المغرب و الجزائر : أشِقّاء مع وقف التنفيذ ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المغرب و الجزائر : أشِقّاء مع وقف التنفيذ !

  نشر في 16 ماي 2018 .

مع كلِّ مستجد في العلاقة الغير طبيعية بين الجارين الشقيقين يتبين أنه من الصعب نسيان الماضي. هذا الماضي الذي صار حجر عثرة في وجه كل بادرة تريد الجمع بين البلدين على الأقل في ظل سطوة الجيل القديم على الحكم في البلدين.

بالعودة للسياق التاريخي لهذه العلاقة و بعيداً عن الصراع السياسي و أسبابه، فإن ما يجمع البلدين و الشعبين أكثر مما يفرقهما. لكن ما يُتخذ على أرض الواقع من قرارات من كلا الجانبين و على جميع الاصعدة يزيد من حجم الفجوة. فالمغرب يعتمد منذ عقود في علاقاته الخارجية على موقف البلدان من قضية وحدته الترابية، بينما الجزائر ذات القيادة العسكرية "الثورية" تتمسَّك بدعمها للجهات الإنفصالية ضد الجار الشقيق تحت عباءة دعم حق الشعب "الصحراوي" في تقرير مصيره. لكن على العموم يبقى استمرار هذا الصراع المُفتعل كل هذه السنوات أمراً غير مفهوم لأنه يسير عكس ما تطمح إليه شعوب المنطقة عامة من وحدة و نبذٍ للتفرقة في إطارٍ من الاندماج و التكامل.

تتعدد النزاعات الثنائية في المنطقة العربية، لكن يبقى الصراع المغربي الجزائري ذو صبغة خاصة لأنه يأخذ عدة أبعاد أهمها النزاع حول الزعامة في المنطقة و الصراع الدائر حول الصحراء.

- نزاع الزعامة الإقليمية :

يعتبر المغرب و الجزائر قوتين متوازنتين سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا، يطمح كلٌّ منهما إلى قيادة المنطقة و لعب دور المحاور الوحيد للغرب بها، وفي سبيل تحصيل هذه الزعامة، يسخِّر البلدان كلَّ طاقاتهما لأجل إنهاك بعضهما البعض و التفرد بالقيادة. ويمتد سباق الزعامة هذا إلى ساحات أخرى غير سياسية، فسباق التسلح المحموم بين البلدين يثير الفزع، حيث يصرف كل منهما مليارات الدولارات سنويًّا في شراء الأسلحة، كما أن رحى حرب الزعامة تدور حتى في المعترك الديني، إذ يحاول كل منهما تصدير نموذجه الديني إلى الخارج، سواء بالبلدان الأفريقية أو البلدان الأوربية.

ساهم في هذا التسابق المحموم حول الزعامة اختلاف طبيعة النظامين السياسيين الحاكمين، حيث نجد في المغرب نظامًا ملكيًّا دستورياً مع دور مقيد للأحزاب، بينما نجد في الجزائر نظامًا جمهورياً ذا طابع عسكري مخابراتي صِرف، الشيء الذي أدى إلى محاولة كل منهما لعب دور شرطي المنطقة -ولا سيما فيما يخص ملف الإرهاب- لإكساب نظامه الحاكم شرعية دولية وإقليمية ووطنية أكبر.

- نزاع الصّحراء المفتعل :

يعتبر الصراع القائم في الصحراء المغربية من أقدم الصراعات التي لا تزال تراوح مكانها دون حل، حالة الجمود هذه لا يمكن تفسيرها إلا بغياب إرادة سياسية حقيقية للأطراف للدفع باتجاه تسوية تطوي معها عقود من الصراع و الحرب الباردة بين البلدين، فالجزائر التي لا تعتبر نفسها طرفاً في الصِّراع تدّعي دعم الشرعية الاممية متهمة المغرب بالبلد المحتل.. لكن في الحقيقة تحتضن و تدعم الانفصاليين، بينما المغرب يعتبر جارته الشرقية دولة تعمل على تقويض وحدته الترابية و زعزة امن المنطقة عبر السعي لخلق دويلة جنوبه لن تكون الا بؤرة جديدة للتوثر جنوب المتوسط.

خلّف النزاع بين البلدين آثاراً كارثية على الشعبين، تشمل الخسائر التي يتكبدها البلدان مستويات عديدة أبرزها المستوى الاقتصادي، فعلى سبيل المثال لا الحصر مع استمرار إغلاق الحدود بين البلدين تُقدَّر الخسائر بمليارات الدولارات سنوياً، حدودٌ إن فتحت ستدِر بالتأكيد أرباحاً على البلدين و تساهم في خلق نوع من التكامل الاقتصادي من شأنه النهوض باقتصاد البلدين، بل و تنميتهما عبر تخصيص مقدَّراتهما الطبيعية لأجل ازدهار المنطقة و رقيِّها.

لم يعد يقتصر النزاع على الأنظمة الحاكمة فقط، بل تعدى ذلك لينتقل العداء إلى الشعبين الشقيقين، يكفي أن تقرأ بعض التعليقات لمنشور ما يخص البلدين أو أحدهما على أي منصة اجتماعية -حتى لو كان الموضوع بعيد عن السياسة ككرة القدم- لتعرف حجم العداء الغير مفهوم والتنافر بين مواطني الجارين. لا ندري ان كان فعلاً هؤلاء الذين يتراشقون بسبِّ و قذف بعضهم البعض ينتمون حقاً للشعبين أم مجرد ذباب إلكتروني تابع لهاته المخابرات أو تلك. حينما تنحصر الخلافات السياسية بين الأنظمة الحاكمة فقط، فإنه يمكن حل تلك الخلافات ومحاصرتها، لكن عندما يتم إقحام الشعوب في تلك النزاعات، فإن الأمر يصبح خطيرًا بشكل كبير حيث تتجذر ثقافة العداء في المجتمع، ويبدو أن الوضع بين المغرب والجزائر يسير في هذا الاتجاه، خصوصًا مع التحريض الإعلامي المتبادل بينهما، الشيء الذي ينبئ بالأسوأ في القادم، ولا يساعد في كل الأحوال على حل المشكلة بين البلدين.

تأسيسا على ما سبق، فإن احتمالات تسوية الخلافات المغربية الجزائرية وحصول انفراج في العلاقات البينية مسألة مستبعدة في المستقبل، بل إن الأفق الأكثر احتمالا هو استمرار الوضع الحالي والذي يشبه حالة حرب باردة متحكم فيها. حرب راح ضحيتها مشروع اتحاد المغرب العربي الذي أعلن عنه سنة 1989 و الذي يعيش موتاً سريرياً منذ سنوات، الشيء الذي حرم البلدان المغاربية من تحقيق ما تتمناه شعوب المنطقة من توحد و اندماج.

أخيرًا من المهم أن لا نغفل حقيقة أنَّ الكثير الكثير من مواطني البلدين تربطهم علاقات طيبة ولا يأبهون كثيرًا بالنزاع السياسي بين البلدين، بل يحكِّمون لغة العقل و المصير المشترك ويتطلعون إلى اتحاد مغاربي، يتعايش فيه سكان شمال أفريقيا بمختلف انتماءاتهم العرقية والثقافية في أمن وأمان، لكن هذا الأمر سيظل مجرد أمنية حالمة في انتظار عودة الدفئ الى علاقة البلدين.


  • 1

   نشر في 16 ماي 2018 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا