المشاهدة بمفردك ليست تعاسة! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المشاهدة بمفردك ليست تعاسة!

  نشر في 17 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

يحضرني هنا اقتباس للكاتب الراحل أحمد خالد توفيق "رحمه الله" وأنا لا أتذكره بشكل حرفي، لكنني مازلت أتذكر فحواه .. "أنه من التعاسة ألا تجد أحدا يحب ما تحب، ككتبك وأفلامك التي لطالما أحببت مشاركتها مع رفاقك، لكنهم أبدا لم يحبوها مثلك" أتذكر عند قراءتي لهذا الاقتباس أول مرة أنه أحزنني، حيث تذكرت الأفلام المحببة إليّ والتي قصدت مشاركتهم مع أختي كي نناقشهم سويا، وللأسف لم يعجبها أغلبهم بل راحت تنتقدهم بكل قسوة، حزنت حينئذ وتساءلت لماذا لم تحب أفلامي؟ وظللت حتى أذكر إيجابيات الافلام مع نفسي! ثم بعد سنين قابلت الاقتباس ذاته، وأعجبني رد فتاة في تعليقات الفيس بوك حيث قالت " أن الأفلام والكتب هي ذائقة شخصية، ليس بالضرورة أن ما أحبه يحبه غيري والعكس، أظن أن هذا الكاتب يملك حسا كئيبا" وبالطبع كلامها صحيحاً. 

لكننا بطبعنا نميل إلى مشاركة مفضلاتنا مع أحبتنا، نحب أن نرى ملامح الدهشة والإعجاب - وحبذا لو كانت افتتان بالفيلم - على وجوههم. لكن لماذا افتتان ولماذا نتطلع أصلا إلى قبول أذواقنا لدى الآخر؟  نحن لدينا رغبة نفسية غريبة وهي التمجيد في خياراتنا وأذواقنا كأن بهذه الرغبة نثبت اختلافا أو تميزا في شخصنا، فمثلا أن شخصا يعشق الاستماع لمطرب ما ذو شهرة ضيقة أو فتاة تحب ممثل ذو أفلام جادة وناجحة، هذا لا يجعل من الاثنان مختلفان أو أنهما يمتلكان ذائقة فريدة مثلا وذات عمق، فالكثير والكثيرات يستمعون لهذا المطرب ويشاهدون لهذا الممثل. إذا أي من هذا لا يثبت شيء سوى أن كل واحد منا له مطلق الحرية في اختيار مطربه / ممثله أي كان الشخص الذي يقدم له نوع الفن الذي يحبه.

لكن يبدو أننا نسينا النظرة الداخلية لأنفسنا، النظرة المسؤولة عن تكوين الذوق الشخصي، بعيدا عن أي خوف وإحراج لأن أغلب الأذواق الآن أصبحت تُقاد خوفا من ألا تُوثَق بالعمق والاختلاف، بل وصل الأمر للسب والقذف علني بالجهل والتخلف على أصحاب الأذواق المغايرة!

وعلى أية حال نحن من المستحيل أن نتلقى الفيلم / الفن عموما بنفس النظرة ونفس الذائقة مهما أبدى الجميع إعجابه، ستجد كل شخص قد مال بخياله لزاوية مختلفة وخبايا أخرى عن الآخر وهنا تكمن متعة النقد البنّاء لا  أصحاب الآراء العشوائية الجاهزة؛  وهذه الفئة بالمناسبة لو شاركتهم فيلما  ما ولم يعجبهم فسوف يحملونك فشل عملية الإخراج والكتابة والتمثيل وكل ما يمت للفيلم بصلة!

لكن فلنعود للوراء قليلاً.. هناك قصة قصيرة أود ادراجها لإعطاء المقال معنى أكثر وضوحاً.

الوقت قد حان لعرض الفيلم، يقول صاحبنا، جلس الجميع بملامح مهيئة وفرحة، تبدأ الكاميرا بالتحرك سريعاً، ثمة زلزلة في تدرج المشاهد، تجعل الأنفاس تلهث على وقعها، يلتفت صاحبنا في فضول ليستشف هذا على ملامح البقية، لكنه يتفاجئ بأن أحدهم ممسكا بهاتفه وآخر ملامحه ساهمة بعيدا. يستدير مستنكرا، وقبل أن يبلع استغرابه صاح أحدهما "هذا الفيلم منسوخ" فعلقت أخرى مستفهمة وازداد الجدل حول قصة الفيلم التي أتضح أنها مأخوذة عن عمل أدبي معروف، وقد اقتبسته كل السينمات بطريقتها، لكن هذا الطرح باهت! هكذا حكموا عليه منذ أول ربع ساعة رغم تواريهم عن فعل المشاهدة من الأصل. لكن ليت الأمر توقف عند هذا الحد، بل راحوا يتحدثون ويتناوشون ومنهم من قام لقضاء أشياء وكلما مر يحجب الرؤية عن صاحبنا حتى شعر أنه جالس وسط خلية نحل، لا عائلته التي تمنى أن يقضي وقتا ممتعا في حضور الفيلم معهم. كل هذا لأن صاحبنا استثقل فعل المشاهدة بمفرده فقرر أن يشارك فيلمه مع العائلة، وهذا يبدو رائعا ومبهجا بادئ الأمر لكنه سرعان ما يتحول إلى كارثة!

هل عرفت الآن أن المشاهدة بمفردك ليست تعاسة؟ إلا إذا كنت تملك رفاق واعيون لتشاركهم أفلامك بكل أمان حتى لو الفيلم لم يعجبهم، لكنهم لن يهينوك أو يهينوا فيلمك بهذا الشكل، فأنا وأخي اعتدنا دوما في حالة لو قام أحدنا بفعل شيء أو أردنا أن نلقي بتعقيب نوقف الفيلم حتى ننتهي، وأيضا في حالة لو لم يعجبنا الفيلم من الأصل نقوم بتغييره لمشاهدة آخر، نعم حدث أننا اختلفنا مرات رغم تشابه أذواقنا، لكننا لشدة حبنا لفعل المشاهدة معا، نحاول أن نجد فيلما يرضي كلانا، ثم نختمه بنقدنا وآراءنا المختلفة، هكذا يكون رفيق المشاهدة الواعي.

أخيرا.. لا تحاول أن تقترح أعمالا  بعينها وخاصة المقربة إلى روحك، لأن لو لم تعجبهم لن يرحموك.. سوف يهينون ذوقك  بكل وقاحة، بل سيتعدى الأمر الخوض في معتقاداتك وأفكارك! 

دع كل شخصا يختار فيلمه / كتابه بنفسه، لحظة الاستكشاف داخل هذه الفنون هي متعة بحد ذاتها. أنا مثلا أتذكر منذ أعوام أنني طلبت اقتراحا لقراءة كتاب خفيف الظل، فاقترح علي شخصا  كتاب يُدعى "إذاعة الأغاني" والكتاب جد لم يعجبني وبالطبع توقفت عند الصفحات الأولى. بعدها بأعوام سألت مرة ثانية عن فيلم رومانسي كوميدي فلم يجيبني أحد وحزنت، فقلت لماذا لا أستكشف بنفسي؟ وبالفعل وجدت فيلماً ووجدت فيه ضالتي بل وأحببته للغاية. 

حلوة اللحظات التي نعثر فيها على مفضلاتنا بأنفسنا، فعندما يرشح لك أحدهما شيئاً وهو لن ينفك أن يسألك طوال الوقت هل قرأت/ شاهدت هذا؟ يا له من ملل! أدعكم الآن لتكتشفون فيلم السهرة بأنفسكم.



  • 3

  • Walaa Atallah
    اكتب يا هيبا.. فمن يكتب لن يموت أبدا.
   نشر في 17 نونبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 22 نونبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا