كفاح أبي (2) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

كفاح أبي (2)

  نشر في 27 يناير 2017 .

لم تزل صورته ماثلة أمامي، و هو بالكاد يستطرد الأنفاس، يجد المشقة في شهيقه و زفيره و قد وضع يده اليمنى على صدره و خلف يساره وراء ظهره سنداً لجلسته، كان قد جلس على جنب السرير و قد أحطنا به من كل الجهات، يتطلع إلى وجوهنا و كأنه يسألنا ضخ المزيد من الهواء إليه و إلا افساح الفضاء عنه. كان الوقت ظهراً و درجة الحرارة قد عرفت في الأيام الأولى من شهر رمضان زيادة طفيفة على ما اعتدناه قبل رمضان، صار الجميع يتأفف و يتضجر، ليس لحرارة الجو و إنما لضعف الحيلة أمام تدهور الحالة الصحية للوالد و عسر تنفسه المفاجئ !! طالبناه بأن يستلقي على ظهره، أن يرفع قدميه عن الأرض و يجعل جسمه في مستوى أفقي، و كأن الجميع يتغاضى عن نجدته محاولا أن يجد بدائل لن تغني عنه شيئا، فعندما أسرعت إلى فتح النوافذ و أخذ البعض يستفسر عن ضرورة نقله إلى المستشفى، همست أمي في أذنيه بكل لطف :

عليك أن تفطر، عليك أن تتناول دواءك ...

هنالك توقفت الزفرات، بل انقبضت النبضات و تضاعفت حبيبات العرق على الجباه، كيف له أن يخرق حرمة الشهر بعد عمر مديد من الصيام، لكنها حالة الضرورة للإفطار، لكنه عالم بحاله و أمر دينه، فلو كان رأى من نفسه أن يفطر لما تردد للحظة، رفع أبي رأسه في وهن و كلنا يرقب ردة فعله، كانت عيناه ملأى بشيء من الجدية المعهودة في نظراته، و كأنه يحدثنا بغدر الزمان، بزوال الحال و تقلب الثواني، أو لعله يستنكر هذه الجرأة في الطلب و هوانه على أحب أهله، لكن الحقيقة غير ذلك، حملت ثنايا نظراته طلقة سراح، كان في أشد الحاجة إلى من يفتيه في أمره أو على الأقل يحثه عليه فيجد عليه الحجة منه لإفطاره و كان له ما أراد من أكثر الناس فهماً للغة صمته.

سارعت بمناولته علبة دوائه حينما وضعت أمي كأس الماء بجانبه، أخذ يفتش عن مضخة الأوكسجين الطبية التي يسعملها كلما ضاقت رئتاه بنفسه، لا أنكر أنه قد انتابني شعور غريب و أنا أراه يبلل شفتيه بالماء ونحن صيام، شعور سرعان ما تبخر بحرارة الراحة التي تراءت على محاياه، فما هي إلا دقائق حتى عادت أنفاسه إلى نسقها المنتظم و صار يرسل بين الفينة و الأخرى إبتسامة طمأنة مؤقتة، و كأن سرعة إستجابته لهذا الرشات الخفيفة من مضخته أوحت لي بأن عبء صيامه مريضا كان أشد وطئة من ضيق التنفس الذي نزل به ... فسبحان من سن الرخص لعباده.

كان مصابه ذاك و إقباله على الإفطار في نهار رمضان أول النذر بأن الخاتمة قد دنت، إفطار لم يكن ليصرفه عن مشاركتنا مائدة الإفطار المسائية دون غيرها، فكان يتخذ من المائدة الزاوية التي تضمن له انسيابية وقت جلوسه أو انصرافه، عكس مكانه المهجور على مائدة السحور، فنحن نجتمع على مائدة المطبخ فجرا و مائدة البهو مغربا، إلا أنه في المجمع الأخير كان قد اتخذ أقصى الجوانب معلنا بشكل وقور عدم انتمائه إلى صخب الجماعة و هم يفطرون، لكن انفراده هذا كان يدفعنا إلى مضاعفة الترحاب به و كأنه الضيف الذي غاب لسنين، فكنا نعامله أو لنقل نفطره كما لو صام الوصال مصرين على أن نشعره بأن صيامه من عدمه لن يجعلنا نهمل وجوده، و أن عليه أداء ضريبة تخلفه عن مائدة السحور على نحو إجباري مضاعف، إلا أنه لم يكن للرجل الواهن من طعامه إلا كوب حليب، كسرة خبز مع شيء من زيت الزيتون، معرضا بذلك عن كل ألوان المأكولات الأخرى، خصوصا بعدما أصبحت قائمة الأطعمة المباحة له جد محدودة تبعا لأوامر الطبيب منذ ثلاث سنين خلت. و على الرغم مما يعلمه و ما نفعله، كانت تلك الابتسامة الملائكية لا تهجر وجهه الشاحب، كانت إطراقة رأسه و تجاوبه بحركة إيجاب طفيفة، رده الوحيد على كل طلباتنا ...


  • 4

   نشر في 27 يناير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا