قصرٌ غربت شمسه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصرٌ غربت شمسه

رحلة الى مدينة بابل القديمة

  نشر في 12 غشت 2015 .

          كلما نظرت الى الشمس وهي تغرب خلف اشجار النخيل، تذكرت ذلك القصر الذي ما زال صامدا يصارع السنين، اتمنى لو انني اشاهد الغروب هناك، في تلك الارض، ان ارى كيف يغفو القصر بصمت بعد يوم طويل.

          كان يوما ربيعيا دافئا. توقفت الحافلة ونزلنا منها على عجل لنستنشق هواء مدينة بابل. لم يكن عدد الذين جاؤوا الى السفرة اليوم كبيرا، اذ لم يتجاوز نصف طلاب المرحلة. ما ان تقدمنا صوب المتنزه بأشجاره الجميلة التي تمتد على جابني الطريق، حتى لفت انتباهي ذلك الصرح الكبير وهو يرتفع عاليا على ربوة من الارض. ﻻ شك ان له اهمية كبيرة حتى يشيد على ذلك الارتفاع. في البداية، لم اكن اعرف ماهيته، اﻻ انني عرفت فيما بعد انه كان احد قصور صدام.

          تسلقنا الى اعلى حيث كانت الاشجار تغطي المكان حتى وصلنا الى قصر الرئيس. كان قصرا مهيبا بتصميمه وكأنه قلعة من القرون الوسطى ببواباته الكبيرة ،وشرفاته العالية ،ونقوشه التاريخية. بالرغم من مضي (12) سنة على الاحتلال الاميركي الذي اطاح بحكم صدام، اﻻ ان هذا القصر بقي هنا شامخا يبعث في النفس المهابة والعظمة. دفنت اجساد ساكنيه تحت تراب الزمان وطويت صفحات تاريخهم ولكنه ما يزال واقفا لكي يروي قصص مجدهم وتجبرهم في هذه البلاد. لقد تحول اليوم الى منتجع سياحي يقصده الزوار كل يوم ليطلعوا على اطلال الرئيس السابق.

          هناك على جانب القصر يمتد نهر كبير يغذي المنطقة، ترسو على شاطئه المراكب المعدة لاستقبال الزوار ممن يرغبون بجولة في النهر. اما على الجهة المقابلة فتقع مدينة بابل القديمة، يحرسها ذلك الاسد الحجري.

          توجهنا الى داخل القصر حيث يتواجد بعض الزوار هنا وهناك. وقفنا على الشرفة المطلة على النهر والتقطنا بعض الصور لذلك المنظر الذي يسحر بجماله العيون.

         تركت بقية الزملاء ورحت وحدي اتمشى في ارجاء القصر الفسيح. كثير من الغرف التي تجردت جدرانها من اللوحات وحلت محلها كتابات وذكريات الزوار. تتسلل اشعة الشمس بصمت لتنير القاعة الكبيرة وبعض الغرف من خلال النوافذ الكبيرة التي باتت بلا الواح زجاجية، بينما تغرق الممرات وغرف صغيرة اخرى بالظلام. وضعت اسلاك شائكة على السلالم الحجرية لتمنع الناس من الصعود الى الطابق العلوي.

        مشيت هناك وسط ظلام خفيف فشعرت بشيء من الرهبة، كل تلك الغرف باتت خاوية ومهجورة، كان ذلك الرجل هنا منذ سنوات طوال، هل حضرت عائلته كذلك الى هذا المكان؟ هل زحف طفل صغير على هذه الارض الباردة؟ هل صدحت اصوات اطفال يلعبون في زوايا القصر؟ ما اسرع ما محيت آثارهم ولم يتبقى منها سوى ابنية موزعة هنا وهناك. لطالما كانت هذه عاقبة الطغاة.

          بدأت الشمس تميل شيئا فشيئا حتى توارت خلف جدران القصر فبدا منظره رائعا كأنه معبد سماوي لآلهة الاغريق. وما ان اختفت وراء النهر حتى ساد السكون وهب نسيم المساء البارد، استسلم المكان لظلمة الليل، ولكن انوار القصر بقيت منطفئة ولم تشع.

محمد باسم، 12/8/2015


  • 1

   نشر في 12 غشت 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا