أسس إختيار الشريك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أسس إختيار الشريك

توأم الروح بين الواقع و الوهم

  نشر في 04 مارس 2015 .

هناك إعتقاد شائع يقول أن لكل إنسان نصفه الأخر و ما أن يلتقي النصفان حتى يحصل نوع من التفاعل و تناغم للأرواح و تسيطر هاته الفكرة على كثير من الناس و يشقون في رحلة البحث عن تلك الروح التوأم و من هنا يضيعون ما تهديهم الأقدار بصورة تلقائية من أشخاص قد يكونوا مختلفين عنهم لكنهم رائعين.

في الحقيقة نحن لا نخلق بأرواح متوأمة و لكن نصبح كذلك مع الوقت و بإرادة من الطرفين فسرّ السعادة الزوجية إذا هو ذلك الإمتزاج و التكامل الذي يحدث بين الأزواج بحسن المعاشرة و نجد هذا المعنى في الأية الكريمة

{هُنّ لباس لكم و أنتم لباس لهنّ } البقرة: 187

يقول القرطبي - رحمه في تفسيره "الجامع لأحكام القرآن": أصل اللباس في الثياب، ثم سُمِّي امتزاج كل واحد من الزوجين بصاحبه لباسًا، لانضمام الجسدين وامتزاجها وتلازمها تشبيهًا بالثوب.

رحلة البحث عن " توأم الروح" بمعنى ذلك الشبيه الذي يشاركنا نفس السّمات الشخصية ونفس الاهتمامات و نفس الفكر هو في الحقيقة نوع من الإستقالة الفكرية و العاطفية فهذا النصف الأخر المفقود الذي من المفترض أنه يشبهنا كثيرا لا يحقق لزاما السعادة المنشودة.

وقد تكون السعادة أكثر جاذبية بالقرب من شريك يحملك إلى التفكير بشكل مختلف لأنه يفكر بطريقة مغايرة عنك , يعبر لك عن حبّه بطريقة غير مألوفة بالنسبة لك و تختلفان في كثير من المسائل لكن تتواصلان بإيجابية و قد لا يوافقك في أفكارك لكن يحترمك .

كما أن هاته الفكرة تسبب الكثير من المشاكل في مجتمعاتنا ففي المرحلة الأولى من تعلّق الطرفين وهي مرحلة الإنجذاب و التي يفقد فيها الشخص حسّه النقدي فيخيّل إليه أنّه عثر على توأم روحه فلا يرى غير محاسن الأخر بل و يعظمها و يكون غير قادر على إكتشاف عيوبه و تحصل خيبة أمل كبيرة بعد الزواج و يعتقد أنه أساء الإختيار و بأن عليه البحث من جديد عن نصفه الأخر و قد لا يجد ضالته أبدا.

و يغيب عن هؤلاء أن نصفه الأخر لن يجده بطريقة تلقائية بل يستوجب الأمر مجهود شخصي منه و قدرة على تقبل الأخر رغم إختلافه و الأهم أن السعادة الزوجية الحقّ تكون بالمودة و الرحمة . كما لا ننسى أن العلاقة بين الزوجين هي أقوى علاقة إجتماعية لإحتوائها على ناحيتين , الناحية الغريزية الفطرية و الناحية العاطفية الوجدانية وهو ما يكوّن رابطة نفسية قوية بينهما .

و يصور القرأن الكريم هذه الرابطة الكبيرة التي تجمع بين الزوجين في هاته الأية الكريمة :

وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ

لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ [الروم: 21]


فماهي إذن شروط و مقاييس إختيار الشريك المناسب؟

نستخرج الأسس السليمة لإختيار الشريك من الحديث الشريف لسيدنا محمد صلى الله عليه و سلم: " إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوّجوه، إلاّ تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير". رواه الترمذي

و في هذا الحديث بلاغة و حكمة عظيمتين في إستعمال الحبيب الذي لا ينطق عن الهوى للفظ " ترضون" بمعنى أن مستوى الخلق و التدين لا ينضبط بمقاييس معينة و لكن يحسن فيه توافق الطّالب مع المطلوب , و حسن الإختيار يكون بالنظر إلى إمكانية تكيّف طباع الواحد مع الاخر و مدى تكاملهما .

و يكون أساس عملية الإختيار القبول و بهذا يتحقق رضا كل منهما بالاخر و تقبّل كل ما فيه من نقاط إيجابية و سلبية و من إختلافات و بالعودة إلى لفظ "من ترضون دينه"يكون المقياس هنا كمّي و نوعي فلكلّ ما يناسبه من الناحيتين .

بالحديث عن المقياس النوعي فقد ثبت أن هناك أنماط متعددة من التّدين :

هناك مثلا التّدين الفكري و المعرفي حيث نجد الشخص على إطلاع بالكثير من أحكام الدين ومفاهيمه ربما يكون بارعا في الحديث عن الدين ولكن لا ينتقل إلى دائرة العاطفة و السلوك أو العمل .

التدين العاطفي(الحماسي): وفي هذه الحالة نجد أن الشخص يبدي عاطفة جارفة وحماسا كبيرا نحو الدين، ولكن هذا لا يواكبه معرفة جيدة بأحكام الدين ولا سلوكا ملتزما بقواعده

التدين السلوكي(تدين العبادة): وهنا تنحصر مظاهر التدين في دائرة السلوك، حيث نجد أن الشخص يقوم بأداء العبادات والطقوس الدينية كعادة إجتماعية ولكن بدون معرفة كافية بحكمتها وأحكامها.

التدين التفاعلي(تدين رد الفعل): نجد هذا النوع من التدين في الأشخاص الذين قضوا حياتهم بعيدا عن الدين و التهوا في ملذات الدنيا ، وفجأة نتيجة تعرض شخص من هؤلاء لموقف معين أو حادث معين ، فيلتزم دينيا، ويتسم تدينه بالعاطفة القوية والحماس الزائد، ولكن مع هذا يبقي تدينه سطحيا.

و من المهمّ أن يحصل وعي بأنماط التدين المختلفة لفهم و معرفة نمط تدين الطرف الاخر فيكون الإختيار واعيا و يتم قبول أو رفض الإختلاف في نمط التدين فلا تحصل خيبة أمل فيما بعد و هذا ما يفسر فشل زواج بعض المتدينين لإختلاف نمط تدينهم.

إذا ليس شرطا أن يكون التدين عاليا و لكن الأهم هو مدي تناغم أنماط التدين و إمكانية تمازج الواحدة بالأخرى.

و رجوعا إلى حديث رسول الله بقوله من ترضون دينه و خلقه نتبيّن أنّ البعد الديني مرتبط ارتباطا و وثيقا بالبعد الأخلاقي و يذكر أن رجلا قال للحسن: " قد خطب ابنتي جماعة فمن أُزَوِّجُهَا؟ قَالَ: مِمَّنْ يَتَّقِي اللَّهَ ، فَإِنْ أَحَبَّهَا أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها " انتهى من "إحياء علوم الدين"

وفي حديث أخر سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم: أي المؤمنين أفضل إيمانا ؟ قال صلى الله عليه وسلم : "أحسنهم أخلاقاً " [رواه الطبراني في الأوسط] فالأخلاق من ورائها مبادئ و قيم و ينتج عنها سلوكيات معية فترى المتدين الحقّ خلقه و سلوكه الإسلام و يخاف الله في عباده فيحسن معاشرتهم .

كما يتبين لنا أن تحت سقف الدّين يجب مراعاة أمرين مهمين :

أولهم شرط التكافؤ بين الطرفين على عدة مستويات منها السِّن و المستوى الدراسي و الوضع الاجتماعي و المّادي و في الطّباع و حتّى المظهر الخارجي .

و قد ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رفض تزويج السيدة فاطمة لسيدنا أبو بكر و عمر رضي الله عنهما ولا يعود هذا إلى عدم تكافئ في الّدّين لكن إن صحّ الإستقراء قد يكون سببه عدم تكافئ في السنّ أو في الطباع.

و من المهم أيضا معرفة مدى تمازج السّمات الشخصية للطرفين فقد يكون أحدهم على درجة من التّدين و الخلق و لكن طباعه لا تتوافق بالضرورة مع الجميع, فالمرأة الشكاكة مثلا قد تتوافق مع الإنطوائى و لكنها لا تتوافق مع المندفع .

إن قرار إختيار الشريك الذي سيشاركنا رحلة الحياة لا يجب أن يكون قرارا سريعا و سطحيا و هو من أهم القرارات التي يتخذها الإنسان في حياته و يجب فيه الموازنة بين العقل و العاطفة. وللتذكير فإن الحب و التعلق بين الطرفين يمر بثلاثة مراحل أولها الإنجذاب ثم مرحلة إستكشاف السمات الشخصية للمحبوب ,مزاياه و خاصة عيوبه و أخيرا مرحلة التكيّف لذلك ينصح بعدم إطالة فترة الإنجذاب و الإستسلام للعاطفة على حساب فترة الإستكشاف لكي لا يحصل تعلّق كبير يصعب بعده الرجوع و لتفادي خيبة الأمل بعد الزواج.

و من هنا ينصح بالتروي و التثبّت و هناك طريقة تساعد على إختيار الشريك المناسب و حسن تقييم طابعه السلوكي وسماته الشخصيّه و ذلك ب :

سؤاله

فلا بأس بسؤال المتقدم للزواج عن مواقفه في مسائل معينة و مجمو عة القيم و المبادئ التي يؤمن بها ويسأل عن طموحاته وأهدافه في الحياة, مفهومه للزواج, إنتظاراته من الشريك, و فيما يقضي أوقات فراغه لمعرفة مدى تمازج الرؤية المستقبليّة للطرفين و نظرتهما للحياة .

السؤال عنه

من المهم إذا عند إختيار الشريك الإنتباه و التثبّت من أخلاقه و عن طبيعة علاقاته بوالديه إخوانه و بأصدقائه فالمرء على دين خليله.

إختباره

و قد روي أن السيدة خديجة اختبرت سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم فيما روي عنه من صدق و أمانته صلىّ الله عليه و سلّم فأعطته مالها للتثبّت من صدق ما قيل عنه .

الإستشارة و الإستخارة

و في مر حلة أخيرة من الإختيار لا بأس بالاستشارة والاستخارة فما خاب من استخار ولا ندم من استشار, كأن يستشير المقبل على الزواج من حوله في الأمر و أولي الناس بالاستشارة هما الأب والأم. و أن يستخير الله عز و جَل: فإذا تم الأمر فهو خير ، وإن حدث مُعَوق فعليه أن يدرك أن ذلك أيضاً خيراً أراده الله له وعليه أن يحمد الله عز وجل ويدعو الله أن يُبدله خيراً من ذلك.

و يبقى الموفق لجميع الشروط هو الرضى فكل المسائل نسبية و يختلف تقييمها من شخص لاخر و قد لا يكون كل شئ مثاليا لكن بالقدر الذي يسهل معه التوافق و لا ينسى أن يتوكل الإنسان على ربه و يعقد النية الصالحة من الزواج ليعينه الله على إختيار الزوج الصالح فالأمر أساسا توفيق من الرب سبحانه و تعالى و أخذ بالأسباب بأن نجعل العقل والقلب كَفتيّ ميزان ولا نغترّ بالظاهر .



   نشر في 04 مارس 2015 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا