العدوى الانتهازية: القراءات المتأخرة لجغرافية أوهام الربيعي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العدوى الانتهازية: القراءات المتأخرة لجغرافية أوهام الربيعي

  نشر في 04 مارس 2022 .

حسناً..

كانت الحاجة الملحة الى أدوات نقدية فعالة ومجدية للتعامل مع مقولات الحاخامات العرب وأطروحاتهم التي تدعوا الى نقل جغرافية التوراة من فلسطين الى اليمن وجزيرة العرب، هي السبب الأول الذي دفعني الى بناء وتكوين أسس وأدوات منهج جديد وتطويره، وهو المنهج الذي أطلقت عليه: منهج النقد العكسي.

بقدر ما كان الهدف الرئيسي من كتابي: "جغرافية التوراة وحاخاماتها العرب" هو تقديم نقد علمي حاسم لتلك النظرية، وتقديم الأدلة القاطعة التي تثبت مدى بطلانها وانتفاء صحتها على الإطلاق، وهو بالفعل ما تحقق بفضل تطبيق أدوات النقد العكسي، بالقدر نفسه الذي أردت فيه أن يكون الكتاب دليلاً إجرائياً لكل القراء والباحثين المهتمين بهذه النظرية، لتمكينهم من التعامل معها والتحقق من صحة معطياتها وادعاءاتها بطرق علمية وموضوعية.

حدث ذلك بالتوازي مع جهود باحثين آخرين كانوا من أنصار هذه النظرية ووصلوا الى مستوى متقدم من الإلمام بتفاصيلها، ولأن دوافعهم العلمية كانت محركهم الأول، فقد بدأت جهودهم تتجه الى مراجعة كل تلك التفاصيل وإعادة النظر فيها، وبطرق مختلفة أمكن لكل منهم أن يصل الى نتائج موازية للنتائج التي توصلت إليها عبر أدوات النقد العكسي، في الوقت نفسه الذي كانت فيه عملية المراجعة والفحص النقدي تجري من قبل بعض رواد هذه النظرية الكبار، والذين كانوا على مستوى كبير من الشجاعة الأدبية عندما أعلنوا عن تراجعهم تماماً وتخليهم الكامل عن القول بصحة جغرافية التوراة في اليمن والجزيرة العربية.

منذ ثلاثين عاماً تقريباً، تسلق شجرة نظرية الصليبي هذه الكثير، وصار لها رواد كثر، اشتهروا بفضلها وخاصة في مرحلة الذروة من دورة حياتها، ومن الطبيعي بعد وقت الذروة أن تستقر الفكرة أفقياً في مستواها الأعلى، أو أن تنحدر سقوطاً بفعل النقد، وما حصل مع نظرية جغرافية التوراة في اليمن والجزيرة العربية بعد وقت ذروتها ليس إلا الانحدار.

اليوم، لا أحد من رواد هذه النظرية مازال مستمراً في إنتاجها والتسويق لها إلا المفكر العربي فاضل الربيعي والذي وصل تعامله معها الى حد الإغراق المتناهي، فكثرة مؤلفاته وكتبه التي نشرها في هذا الشأن باتت تمثل كومة ثقيلة من الأخطاء الفادحة التي تحملها شيخوخته فوق كاهلها الضعيف، وقد وصلني مؤخراً أنه يعيش في حالة من العزلة، وأن شعوراً داهماً بالهامشية بات يسيطر عليه، نظراً لتخلي الكثير من القراء والباحثين عن النظرية وتراجع مستوى جماهيرية نظريته الى حده الأدنى، والحقيقة أني لا استبعد أن يكون هذا صحيحاً بالفعل، لأن الربيعي بالفعل كان كثيراً ما يعتمد على جماهيرية الفكرة أكثر من اعتماده على الفكرة ذاتها، ولا أعرف الى متى يمكنه أن يقاوم ويستمر في حمل تلك الكومة الفادحة.

نثق جميعاً بأن لا أحد بوسعه الاستمرار الى ما لانهاية في الاستخفاف بالعقول وتضليلها، وأن هذا الطريق مهما بدا ممكناً، إلا إن حبله يظل قصيراً ولابد وأن ينتهي بصاحبه الى سقوط مدوي.

**

بعض النظريات حتى وإن كانت خاطئة- خاصة تلك التي تحمل سمات راديكالية- تنتشر بطريقة ما تشبه طريقة انتشار الجوائح والأوبئة وتستمر في تعاليها الى أن يتم القضاء عليها، لكن وكما معروف ويعبر عنه بلغة علمية أدق من التعبير الذي اعتمده هنا، فإن ثمة أوقات حرجة تسبق لحظات القضاء التام على الوباء، يظهر فيها ما يُعرف طبياً بـ العدوى الانتهازية (Opportunistic Infection)، وهي عدوى لا يتسبب بها مباشرة الفيروس المسبب للمرض نفسه، وإنما تتسبب بها بعض الجراثيم الحية الحاملة لهذا الفيروس، والتي تحرص على أن تنقل العدوى الى الأشخاص المعافين.

العدوى الانتهازية في حالة نظرية الربيعي، تنطبق بشكل دقيق على أصحاب القراءات المتأخرة لها، أقصد من كانوا في سبات عميق طوال ثلاثين سنة مضت واستيقظوا اليوم ليكتشفوها.

يمكننا دائماً تصور ذلك الشعور الذي يعتمل في نفس الإنسان عندما يظن أنه اكتشف شيئاً جديداً، فيندفع الى إعادة تقديم الموضوع واستغلاله بطريقة ما وكأنه يعلم حقاً أن ما من أحد سبقه الى اكتشافه، وهذا بالإضافة الى كونه سلوك شخص متسرع يدل عن قلة وعي صاحبه وقصور ادراكه، فإنه سلوك انتهازي أيضاً.

**

في مقالة بعنوان: "إسرائيل بين أكذوبة فلسطين وحقيقة اليمن" بقلم عبد الهادي رفيق السعيدي- كاتب عراقي كما أظن- منشور في موقع وكالة الحدث الإخبارية، وشاركه لاحقاً عبد الباري عطوان في صفحته على فيسبوك، يمكن أن نتعرف بشكل مباشر على نموذج العدوى الانتهازية هذه التي تحدثت عنها آنفاً.

لنحاول أولاً إعادة تجميع أفكارنا السابقة، لدينا نظرية- كانت شائعة ورائجة من قبل وليس الآن بالتحديد- ومنهج نقدي أجريناه عليها وأثبت زيفها وبطلانها، وهي نتائج عززتها نتائج مراجعات وفحوصات نقدية قام بها آخرون، ولدينا ثانياً مقالة تكرس لهذه النظرية يبدو واضحاً أن كاتبها من القراء المتأخرين الذين فاتهم الكثير ومازالوا يجهلون الى أين آلت هذه النظرية اليوم، أو ما هو وضعها الراهن في الزمن الحاضر.

تتمثل إجراءات منهج النقد العكسي بالتحقق ابتداءً من أصالة الطرح، ثم فحص مرجعياته والتحقق من دقة النقل والتوثيق، ومن بعد ذلك اختبار مدى صحة المقولات الواردة فيه والتي يحيل إليها.

تبدو الفقرة التقديمة للمقالة منقولة تناصياً من مقدمات كتب فاضل الربيعي، وبالتحديد كتاب القدس ليست أورشليم، فقد بدأ الكاتب بالتماهي مع إحدى اللوازم المتكررة في خطاب الربيعي، وهي العبارات البادئة بأدوات الجزم القاطع. وبما أن التقديم خال من أي سمات ابتكارية تميز شخصية الكاتب عما هو مألوف في الكتابات الشائعة عن موضوع معين، فهذا يعني أننا أمام مقالة انطباعية ناتجة عن حالة من الغرق والاستغراق التأثيري الناتج عن صدمة اكتشاف موضوع ما لأول مرة، مع شعور خادع بأن أحداً لم يسبق الكاتب في الوصول إليه. اللوثة الانطباعية هنا واضحة للغاية، فكاتب المقالة مازال داخل أوعية الموضوع الذي قرأ فيه مؤخراً، ولم يتمكن من الخروج منها، ولهذا فإن كل ما سيرد في مقالته ليس أكثر من اقتباسات تناصية بدون إعمال عقله فيها، فقد وقع في أسر اكتشافه واقتنع به وأصبح عبداً له.

يخبرنا كاتب المقالة بعد ذلك مباشرة بأن الفقرة السابقة كانت موجز لنتائج علمية توصل إليها من وصفهم بقوله: "سياسيون وأساتذة وعلماء اّثار إسرائيليون"، ولكن، لماذا أقحم الكاتب السياسيين بالتاريخ والآثار؟!

سأقول لكم، لأنه توهم بأن (إسحق هرتسوك)- رئيس اسرائيل حالياً- قد كتب في هذا الموضوع، وهذا ليس صحيحاً، هنا يبدو واضحاً أن قصور معرفة كاتب المقالة وتسرعه في تحقيق هدفه الانتهازي، هو بالتحديد ما جعله يخلط بين إسحق هرتسوك رئيس اسرائيل وزئيف هرتسوج الأستاذ في قسم اثار وحضارة الشرق القديم في جامعه تل أبيب، وهذا دليل أكيد على أن الكاتب حتى لحظة كتابته لمقالته هذه، كان مغشياً قلبه وبصره وواقعاً تماماً في فخ تشابه الأسماء الذي تقوم عليه نظرية الوهم التوراتي بأسرها.

بحسب كاتب المقالة، فإن اسحق هرتسوغ وشلومو ساند وإسرائيل فلنكشتاين قد توصلوا في أبحاثهم وكشوفاتهم الأثرية الى حقيقة مفادها أن: فلسطين لم تكن يوماً أرضاً أو وطناً لليهود أو لبني إسرائيل لا تاريخياً ولا جغرافياً ولم يرد إسم فلسطين في كتب التوراة وأسفارها وأن الرواية الجغرافية والتاريخية الموجودة في التوراة مع ذكر الأماكن وأسماء الأشخاص لا تتطابق أو تتلاءم مع جغرافية فلسطين وتاريخها وإنما تتطابق وتتلاءم مع جغرافية وتاريخ اليمن القديم الذي يمثله تاريخ سبأ وحمير.

القارئ الحصيف يعرف فوراً أن هذا الهراء ليس صحيحاً على الإطلاق، فليس هذا أبداً ما توصل إليه زئيف هرتسوغ وشلومو ساند وإسرائيل فلنكشتاين، بل هو ببساطة ما يقوله ويردده فاضل الربيعي دائماً، وليس هذا فحسب، بل أن عجائب العدوى الانتهازية تظهر عندما نرى كاتب المقالة يشير الى أن الصهيونية تحاول اخفاء هذه النتائج الرهيبة، في الوقت نفسه الذي يصف هو فيه الاسرائيليين الذين ذكرهم ونسب إليهم تلك النتائج بأنهم صهاينة انحازوا الى العلم، والى نتائج الكشوفات الأثرية..!!

يخبرنا كاتب المقالة بعد ذلك، بأن ذلك كان هو ما توصل إليه باحثون (إستقصائيون) ومؤرخون عرب أكفاء كالمؤرخ اللبناني كمال صليبي والمؤرخ العراقي المعروف جواد علي والباحث والمؤرخ العراقي فاضل الربيعي والذين أكدوا بأن اليمن هي الموطن الأصلي للعرب من بني إسرائيل واليهود.. ياله من اكتشاف.

نحن نعرف هذا، ولكن جواد علي لم يقل شيئاً عن ذلك، بل أن رواد النظرية الذين ذكرت بعضهم، كانوا قد طعنوا في كتابه المفصل، واتهموه بتجاهل الحقائق والانقياد وراء توجيهات المستشرقين، فكيف جعلته واحداً منهم؟- لا نعرف، إنه مجرد وهم آخر من أوهام العدوى الانتهازية التي أصيب بها صاحب المقالة.

يتدخل الايتوس الذهني للكاتب ليعلن عن قناعاته بعد ذلك داعياً الباتوس الذهني للقارئ الى الأخذ بها، فلم يعد الأمر كشفاً معرفياً جديداً، بل أصبح جزء من منتجات العقلانية العلمية الراسخة، والتي بموجبها صارت قناعات كاتب المقالة على نحو ما هكذا:

(أهل اليمن في الأصل هم عبارة عن قبائل يهودية وإسرائيلية عربية، أسسوا مملكتي حمير وسبأ، وأن لغتهم السبئية هي اللغة العبرية، وأن أورشليم هي قدس اليمنية، وأن مصر هي بلاد الجوف اليمنية، وأن أرض الميعاد هي اليمن، وهذا ما تؤكده قراّءة النصوص التوراتية باللغة العبرية السبئية اليمنية القديمة، وأن فلسطين هي فعلاً أرض عربية مغتصبة سكانها الأصليون هم الفلسطينيون وهم عرب أقحاح)..!!

هكذا، أصبح الكاتب مصاباً بالعدوى الانتهازية وممارساً وناقلاً لها، فلا هو متمكن من الموضوع، ولا هو قرأ للأشخاص الذين ذكرهم وأشار إليهم، ولا هو بحث في الموضوع بشكل دقيق، وكل ما يعرفه عنه لا يتجاوز حدود ما أورده في مقالته هذه، فقد أعمته توقعاته الانتهازية بأن مقالته ستكون سبقاً صحفياً مثيراً لاهتمام جمهور كبير يجهل بشأنها، فيما الحقيقة هي أنه هو بذاته- وبعد ثلاثين سنة مضت من عمر هذه النظرية- كان: (آخر من يعلم)..!!

**

(1)- رابط مشاركة المقالة في صفحة عطوان- فيسبوك:

https://www.facebook.com/abdulbariadwan555/posts/1731126383885098

(2)- رابط المقالة في موقع وكالة الحدث الإخبارية:

https://www.alhadathcenter.net/index.php/views/76496-2021-05-31-15-05-39#:~:text=%D9%8A%D9%82%D9%88%D9%84%20%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%D9%8A%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B9%D8%A7%D8%B1%D8%B6%20%D9%87%D8%B1%D8%AA%D8%B2%D9%88%D9%83,%D9%83%D8%AA%D8%A7%D8%A8%D9%87%20%D8%A7%D9%84%D8%B4%D9%87%D9%8A%D8%B1%20%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B3%D9%85%D9%89%20%22%D8%A7%D8%B3%D8%B1%D8%A7%D8%A6%D9%8A%D9%84%20%D9%85%D9%83%D8%B4%D9%88%D9%81%D8%A9 


  • 1

   نشر في 04 مارس 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا