"الثورة البيولوجية" بين الوقائع التاريخية والطّروحات التفاؤلية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

"الثورة البيولوجية" بين الوقائع التاريخية والطّروحات التفاؤلية

  نشر في 03 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 10 أبريل 2020 .

إذا نظرنا إلى التاريخ في كونه أكثر من مجرد سرد للقصص والحكايات أو الأحداث فإنه يمكننا تحقيق الكثير فيما يتعلق بمسار التقدم والإصلاح، ولأن الإنسان يتعلّم من أخطاءه ويصحّحها تبعا، فهل يمكن أن يكون ميلاد الكورونا إيذانا بثورة بيولوجية جديدة؟، وعلى عكس النزاعات الثقافية والدّعائية أو الاقتصاديّة تشكّل الحروب بأنواعها الكيميائية والبيولوجية والعسكرية أحد أفتك أنماط الأسلحة التي تترافق تبعاتها مع ازهاق الكثير من الأرواح البشرية، ويشير تاريخ الثورات في العلوم العسكرية إلى أن الإنسان قد سعى منذ القديم نحو تطوير أسلحته وتجنيدها من أجل الدّفاع عن نفسه وقد انتقل في ذلك عير عدّة مراحل

المرحلة الأولى: على غرار استخدام الإنسان البدائي لأطراف جسمه في الدّفاع عن نفسه نجد أنه قد تعلّم الاعتماد على النار، وكيفية استخدام الأحجار ونحتها على شكل قطع انسيابية حادّة يستهدف بها الفريسة أو العدو ومنها استطاع أن يصنع النبال والرماح والمطارق.

المرحلة الثانية: بعد أن طور الإنسان صنعته من حرفة الصيد إلى حرفة الرعي وترويض الحيوانات، ثم اكتشف بعدها الأنهار، ابتكر السفانة واحترف الإبالة والخيالة، وأصبح يستخدمها في الحروب القبلية وهذا هو العصر الحديدي الذي امتهن فيه الانسان تليين الحديد ودشّن من جهة أخرى استخدام أسلحة متنوعة من حيث الكمية والنوعية كالدّروع والمجانيق والسيوف.

المرحلة الثالثة: شهد الإنسان في هذه المرحلة انتقالا من العيش البسيط إلى العيش المركّب، وتشكل هذه الحقبة من أبرز الفترات التي تفنّن فيها الإنسان في تطوير منظومته الحربية بنوعيها التعبوي والسوقي ورفع مقدراته العسكرية التقنية، حيث

ابتكر المدفعية سنة 1132م وتمكن من اختراع كلّ من الدبابة والردار والطائرات والغواصات والصواريخ في الفترة ما بين 1903م-1935م، كما استخدم المواد الكيميائية التي اكتشفها على شكل أسلحة مثل قنابل الفوسفور والنبالم إلى جانب غازات سامّة كسيانيد الهيدروجين، دون أن ننسى السّلاح النووي الأكثر فتكا والّذي نجح العلماء في انتاجه بعد دمج كلّ من مادّتي اليورانيوم والبلوتونيوم، وممّا يذكر خلال هذه الفترة من الحربين العالميتين هو التطور الملحوظ في الاستراتيجيات العسكريّة والتكتيكية للدّول ، وتزخر فترة الحرب الباردة بالمفكرين الاستراتيجين الّذين وضعوا مسلماتهم وفرضياتهم حول كيفيّة تلقّي الضّربة أو صدّها واستخدام مختلف الاستراتيجيات الحربية ونذكر البعض منها: كاستراتيجية الرّدع- استراتيجية الرد المرن-استراتيجية الرد الشامل-استراتيجية التدمير المؤكد- استراتيجية الاحتواء- استراتيجية الخرشوفة...وغيرها كثير، بينما شهد التسابق والتنافس في اكتشاف الفضاء بين المعسكرين دون وجود تعاون حقيق في ما بينهما، وقد أفضى الخطر الدّاهم لسلاح النووي إلى توقيع اتفاقية سالت الأولى والثانية خلال فترة السبعينيات من أجل الحد من التصّعيد الحربي في تطوير منظومة الصواريخ النووية الباليستية ،وتواصلت المجهودات إلى اتفاقية ستارت سنة 1991 التي تقضي بضرورة تخفيض الأسلحة النووية إلى ما نسبته 30%، لكن هذا لم يمنع بعض الدّول من دخول النادي النووي خشية أن يستعمل نفس السلاح ضدّها أو في تهديد أمنها القومي، وبالرغم من أن نفس المرحلة اشتدّ فيها الاهتمام من طرف بعض الدّول في استخدام الغذاء(القمح) كسلاح استراتيجي أو ما يسمى ب: green) ( weaponللتّهديد والابتزاز السياسي ، إلا أنها كانت نادرة من حيث الفعالية والتوظيف.

المرحلة الرابعة: شهدت هذه المرحلة تطور التقانة التكنولوجية للأسلحة واختزال البعد الجغرافي مع توفر القدرة على استخدام الآلة والتكنولوجيا الرقمية في إلحاق الضرر بالعدو وتدمير منشآته الاقتصادية والحيوية عن بعد، وذلك من خلال وجود أقمار صناعية تحتوي على مستشعرات بالغة الدّقة تُمكن من تحديد مواقع العدو والتجسس على مخازن الأسلحة، مثل: طائرات RC135 التي اُستخدمت في حرب الولايات المتحدة ضد العراق، وهذا علاوة على ابتكار طائرات أخرى لها القابلية للاختفاء ولا يمكن رصدها بتكنولوجية الرادار أو أجهزة الاستشعار الإلكترونية.

*بناء على ما سبق يتبيّن لنا بأن التطور الكرونولوجي لصناعة الأسلحة عبر التاريخ قد اتّخذ مسارا خطّيا لم يحد عنه، لكن التراكم المستمرّ من جهة أخرى أدّى إلى حدوث حروب بين الحين والآخر وفي فترات متفاوتة، كمّا أضفى في حالات أخرى إلى التعاون والسّعي نحو مواجهة الأزمات الدّولية بشكل مشترك، وبالنّظر إلى ما آلت إليه الأوضاع مؤخّرا وانطلاقا من التجارب التاريخية، توصّلنا إلى ثلاثة أنواع من السيناريوهات وهي كالتالي:

أولا: السيناريو التّشاؤمي

أ)-يرى هذا السّيناريو بأن التّصعيد المسلح سيزداد أكثر حدّة وسيجلب معه تبعات تؤدّي إلى زيادة مستوى التصادم في ما بين الدّول وذلك وفق المؤشّرات التالية:

-تبيّن لنا الإحصائيات الرقمية بأن ميزانية التسلح قد شهدت تطوّرا كبيرا في السنوات الأخيرة فطبقا لموقعstatista.com وجدنا بأن الميزانية الإجمالية التي تم انفاقها بين الدول قد ارتفعت من 1,433 بليون دولار سنة 2006م إلى حوالي 1822 بليون دولار سنة 2019م، ويبين هذا النمو المضطرد في الاهتمام بالصناعات العسكرية واستهلاك الأسلحة مدى اتجاه العالم نحو زيادة الاهتمام بالقوة الخشنة(hard power) على حساب القوة اللّينة((soft power، وبناء على ما سبق كيف يمكن للدّول العظمى أن تتخلى عن امتيازاتها العسكرية لصالح دول تفوقها بأميال ضوئية؟.

ب)-تؤكّد التجارب التاريخية إلى أن المحطّات التي أعقبت الثورات العسكرية لم تنحو منحنى مغايرا عن نمط التنافس حيث نجد أن الحربين العالميتين قد أسفرت عن تنافس جديد بين كتلتين عُظمتين، وبالرغم من أن نهاية الحرب الباردة قد أفرزت نتائج انفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالزعامة الدولية إلا أن السباق كان لازال متواصلا للحاق بالرّكب وانتزاع الريادة العالمية أو تقاسمها وهو ما حدث في السّنوات الأخيرة بعد تمكن الصّين من مجاراة الاقتصاد الأمريكي.

ج)-مع تصاعد تيار العولمة وسواد قوة الشّركات المتعددة الجنسيات وانتشار المنظمات غير الحكومية واللوبيات فوق قومية، يصبح من الصّعب تحقيق التعاون والاتجاه نحو العالمية.

ثانيا: السيناريو التفاؤلي

أ)-تشير التجربة التاريخية للحرب العالمية الثانية على الصعيد الإقليمي من أن الصّراع الدّموي وحصيلة الحرب التي بلغ عدد القتلى فيها إلى ما يقارب 60 مليون قتيل أو أكثر، أعادت التفكير في نمط العلاقات بين الدول الأوروبية بالخصوص، وعلى أساس من التعاون المشترك والمعتمد على القطاع الاقتصادي المحض، ونبذ السباق نحو التسلح أو استفراد احدى الدول الأوروبية بتصنيع الأسلحة وتطويرها، في حين كان التحدّي هو الوصول إلى مرحلة الاندماج السياسي وهو ما وضعت الدّول الأوروبية لبنته بعد توقيع اتفاقية روما سنة 1957م.

ب)-أشار التقرير الصادر عن المنتدى الاستراتيجي العربي من أن الصين يعد أكبر اقتصاد في العالم من حيث تعادل القوة الشرائية، وإذا ما استمر هذا الاتجاه من المحتمل أن يصبح اقتصادها الأول على مستوى العالم، وحسب تقديرات المؤسسة الاستشارية العالمية(pwc) من الممكن أن يصل الناتج المحلي الإجمالي العالمي للصين إلى حولي 20% بحلول عام 2050م ، زيادة على مؤشرات أخرى كثيرة تدّل على اتجاه الصين نحو التربع على عرش النظام الدولي بحلول السنوات القادمة، ولا شك في أن المتغيّر الإيجابي في هذه النقطة هو مدى التفاعل البناّء التي تسعى الصين إلى تحقيقه في علاقتها مع الدّول الأخرى، وإذا أردنا أن نستشف مكمن الذّهنية الحضارية لدولة الصين الشعبية علينا أن نعود إلى ثقافتها الاستراتيجية المبنية على التفويض السّماوي والذي يعني إقرار العدل والمساواة في الحكم وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للأفراد أو الدول، إضافة إلى مبدأ أساسي ينص على تجنب الحرب وعدم الدخول فيها إلا للضرورة وإذا تحتّم ذلك يستوجب القيام بذلك بأقل الإمكانات المتاحة وعدم الدّخول في حروب استنزافية لا تعني إلا الخراب والدّمار وزيادة الأعباء، وبناء عليه فإن صعود الصين كقوة عظمى دولية سيعني السلام لهذا النظام العالمي وسيخرجه على أقل تقدير من إشكالية والحروب والصراعات المنتشرة في مختلف القارات.

ج)-يوضّح السّقوط الشاقولي المتراكم و الّذي تعرّض له الاقتصاد العالمي جراء الأزمة الأخيرة، إضافة إلى التهديدات الجديدة الّتي تمسّ الأمن الصحّي والأمن البيئي كما أشار إليهما باري بوزان، إلى أن العلاقات بين الدّول ربّما ستنحو منحنى تكون فيه العلاقات مبنية أكثر على درجة المساعدات الإنسانيّة وبمعنى آخر تزول المصلحة والاحتكارية الاقتصادية ويحل محلها التعاون المشترك بسبب الصّدمة التي تعرضها لها المجتمع الدولي بشكل عام.

ثالثا: السيناريو التوافقي الخطّي

أ)-طبقا لهذا الاتجاه فإن النظام العالمي سيواصل بنفس الوتيرة التي طبعته منذ فجر التاريخ، وهو الميل إلى التنافس حينا والاتجاه إلى التعاون حينا آخر، وذلك بسبب الانشطار الثّقافي الّذي يشهده العالم مع توسّع موجة العولمة وارتفاع إيقاع التأثير المتبادل بين الدّول.

ب)-بالرّغم من المؤشّرات القوية التي تظهر تفوق الصين وتربعها على عرش النظام العالمي إلا أن هذا لا يعني تفرّدها الدّائم والمطلق بهذه الزعامة وبذلك يبقى التنافس والتعاون سمة محتومة لا يمكن الحذو عنها.

استنتاج:

بغض النّظر عمّا ستؤول إليه الأمور والأوضاع المستقبلية، كيف سيكون موقع المجتمع الدّولي في النظام العالمي لما بعد الأزمة؟ وهل ستزول التبعيّة التي أرهقت الهياكل الاقتصادية للدّول النامية؟ وهل سنشهد اهتماما أكثر بالتقنيين والخبراء والعلماء في قيادة الدّفة؟، وماهو مآل الأمن الإنساني والبيئي من هذه القضية؟ أسئلة وأخرى كثيرة تجعل الجواب ربّما نابعا من الرّغبة الذاتية أكثر من المعطى العلمي، وبذلك تبقى الأسئلة مطروحة إلى حين يُرفع عنا البلاء والمرض الّذي أنهك الدّول العظمى أكثر مما أصاب الدّول الضعيفة، وتكمن المفارقة المثيرة للانتباه في ارتفاع وتيرة العمل الاجتماعي والخيري، علاوة على الاهتمام البالغ بالطاقات العلمية بمختلف أصنافها وفئاتها، ولأجل ذلك يُحاجّ بأن الثورة ربّما قد تكون بيولوجية في معناها إنسانية في غايتها.

-بقلم: طلاي مهدي

-المراجع:

-د_جاسم سلطان، جيوبولبتيك، لبنان-بيروت، تمكين للأبحاث والنشر، ط1، 2013م.

-د-عماد منصور، الثقافة الاستراتيجية الصينية، سياسات عربية، ع(26-40)، جويلية2016م

statista.com(global military expenditure)


  • 3

   نشر في 03 أبريل 2020  وآخر تعديل بتاريخ 10 أبريل 2020 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا