و أما بعد ..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

و أما بعد ..!

  نشر في 13 فبراير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 فبراير 2018 .

تَخَيَّلتُ المشهد كثيراً،فزعت.كنت لا أريد أن أفكر في ذلك لحظة زائدة أخرى تُنقص من عمري بالقلق الغير مبرر، و بالحق الغير مستحق.أجلس لأكتب رسالة أخرى لم تصل..لن تصل...

عيناي تدمعان فأصمت مطولاً، و أتمنى.ما أسوأ أن تحتاج بيأسٍ فتتمنى!

كُلُّ شيءٍ جَعلني أنا و رَسَم حياتي كان مصادفة عجيبة.

لازلت أذكر تلك الليلة، لم أكتب عنها مطلقاً في أية رسالة.جودت تفاصيلها في مذكراتي...

كنت أتلعثم، أتحدث بطلاقة و ثقة و أتراجع تراجعاً كبيراً.لم أكن خائفة، لا أخاف ممن أتوجه إليهم بكل كياني الحر.أجزع من أن أكون شخصاً مزعجاً في حياة أحدهم، لعلني أخنق الآخرين بتلقائيتي التي-ليس لها داعٍ- كما أخبروني.لماذا تفعلين هذا كله و لمن؟ماذا ستجنين غير عذاب القلب و تكبده عناءً آخر، أما تكفيكي حياتك؟

كنت أتأسف، أتأسف كثيراً..حتى أن الأمر اختلط علي.لم أكن أفعل ما أفعل تعاطفاً، فمن يريد أن يرهق نفسه بمشاكل الآخرين من أجل اللاشيء في صورة تعاطف؟!!

لقد كنت مخلصةً فقط، و أنا لم أستطع أن أكون غيري.

آوي إلى فراشي كل ليلة فأَعُدُّ الذين اختارت الحياة وجوههم لترسم عليها الحزن، و ثم أؤنب نفسي كثيرا...كثيراً جداً..

كيف أستحق أن أكون سعيدة إذا مررت بالحزين فلم أسعده-قدر استطاعتي-؟ كيف أستحق الحياة إذا مررت بالكسير فلم أجبر بخاطره بقدر ما يسخرني الله؟و الأهم كيف أطلب محبة الله و اعتنائه إن لم أحب ما خلق و لم أعتني به؟ كيف أطلب منه اللطف و الرحمة بدون أن يرق قلبي لما يحدث حولي و لمن حولي؟!

كل ليلة..أتذكر عامل الفندق البسيط، الشاب ذو الروح الربانية بينما يعمل بقدمه الكسيرة و يشتت ذاته عن آلامه بالابتسام لنا و مداعبة أخي، لم أنسه..مضت ثلاث سنين و لم أنسه، دعوت له كما وعدت ذاتي، لأنني لم أستطع رد ابتسامته البسيطة و رضاه بما يخفف عنه تصبب العرق من جبينه.لازلت أتذكر البائع المنقوع الوجه بلون الرمان و ضيق صبر الرجل العجوز الذي يضع الأشياء في الكيس.يلعق لسانه ليفصل كيساً عن الآخر و ثم يعطينا الأغراض بتأفئف.لا يهم، فهو كجدي الذي لم أحظى به مطلقاً، مضت سبع سنين و لم أنسه البائع الارجواني الوجه و الجد المتململ من لعق لسانه!

لازلت أتذكر،حارس المبنى في أول منزل سكنا فيه قبل أن ينشب فيه حريق ثم يهدم.كان رجلاً كبير العمر، رفيع العود، بشوش الوجه،محني الظهر، يرتدي جلبابة رمادية فاتحة اللون و يلتفت إلي أنا و أختي فيبتسم لنا عبر النافذة.يمشي على استحياء،يذهب بعيداً خارج المبنى و ما هي إلا دقائق حتى يعود.كان يهتف باسمي و باسم أختي فيهدينا كيساً محملاً بالحلوى و التسالي.كان يفعل ذلك بشكل شبه يومي أو على الأقل كلما مر بنا و كان معه القليل الذي بإمكانه إحضار هذه الأشياء لنا.لم نكن نطلب منه، و كنا نأخذ منه كأي طفلتين تعلمتا عدم تحميل الغير ما لايطيق و لا يليق و الشكر.ذهب أبي إليه و طلب منه شاكراً أن لا يحمل نفسه ما لا طاقة له به و خاصة أن لدينا ما يكفي منها في المنزل.لم يأبه، كان يبتسم و يعيد الكرة.مرت أسابيع و أيام و لم يكن يمر، و افتقدت مروره ثم سمعت أبي يقول لأمي "الله يرحمه"و أنه توفي و أن ابنه سيحل مكانه.لم أفهم كثيراً في بادئ الأمر، انتظرته لبضعة أيام أخرى حتى فهمت.لم أكن حزينة عليه، كنت حزينة علي!قلت لذاتي كم هو محظوظ ليحبه الله فيصطفيه للقاء.لم أشهده حزيناً، أو ثرثاراً أو غير مبتسم.لا أتذكر سوى جمال روحه المنعكسة في صفاءٍ على صفحات وجهه الكريمة الطيبة و صوته يهتف باسمي بلطف ليهدينا كيس الحلوى بكل حب.مضت أربعة عشر عاماً أو أكثر و لازلت أذكر.

أنا لازلت أذكر الشاب الغريق في دموعه في قهر شديد و عناء مر،وسط الناس، وسط صخب السيارات.أردت أن أقف فجأة و أنتفض لأجله، أن أستوقف جنون العالم المستمر،أن أصرخ بكل تنهيدات و أوجاع قلبه و روحه و أقول "كفى"!

مضت بضع شهور و لازلت أذكر و سأظل أذكر حتى أنني كتبت:

كيف تبكي؟ كيف ابكي انا الآن؟

كيف تمشي على الارضِ

و لا يمسح احدهم عيناك؟

كيف لا يراك احد

لا يبصرك احد

و من خلال لوح زجاجي اراك

  

تذكر هؤلاء و أكثر، كنت عابرة سبيل لهم جميعاً و لم يكن أحدهم مجرد عابرِ سبيلٍ لي.أتذكر صديقتي ذات الأطراف المعيوبة خَلْقِياً و عاملة النظافة في مدرستي و سائق التكتك و جدي الذي لم أعرفه قط سوى من كثرة سؤالي عنه و عن قصص حياته،عن الجدة التي وصلتها ذات مرة و الجد الذي لا يسمع و الطفل الذي ألقى التراب في وجهي! وصاحبة البقالة و الجدة التي اشتكت لجموعٍ في المواصلة ظُلم أولادها ثم قاسمتني خبزها و أعطتني خوخةً،أتذكرهم جميعهم،أتذكر مديرة مدرستي عندما كنت طفلة و كيف أصابها السرطان، أصاب جسدها و لم يصب روحها،ثم ماتت في سلام !

الطيور و القطط التي تُدهس في الزحام ، و اهتزاز جسد رجلٍ كهل وافت والده المنية!

أتذكر الكثيرين ، و أؤنب ذاتي ليلاً عليهم و أدين لهم بحياتي،أدين بحياتي... لهذا علي العيش بشكل لائق و بقلب رائق رقيق، علي أن أسأل الله صفو الروح و نزع الغل و الحسد الخفي، أن أصالح جروحي لأنها بالنسبة لكل هؤلاء لا شيء.أن أحارب كل يوم.أن لا أترك شخصاً يمر حزيناً مرور الكرام و كأنما لم أرَ شيء،أعرفه أم لا أعرفه..ما الفرق ؟؟

أنا لا أكره الحزن،أنا لست كئيبة،أنا فقط ... أفهم الحياة!

أهفو إلى روح تشبه المقاطع الموسيقية التي تُسكن أوجاع الحزانى و تُسكر عقول المتعبين من الحياة إلى الخيال الدافئ الهادئ، أريد أن أكون مَسكناً،و أن أكون باعثة لكل ثورات الجمال.

 

 

 

 

 

 

 



  • 8

  • آيــة سمير
    شخصٌ يحتضن ذاته برفق ~ طالبة جامعية في كلية طب الفم و الأسنان مهتمة بالفنون ككل و بالكتابة على الأخص ، أكتب لأحيا <3
   نشر في 13 فبراير 2018  وآخر تعديل بتاريخ 15 فبراير 2018 .

التعليقات

Nermeen Abdelaziz منذ 6 يوم
احاسيس بريئة
1
creator writer منذ 6 يوم
رائع استمري
1
Salsabil beg منذ 2 أسبوع
احساس رائع،دمت طيبة القلب ودام قلمك مبدعا.
2
آيــة سمير
شكراً على مرورك الجميل دوماً.دمت لنا.

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا