكسار .. والنساء كنّ ينهرن و بعضهنّ يحكين أسباب الخصام و هنّ يبكين بشدة .. و كان الرجال يجمّدون نظراتهم و قد لا ينبتون بكلمة ..


و الحقيقة أن أكثر شيء أثارني في هذه التجربة أنّ الشخص موضوع الدّراسة بمجرّد أن يعلم أن الآخر على قيد الحياة حتى يركض إليه يعانقه و يبكي و قد نسي كل ما مضى .. بدون اختلاف بين الرجال و النساء !

لكن الطرف الآخر الذي كان يعلم بالموضوع رغم تجاوبه لا تبدو عليه نفس اللهفة، و إنما تجاوبه نابع من الغدق الصادق من الطرف الآخر ..

و كان هذا هو الفرق بين الطرفين .. لقد خبر الفريق الأول أثر الفقد و استحالة الاستدراك التي يخلّفها الموت فكان ردّ فعلهم منافيا لما كان سيكون عليه خارج هذه التجربة ..

فيما أدرك الفريق الآخر فقط كمّ الحب و التقدير الذي يكنّه الآخر له ..


  • 4

   نشر في 22 مارس 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا