حديث خُلُق ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

حديث خُلُق !

  نشر في 06 نونبر 2016 .

حديث خلق !

حدّث محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (المصريّ) ، سنة 215هـ ، قال :

غشيت يوما مجلس (الشافعيّ) على غير عادتي متأخرا ، فتصفّحت الوجوه بين الزحام أبتغي من يجلسني قريبًا من مجلس الإمام ، حتى رأيتُ (يونس بن عبد الأعلى الصدفيّ) ، فأشار إليّ أنْ ههنا وتفسّح، فأقبلت إليه أدرُج ، ثم جلست ثَمّ ، وأقبلت على الإمام بسمعي وبصري ..

كان الشافعيّ عقلًا صقيلا ذا فقه ، وقلبا صدوقا ذا عفة ، وشاعرا مبينا ذا حكمة.

له هيبةٌ تعلوه ووقار ، ما قدم علينا مصرَ حتى اجتمع الناس إليه يقولون رجل من قريش يقال له (محمّد بن إدريس) من أصحاب مالك، جاء يحمل علمَ المدينة وأكثر، وفقه العراق وأكبر، وكان ذلك سنة 199هـ ، جئناه يومئذ وهو يصلي فكان أحسن الناس صلاةً، وأحسنهم وجهًا، فلمّا انفتل من صلاته قال كلامًا، ما رأينا أحسن كلاما منه، فافتتنّا به !

وأكمل (المصريّ) يحدّث : فما إن جلستُ إلى جنب يونس الصدفيّ حتى انتهى إلى سمعي كلمات (الشافعي) في مجلسه ذاك ، وهو يقول :

وعلى ما أنتم سامعوه من آرائي هذه، وما أنتم واجدوه في كتبي تلك، فإنّها وإن كانت عندي صوابٌ غير أنها تحتمل الخطأ فأراجعها وأعيد النظر؛ وطالما كنت أرى الرأي فأرجع عنه لعلمي بحديث أهل العراق، أو أعدل عنه بعد معرفتي بفقه أهل مصر؛

فكلّما ازددتُ علمًا = زادني علمًا بجهلي.

وأما قول غيري ممّن خالفني فهو عندي خطأ لكن يحتمل الصوابَ؛ لأن المرءَ لا يخلو من قصورٍ في علمه أو فهمه يسدّدهما أصحابُه أو مخالفوه فيه ؛ من أجل ذلك أنظر في حجّة مُخالفي دوما فربما هي الحق، ولستُ بمضيق صدرا على مريد جدال كيما نصل إلى الحقّ الذي تعبّدنا الله به ؛ وتاللهِ ما أبالي أكان يجري الحقّ على لساني أم لسان خصيمي، ولكنْ أبالي أن أجري مع الحقّ حيث يجري.

قال محمد بن عبد الله (المصري):

فوالله يا إخواني .. كأنّما صبّت كلماته الرقراقة تلك على قلبي ماءً باردًا ، وأزال عنّي كربة ما كنت ألقى من همّ اختلاف الناس، وخلاف هؤلاء الفقهاء، وتذكّرت ساعتئذ نصيحة والدي (عبد الله بن عبد الحكم) بأن ألزم الشافعيّ ومجلسه؛ فكثيرا ما كان يقول لي إنّ الشافعيّ كبير العقل وسِع الناسَ عقلا، كثير النقل غلبهم حججا ، واسعَ العلم والصدر، وكانت أمنية والدي (أبي محمّد) أن يُدفن إلى جانب هذا الجبل الأشمّ.

فلمّا قضى الشافعيّ حديثه ، سأله بعض الناس :

يا إمام ، كيف وسِعَك وأنت أحد تلاميذ الإمام (مالك بن أنس) أن تجلس بمجلس (محمد بن الحسن الشيبانيّ) وهو أحد تلاميذ (أبي حنيفة) ؟ وقد علمت ما بينهما من الخلاف الكبير!

فقال الإمام (الشافعي) يذكر الشيبانيّ :

كان الشيخ -رحمه الله- جيدَ المنزلة، فصيحا لو قلت أن القرآن نزل بلغته لقلت، اختلفت إليه وقلت هذا أشبه لي من طريق العلم الذي أحبّ، فلزمته وكتبت كتبه، وعرفت قول أصحاب أبي حنيفة منه فاجتمع لي إذ ذاك علم مالك وفقه أبي حنيفة، وإني سمعت الشيباني مرة يذكر أنه سمع من مالكٍ أكثر من مئة حديث وأقام عنده ثلاث سنين. فمالكم ولخلافه مع مالك وهو من تلاميذه ؟

بل كنت أيامئذ إذا قام الشيباني من درسه ناظرت أصحابه في مذهبه، حتى جاء يوم فدعاني هو إلى مناظرته، فأعرضت صونًا لقدر العلم أن أغلبه واستحييت ، فأبى عليّ إلا ذاك ، فما كان إلا ذاك.

ثم ابتسم الشافعيّ وقال: فناظرته ؛ وما ناظرتُ سمينا أذكى منه !

قال محمد بن عبد الله (المصريّ) : ثم سمعتُ رجلا من العامة اجترأ على أبي حنيفة متعصّبا لمالك، لأن الشافعيّ تلميذ مالك، فقال الرجل بعد أن غالط : تعس حظّ العلم والله .. ومن أبو حنيفة حتى يخالف الإمام مالكا ؟

فما سمعها الشافعيّ حتى احمرّ لها وجهه، فقال وعلى محيّاه بسمة المغضب: من يريد أن يتفقّه فلينظر أيّ الناس هو؟ فلعَمري إن الناسَ عيالٌ على أبي حنيفة في الفقه !

قال المصري : فما أن انفضّ المجلس، حتى دنوت من يونس الصدفيّ وقلت له: يا أخي ما عهدي بهذا الرجل القرشيّ، إلا كعهدي بما يقوله أبي عن الإمام مالك، علمًا وسمتًا وهديًا ، فكأنّما هو هو.

فقال لي يونس (الصدفي):

كذلك يقول كلّ من عرف مالكًا - رحمه الله - وسمع من فقهه ورأيه؛

يا محمّد .. ويكأنّ العلم ينجِبُ في أهلِه سلامةَ الصدر، ونضارةَ الوجه، وجودةَ العقل ؛ فيجعلها متوارثةً في طلّابه جيلا إثر جيل ، كما يرث الولد من أبويه خَلْقَه وخُلُقه.

والله يا أخي قد قرأت كتاب الله في صباي على أبي سعيد عثمان "ورش" ، وصحبت سفيان بن عيينة، ورويت عن عبد الله بن وهب، وجالست أشهبَ الفقيه ، بيد أني ما رأيت أعقلَ من الشافعيّ ؛ إذ ناظرتُه يومًا في مسألةٍ فتجادلنا، وعلى أنه أكثر مني علمًا وأكبر مني سنا إذ يكبرني بعشرين سنة ، لكني لمّا قمت من عنده، أقبل فمشى معي يواسيني وأمسك بيدي، كفّي بين كفّيه. ثم قال لي: ألا يستوى يا يونس أن نكون إخوانًا، حتى وإن اختلفنا في مسألة !

قال يونس: فقلت له: إي واللهِ يا أبا عبد الله! ونعمة عين !

_______________

2- قال (المصري) لأصحابه وهو يحدّث : ومضت سنون وأنا ملازم لمجالس الشافعيّ .. حتى دخلت سنة 204هـ ...

وكنت أيامئذ مُقرّبا عنده، حتى إنهم قد أخبروني أنّ الإمام رآني مرة عن بعد فقال: "وددتُ أنّ لي ولدا مثل محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وعليّ ألفُ دينار لا أجدُ قضاءها!" ، فإن شهادته تلك لتعدل الدنيا.

قال (المصريّ) :

وجمعني مجلس بالشافعيّ وأصحابه ذات ليلة، فكانوا يذكرون كتابه الذي ألّفه مخالفًا الإمام مالك بن أنس، وكان برفقتنا (إسماعيل المزنيّ) تلميذ الشافعيّ وصاحبه ، فأنشأ يقول :

يا أبا عبد الله، إني لخُلق من أخلاقِك ، فعلّمني نفسي لك الفداء ، ما أجاءك على أن تخالف شيخَك مالكا وأنت آخذ منه، وهو معلّمك؟

فقال أبو عبد الله (الشافعي) :

يا إسماعيل ، إذا ذُكر العلماء فمالك هو النجم، وما رأيت كتابا بعد كتاب الله أكثر صوابًا من موطّئه الذي جمعه ، لكن أبى الله أن يتمّ إلا كتابه ، فما من كتابٍ بعدُ إلا وهو ناقص غير تامّ، وما من عالمٍ بعد مَن عصم الله من أنبيائه إلا وهو يزلّ في بعض الرأي ويصيب في بعضه. وعلِمَ الله أنّي استخرْتُ الله عامًا وأكثر في أن أظهر كتابي هذا مخالفا مالكا -رحمة الله عليه- ، إذ استحييت منه حيّا وهو شيخي، واشتدّ استحيائي أن أخالفه ميتًا فلا أفي له ؛ كالمنتهز فواته.

ولكن.. -لعمري- إن الحقّ أحبّ إليّ من مالكٍ، من أجل ذلك أبديت ذلك الخلاف مستعينا بالله، "واللهُ لا يستحيي من الحقّ".

قال محمد المصري : فقلتُ للشافعيّ : يوشك غدا أن أضع كتابا فيه ردّ على كتبك، أفترضى يا شيخ ؟

فقال: إن كان ردّك ابتغاء مرضات الله فلا غرو أن أرضى، أما إن كانت للدنيا فلن تفلح ولن أرضى. ولقد خالفتُ أبا حنيفة زمانا فزعم قوم أني أخالفه من أجل أمور الدنيا، فكيف يكون ذلك ومعهم الدنيا! ؛ ألا إنّ المنكر من الردّ ما كان فيه ظلم ومكابرة، أو فيه قصد انتصار لنفس أو غلبة لمذهب، ولقد أتيت مصر على قوم هم بين رأي أبي حنيفة وفقه مالك، فشئت أن أشغلهم بأمر ثالث يغنيهم عن الاكتفاء برأي الرجل الواحد وفقه الرجل الواحد ؛ ولست أقول ما قاله فرعون : ما أريكم إلا ما أرى !

قال المصريّ : فقلتُ : وقد حصل لك ما أمّلته يا إمام، فها هم الناس راغبون في مذهبك ، وإن كنت تجد من بعضهم الأذيّة والتّهمة ؛ فإن هذا من حسد الأقران - نعوذ بالله من السوء-.

فقال (الشافعي): غفر الله لنا ولهم .. ولا ننسَ أنفسَنا نحن؛ إنّ أحدنا ممّن يظلم غيره من أهل العلم أو يعتدي على عباد الله ، لتدركه المصيبة تستدركه، ويصيبه المرض يردّه إلى الله ، فلا يرجع إليه... ولكِنْ يعود إلى ما يزيّنه له وهمُه من شعائر الدين؛ يعودُ إلى صيام النافلة وإلى قيام الليلة ، ولا يعود إلى إصلاح ذلك الخلل من نفسه.. إذ إصلاح هذا الخلل بردّ الحقوق هو الرجوع إلى الله حقا .. وسلامة الصدر هي السبيل المستقيم.. لا التخشّع والتزهّد بلا معنى ..

قالوا : ومثلك يقول هذا يا أبا عبد الله ؟ أوليست هذه النوافل هي ما تقرّب العبد من ربه كما صحّ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله سلم-، حتى يحبّه فيكون ملء سمع المؤمن، وبصره ، ويده ، وقلبه!

قال: بلى، ولكِنْ بعد أن تُؤدّى فرائضه وتُسلَم حقوقَه أولا، فمن رُضَّت يده ليس عليه أن يضمّد رجله، ورُبّ طيرٍ هِيضَ جناحاه لا خير في عَدْوِه ما لم يصلحْهما.

ثم أنشد الشافعي:

إذا شئت أن تحيا سليمًا من الأذى ... وحظّكَ موفورٌ وعِرضُكَ صيِّنُ

لسانَك لا تذكر به عورةَ امرئٍ ... فكلّك عوراتٌ وللناسِ ألسُنُ

وعينك إن أبدتْ إليك معايبًا ... فصنْها، وقل: يا عينُ للناسِ أعينُ

وعاشرْ بمعروفٍ وسامحْ من اعتدى... وفارِقْ؛ ولكِنْ بالتي هِيَ أحسَنُ !

قال المصري: وانقضى المجلس... وكانت هذه آخر ليلةٍ لي مع الإمام .. حتى حلّت به الفاجعة!

قالوا : وما ذاك ؟

_____________________________

3- قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم (المصري) :

كان للشافعيّ خصومٌ يقعون فيه ويعرض عنهم، ويسيئون ويحسن إليهم ، منهم أشهب الفقيه شيخنا، وهو إمامٌ كان أبي يجلُّه إذ كلاهما من أصحاب مالك ، وكان يمتدحه الشافعيّ أيضًا فيما رُوّينا عنه، فإن الشافعي قال فيه : "ما أخرجت مصر أفقه من أشهب، لولا طيش فيه".

غير أني كنت عند أشهب ليلة أسمع منه، فسمعته يدعو على الشافعي بالويل والثبور، حتى إنه ليقول في سجوده: "اللهم أمت الشافعيّ وإلا فيوشك أن يذهب علم مالك"!

فقصدت الشافعيّ يومئذ فزعا وأخبرته بالخبر - غفر الله لي- ، فضحك منه - رضي الله عنه - وقال: " لا بأس .. مَن صدق في أخوّة أخيه قبِلَ علَلَه، وسدّ خلله، وعفا عن زللِـه" .. ثم جلس مليّا ينظر إلى السماء، ثمّ أنشدني:

تمنّى رجالٌ أن أموتَ ، وإن أمُتْ .. فتلك سبيلٌ لستُ فيها بأوْحَدِ

فقُلْ للذي يبْغي خِلافَ الذي مضى .. تزوَّدْ لأخرى غيرَها.. فكَأنْ قَدِ !

قال المصري لطلابه : أيْ يذكّر أشهبَ الفقيه أنْ أعدَّ وتزوّد لموتك أنت أيضًا فإنّك لاحقي...

قالوا: أهذه هي الفاجعة ؟

قال: ليت ..

...

قال (المصري) متخشّعا :

سألت (إسماعيل المزنيّ) عن ما حصل للشافعيّ في محنته ، فحدّثني فقال :

جاء يوما أحد خصوم الشافعيّ من الفقهاء المالكيين ، يقال له "فِتيان بن أبي السمح" وهو من أصحاب مالك ، متعصّب إلى رأي مالك جدا، وقد ناظر الإمام الشافعيّ مرارًا ، وهو من أشغب الناس في المناظرة؛ إذا ناظر كأنّما هو في سوق يبيع ثيابا لا عالم يعرض حجاجا ، فطلب مرة مناظرة الشافعيّ فكان له ذلك ، حتى إذا غلبه الشافعيّ عادتَه وكان قويّ الحجة، قام "فتيان" فشتم وسبّ، وأرعد وأزبد، ولم يردّ عليه الشافعيّ حرفا واحدا، ثم زاد فتيان عليه أن قام مستوفزا يهدّد بتأديب الإمام وضربه ، فما تسنّى له ذلك، ثم إن فتيانا هذا قام يشكوه إلى السلطان ، فلم يُجْدِ ذلك في إيذاء الشافعيّ بل عاد بالأذى على "فتيان" نفسه ؛ إذ أمر بضربه الأمير جزاء فعلته.

حتى إذا كان الشافعيّ يومًا في مجلس له قد انقضى ، ولم يبق إلا قلة قليلة حول الشيخ، إذ أقبل رجال على المجلس من غيرِ أهله، يقال أنهم من أصحاب "فتيان"، سيماهم في وجوههم من أثر الشرور، شداد غلاظ، فدنوا من الشافعيّ وأمسكوه من تلابيب ثيابه لا يتورّعون، حتى أوقعوا عمامته بأخذتهم تلك، ثم عدوا عليه ، فما رأيتُ جبلًا اهتزّ أمامي كما رأيتُ يومئذ ، فما كاد يقوم إلى الإمام من يدفع عنه وينجده من أصحابه حتى كان النوكى هؤلاء قد حطَموه ضربا، ونالوا من بدنه النحيف ما نالوا!

وإذا بجبل العلم خاشعًا متصدّعا ملقىً بين أيدينا يا محمّد ...

قال (المصري) وهو يبكي :

- ليت شعري- ما يفعل الهمج الرعاع في علمائهم ؟ .. أما والله إننا لقوم سوء .. لا نجلّ علماءنا ولا نكرم كبراءنا !

ثم حدّث (المصري) ، فقال: أخبرنا أنسُ بن عياض ، عن هشامِ بن عروة ، عن أبيه عروة ، عن أبي هريرة : أنّ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قال :

"عُذّبت امرأةٌ في هرةٍ أمسكتها حتى ماتتْ من الجوع؛ فلم تكن تطعمها، ولا ترسلها فتأكل من خشاش الأرض" ... هذه قطة يا إخوني .. فكيف بالإنس؟ ثم كيف بالعلماء؟ ثم كيف بالشافعي؟!

قال المصري: ثم قال المزني :

وأُخذ الشافعيّ إلى بيته يُمرّض ، والشافعيّ مبتلىً بالأمراض منذ سنوات ، حتى إن كنا لنرى الدماء تسيل منه وهو راكب من أثر البواسير.

وأقبل أصحاب الشافعيّ إلى بيته يعزّونه بمصابه ، فإذا هو في حالٍ يرثى لها ، قد ملأ الغوغاءُ جسمه مرضا، حتى كاد أن يكون حرضا ، وسمعتُ أحد تلاميذ الشيخ أبا محمّد (الربيع بن سليمان) وهو صاحبي وسَنيني، متحزّنا مطرقا يقول لللشافعي: أوّاه .. قوّى الله ضعفَك يا أبا عبد الله .. قوى الله ضعفك.

فابتدره الشافعي على ما فيه من عِلّات، يقول: ( انظر ما تقول يا أبا محمد .. أما إنّه لو قوّى ضعفي على قوّتي لهلكت ! )

فقال الربيع معتذرا : يا أبا عبد الله .. ما أردتُ إلا الخير !

فقال الشافعي يبتسم : (يا أخي.. والله لو دعوتَ عليّ وسببتني صُراحًا لعلمت أن لم ترد إلا الخير، وما وجدتني إلا محسن الظنّ بك! .. فكيف بهذه ؟)

وقام أناس يثبّتون الشافعي في بليّته ؛ فأثنوا عليه خيرا ، حتى قال قائلهم : إنك لأنت المقصود فيما روي عن رسول الله من أنك "عالم قريش الذي يملأ الأرض علما" .

فبدت كراهية ذلك في وجه الإمام، فلما أثنوا عليه مرارا ، قال : ويحَكم ! مغرورٌ واللهِ مَن غررتموه .. ليت شعري وددتُ أن هذا العلم الذي تذكرونه وُزّع في الآفاق على العالمين وما نُسب إليّ حرفٌ منه، حتى أرِدَ على الله خليّا من كلّ سمعةٍ ورياء ؛ إذ لا بدّ لهذا القلب من نزغات ووسوسات تضعفه، يغفر الله لنا ولكم ..

.. حتى إذا دنا منه الأجل، وأزف انقطاع الأمل، أخذته سكرةٌ من موت، ووعكة من ألم ، فامتقع لونه وشخص بصره ، كأنّه يرى ما لا نرى. قال المزني: فسألته : كيف أصبحت يا إمام ؟

فقال :

أصبحتُ من الدنيا راحلًا .. ولإخواني مفارقًا .. ولكأس المنية شاربًا .. وعلى الله واردًا .. ولسوء عملي ملاقيًا ..

وما أدري أصائر بي إلى جنة أم إلى نار !

ثم أنشد :

إليك إلهَ الخلْق أرفَعُ رغبتي ... وإن كنتُ- ياذا المنِّ والجود- مُجرما

ولمّا قسا قلبي، وضاقت مذاهبي .. جَعَلْتُ الرَّجَا مِنِّي لِعَفْوِكَ سُلّمَا

تعاظمَني ذنبي فلمّا قرنتهُ ... بعفوكَ ربي، كانَ عفوَكَ أعظما

فَمَا زِلْتَ ذَا عَفْوٍ عَنِ الذَّنْبِ لَمْ تَزَلْ ... تَجُودُ وَتَعْفُو مِنَّة ً وَتَكَرُّمَا

فيا ليتَ شعري هل أصيرُ لجنةٍ ... أُهَنّا ، وأمّا للسعيرِ فأندما

عَسَى مَنْ لَهُ الإِحْسَانُ يَغْفِرُ زَلَّتي ... ويسترُ أوزاري وما قد تقدّما

قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم :

ولد الشافعي سنة 150هـ ، ومات الشافعي- رحمة الله عليه - في آخر يوم من شهر (رجب) سنة 204هـ ؛ عاش أربعا وخمسين سنة ، وانطفأت شمسٌ كانت تضيء مصر خمسة أعوام !

وما انقضى شهرٌ بتمامه .. حتى توفّي أشهب الفقيه .. فكنا نرى أنها من عجائب الشافعيّ في تذكرته لأشهب .. يرحمهما الله تعالى جميعًا.. ويغفر لهما .. " ربنا لا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا"

" اهــ

محمود صقر الصقور

____________

1) يونس بن عبد الأعلى الصدفيّ (170-264) عالم مصر ، وكان تلميذا للشافعي.

2) محمد بن عبد الله بن عبد الحكم المصري (182-268) ، وقد وضع كتابا في "الرد على الشافعي" بعد وفاته ، ويقال أنه غضب من أصحاب الشافعيّ فترك مذهبه .

3) أبوه ، عبد الله بن عبد الحكم (155-214) أوصى ابنه محمدا أن يلزم الشافعيّ، من حبّه وإجلاله للإمام ، وقد دفن عبد الله إلى جنب الشافعي - رحمهما الله-.

4) محمد بن إدريس الشافعيّ (150-204) الإمام المعروف.

5) أبو حنيفة النعمان (80-150) الإمام أبو حنيفة.

6) محمد بن الحسن الشيباني (131-189) أحد تلاميذ أبي حنيفة وممن صحب مالكا.

7) مالك بن أنس (179) صاحب المذهب.

8)- إسماعيل المزني (175-264) تلميذ الشافعي وناصر مذهبه.

- الربيع بن سليمان (174-270) تلميذ الشافعيّ وراوي كتبه.

9) أشهب الفقيه (140-204) فقيه مصر المعروف، خلفه في رئاسة الفقه عبد الله بن عبد الحكم.

10) فتيان بن أبي السمح (150 - 205) مات بعد الشافعي بعام، ولم يشتهر ذكره وطمر رأيه فكان الناس يرون أن هذا من كرامات الشافعي.



   نشر في 06 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا