لَسْتُ فَتَاةً وَ لَكٍنْ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لَسْتُ فَتَاةً وَ لَكٍنْ

شعرت بمريم

  نشر في 04 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 ماي 2016 .

الفتيات ما أجملهن، صنائع الرحمن سكن و سلوى كائنات وهبن من ضلع أعوج لذوي القلب الأجوف ما يكرمهن إلا كريم و لا لن يدنس الكلام هاهنا صنع اللئيم.

مبتغى الله منهن واضح و قلما تجد من تدرك غاية خلق الله منها و يقل حتى من يدركن كم ثواب ذاك عنده و أنه ليس بالأمر السهل و في هذا الشان يتفاوتن بنات حواء ما بين هائمات و عاقلات، مترديات و متساميات ، مترنحات و راكزات و في جنب الله مستقر و مهتدى.

إلاهن!

و هي أسماهن، تلكم النسوة التي اصطفى سرائرهن رب المكنونات و هي على رأسهم "مريم" !

تلك التي اختصها الله بالخلود الأكرم بين إماءه! بإعجاز غير مسبوق! بولد كأبر ما يكون الولد بسورة كاملة بإسمها في كتاب تعهده الله بحفظه ليكرمها! و أيما سورة تلك!!


شأنها شأن أغلب -إن لم- يكن كل- فتيات كل زمان و مكان، أمنية طامعة من الأبوين أحدهما -أو كلاهما أن تكون الصبي السند الذي يكمل ما سلف و يزيد على ما لم يستطيعوه في عمرهم و لكنها زيدت بأنها نذر وهبته أمها لله لخدمة البيت المقدس و ما كانت تدري ناذرتها ما حكمة ربها من خلقها أنثى أرادت و أراد الله سبحانه الفعال!

***مبتلاة شأنها شأن المصطفين؛ ولدت يتيمة تركها عمران والدها و لكن ترك لها ممن تعلموا على ايديه من يتهافت على أبوتها و كفلها ليظفر بها أبو يحيى-مستهل الله في سورته- و نشأتها مستوفى نذر أمها! ازدهرت عابدة صالحة خالصة لله و في ذاك ترى رحمة الرحمن ما أوكل لعبد بحمل أثقل من أترابه البشر إلا و أعده مسبقا ليكون أهلا له و أيما حملت أثقل به كاهل أو لتشأ رحم تلك اليافعة الصالحة! و كم من الصدمات التي ستتخطاها أنسانتنا المشرفة برحمة من الله


يافعتنا الحيية في خلوتها كعادتها لتتلقى الإبتلاء الأول فإذا بها يفزعها اقتحام رجل أجنبي لتلك الخلوة! و ببراءة النقاء الكامن فيها تستعيذ بالرحمن علها تستحضر ذكر الله مفترضة فيه التقوى فيجيبها بأنه رسول من الله ليهبها غلاما "زكيا" أي مطهر المقدم و السيرة و لكن ما يدريها؟! هي في خلوتها و ماذا لو كان ضبعا بشريا يريد أن يفتك بها و ذاك ابتلاء ثان الرجل يصارحها بأنه آت ليهبها غلاما و لكنه قال أنه رسول! و لا يسعها إلا أن ترد أنثا مهددة فاستحالة حدوث ذلك بالتصور البشري الضيق المنظور و لا يسعها إلا أن تنفي عن صلاحها البغاء!

ليبلغها ذاك الرسول بأنه هين على الله و أنه آية للناس!


و هنا يساوينا الله بحالة قومها من حيث الجهل بآلية الإعجاز و هنا مكمن الإختبار فيما بعد لبني إسرائيل و لنا فيما بعد و هو اليقين في الله و غيبياته فهل يصدقون الله بالإيمان بالإعجاز الذي اختير له أن يظهر أم يمارون؟! فيتركنا الله للسياق المنطقي للحكاية دون الخوض في تفاصيل إخفاؤها كان ذا حكمة شأنه شأن معجزة مريمنا ككل


ليرسينا إلى الإبتلاء الثالث فمن الواضح أن بطنها صارت أوضح من أن تخفى فشقت مع وليدها المرتقب مكان بعيدا عن أعين الناس و بجانب نخلة إذ يباغتها المخاض على حين غرة منها و هي ليست إلا "هي"! مريم! شتلة يافعة حديثة العهد بكل هذا! لا تدري ماذا تفعل وحيدة تواجه أقسى ألم يواجهه بنو البشر! بلا معين! و قلق ملئ المستقبل كله.


ضعفت! نعم! ضعفت! و حُقَّ للبشر أن يضعف! فتبث الأمة الناسكة شكواها و تمنت لو أنها تتلاشى في النسيان! ثقل عليها الحمل و هو على وشك أن يرى النور! قالت بكل عذاب حتى لتكاد تسمع العويل (ِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا) و يالرحمة الله! ربِ كم أنت رحيم! تنطق الوليد الذي عانت و ستعاني من أجله ليكون لها السكينة المطلقة مربتا على قلبها الذي أنهكه الطلق و يغدقها الله مثيبا إياها معينا لها بأن يفجر من تحتها ينبوعا تشرب منه و يرخي لها عناقيد الرطب لكي يسقط رحمة بامرأة واضعة بالكاد تتنفس!

فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا ۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَٰنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا

***و شأنها شأن المصطفين لا راحة من أجل الراحة و إنما لاستكمال المهمة استريحي يا مريم قطعتي شوطا و بقي شوط فكيف يكون لهذا الغلام المعجز أن يكون آية دون أن تواجه به قومها ليتم اختبارهم و هي خليقة الآن بهكذا مهمة بدنها صار قويا حد يقينها الآن فهي تحمل بين يديها جواب "أنّى" و حانت لحظة الحقيقة! فالفتية سليلة أهل الزهد و الصلاح صفوة بنوا اسرائيل و موسى و ابراهيم و من حملوا مع نوح كانت قد أختفت من محرابها لسبب مثير للشكوك و هاهي تعود تحمل صبيا في يديها! ظاهريا الحكم باد بدون تفكير و يؤسفك هنا طبع العوام على الدوام لطالما كانوا على مر الزمان جلادين و قضاة بدون وجه حق أو أقل القليل من الإنصاف! سرعان ما تنهال عليها الإتهامات و تتلقى اللوم و التهكم و المعايرة بأنها من بيت الصالحين! و هل كان يخفى على الله أن مثل كذا الموقف كائن؟! حاشاه! كان منطقيا! كان لابد و أن تحدث تلك المواجهة إذن؛ دور يافعتنا كان قد انتهى فأنها لن تكلم إنسيا! و كل ما عليها فقط أن تشير إلى من ذاقت من أجله الأمرين ليذود عنها مثلما طمأنها من قبل و يصدع بالمعجزة التي جيء بها لكي تميز الغث من الثمين! إنها المعجزة و الرسالة التي لم تكن عادية و رسول لم يكن يمر هكذا كسابقيه كان لابد أن يكون مثار الجدل فإما مؤمن صالح و إما مكذب أو مفترِِ على الله طالح!

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا * وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا)

لم يذكر القرآن كيف شعرت مريم حينما نطق صغيرها "برا بوالدتي" أمام الجمع و هل كانت لتتوقع هذا مبكرا جدا من طفلها و هو في المهد قبل أوان البر التقليدي بعد أن يبلغ هو و تشيخ هي؟! لا أدري لكنه حتما شعور لم و لن يتكرر هو فريد مثلما كانت هي الأخرى فريدة و قصتها التي ابتدأت ب "أنّى" و أنتهت ب "برّا" !!

لست فتاة و لكن أشهد الله أني شعرت بمريم

#عليها_السلام

مستوحاة من ملهمي مهداة إلى سببي :')



  • 6

   نشر في 04 أبريل 2016  وآخر تعديل بتاريخ 11 ماي 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا