هاي البلد! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هاي البلد!

  نشر في 23 مارس 2017 .

“أنا مش منقول من هنا إلا لما شغلي يخلص .. يخلص بمدحت بتامر بسوسو بالوزير بالجن الازرق انا مش منقول من هنا .. زي ما انتوا موظفين انا كمان موظف ومسؤول وزي ما بشوف مصالح الناس لازم حد يشوف مصالحي”، انفعال “المواطن أحمد” (عادل إمام) بهذه الكلمات في فيلم “الإرهاب والكباب” هو أول ما استدعته ذاكرتي المشتتة أثناء صعودي وهبوطي المتكرر متنقلة بين طبقات مبنى “صحة نابلس” الأربعة، لا تسأل لماذا لم أستخدم المصعد!، باحثة عن من يقبل استلام المبلغ المالي المرفق بأوراقي، ولم أجد!.

تجاوزت الساعة الثامنة صباحا بعشر دقائق، شباك المحاسبة لا زال فارغا عن جانبيه إلّا من مراجع يتذمر وأنا الساخطة بصمت، ورغم أن هذا المبنى الحكومي يدخله المئات يوميا إلا أنني في ذلك التوقيت لم ألحظ أزمة انتظار أو حركة بشرية قوية في المكان، وكأن المراجعين متوافقون فيما بينهم من جهة وبين “عادة تأخير الموظف” من جهة أخرى على أن القدوم “حول الثامنة” هو “قلّة قيمة” لا حاجة لهم بها على الريق!

المشهد التالي، بعد خمس دقائق، وبعد أن وجدت بسهولة من يدلني على مكتب المدير، أيّ مدير!، وقفت بباب المدير الإداري وسألته إن كان حقا هو المدير فأومأ لي إيماءة عجوز مريضة بهشاشة العظام أن نعم، فسألته بعد انفعال شديد عن سبب هذا التأخير والإهمال الذي يجبرني على انتظار موظف متأخر أو لا وجود له، أجابني بلهجة أبوية ثقيلة: “معلش طولي بالك ليش معصبة، هلأ بتنزلي بتلاقيها اجت!”، كانت إجابته اللامكترثة كافية لي كي أدرك لماذا كانوا متعاونين، فقط، في إرشادي إلى مكتبه لأجده بهذه السرعة!

مشهد المسخرة الأخير، بعد 25 دقيقة انتظار جاءت الموظفة والتي كانت هذه المرة الأولى التي تعمل فيها في مكتب المحاسبة، فهذه ليست مهمتها الأصلية في هذا المبنى، وأخذتْ تبحث بتأفُّفِ عروس عن قلم و”دبّاسة” ومراسل متعجّبة، هي أيضا!، من هذا الإهمال: “شو هاد .. شو هالقحط!!”، حين جاء دوري، وبعد أن قفزت عن بقعة الماء التي خلقتها عاملة النظافة أمامي، سألتني الموظفة عن قيمة المبلغ الذي يجدر بي أن أدفعه إن كنتُ أعلم، فأعطيتها المبلغ، وكمن صعقته الكهرباء تراجعتْ للوراء معتذرة برعب لصّ: شو هاد؟ لا المدير مانعنا منع بات انو ناخد بالدينار الأردني، شوفي الدكتور فلان هو ممكن يصرفلك ياهم!، علامَ كل هذا “التشديد” هنا؟، لقد أعطيتُها قيمة المبلغ بالدينار الأردني وليس بالكوكايين، ولكن لماذا الدكتور فلان بالذات؟، المراجع الذي ينتظر على الجانب الأيسر من الشباك تندّر مبتسما: يا ترى بيصرف دولار كمان؟، أسقط في يدي وخرجت كي أجد حلا مصرفيا مستعجلا من أية جهة كانت إلا من الدكتور فلان!.

أنهيت مهمتي بشق الأنفس، وزاد من شقها عليّ أن لم يبتسم لي من كل الوجوه التي ألقيت لها التحية أحد سوى موظف واحد والذي حادثته لدقيقة واحدة كي أتأكد أنه لم يبتسم بدافع “الهبل”، وبدأت هبوط درج المبنى بتأنٍ شديد هذه المرة وكأني أحسب معدل نبضات قلبي لكل “درجة”، 6 نبضة/درجة!، أحسبها وأجادل نفسي بغضب منهك، إذا كان شريان حيوي مهم كمركز صحي حكومي رئيسي والأكثر اتصالا بما يخص “سلامة مواطن” لا تجد فيه معنيّا بانضباطٍ مسؤول نحو مريض أو “مشروع مريض” فأين يُتوقع أن أجد هذا الانضباط؟ من يعوضني عن نصف ساعة انتظار ويعوض ذلك المراجع عن ساعة وتلك المراجعة عن يوم كامل وذلك المريض عن حياة؟ .

من يقنع مديري، دون جهد ضائع مني، أن هذا التأخير ليس ذنبي كليا؟ من المدير على المدير؟ من المسؤول على المسؤول؟ على عاتق من يجب أن ألقي لوم الخطأ الأول والذنب الأول؟ وإن وجدت الخطأ وحددتُ مقترفه فمن سيحاسبه؟ من سيحاسب المخطئ إن كان الموكل بالحساب أيضا مخطئاً ومعينا على الخطأ؟ وكيف سيكون شكل الحساب إن كان؟ هل سيساوي قيمة الصبر المقهور والكرامة المفقودة والوقت المباح لكل أحد إلا لصاحبه؟ في المرة القادمة لإنجاز معاملة كهذه أي عملة يجب أن أعتمد وأي لون يجب أن أرتدي وفي أي ساعة يجب أن أستيقظ؟ وفي أي ساعة يجب أن يستيقظ الجميع؟!

وصلت إلى باب المبنى الخارجي فوجدتها قد بدأت تمطر توا، ولفرط انشغال ذهني استدرت بجذعي إلى الوراء كي أتأكد أنني لم أنس شيئا من متعلقاتي في “الداخل المحتل”!، فنبّهني صوت من خلفي: عمي .. ع البلد؟

أجابه صوت سيدة مرت بمحاذاتي سريعا، صوت أخذ الزمن من نغمه كل راحة: ولا وين .. هو احنا إلنا غيرها هالبلد!!



  • 1

   نشر في 23 مارس 2017 .

التعليقات

Salsabil Djaou منذ 3 سنة
مقال رائع فعلا الواقع مر بس احنا ما النا غير ها البلد
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا