سنن النهاية في عمر الأمم... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سنن النهاية في عمر الأمم...

سنن النهاية في عمر الأمم ...

  نشر في 19 شتنبر 2017 .

سنن النهاية في عمر الأمم ...

هيام فؤاد ضمرة...

حين تشرف الأمم على مرحلة الانهزام والانكسار، ويصيبها فايروس التراجع الحضاري والتخلف الاجتماعي والعلمي، وتبدأ بالذوبان والتلاشي التدريجي، فتتساقط عنها قيمها كأوراق الخريف الجاف، وتذوب هويتها بهوية الآخر المهيمن حضارياً وتصبح خليطا بعيدا بقوامه عن المعقول والمقبول، تنتابها أمراض اجتماعية بين الخطيرة والغريبة، وتظهر على غالبية ناسها الأمراض النفسية والتخلف العقلي والانحراف الفكري والانحلال الاخلاقي، يفكرون في غير مواقع التفكير ويتجمدون حين لزوم الحركة، يصبحون أكثر سطحية وينتابهم الكسل وموت المروءة وبرود الاحساس لدرجة البلادة، وموت العاطفة لدرجة التحجر، وانهيار المنظومة الأخلاقية بالعموم، فيصبح الناس غير مبالين ولا مكترثين، وغير مهتمين ولا متابعين، وغير مسؤولين ولا متزنين، وأكثر كلاما ورغيا في التافه والمليان، وأكثر تفلسفا في غير مواقع التفلسف، وأقل فهما وذكاءا وأكثر بلاهة واستهبالا ، ويختلط الكذب بالصدق فتضيع الحقيقة وتبهت الصور الاجتماعية مهما كان لونها ساطعا،

ويكثر الطبالون والزمارون، والمغنون الصادحون والناشزون على حد سواء، وتتساوى فيهم الذائقة فتضيع موازين الجمال، ويقبل الناس على مهنة التمثيل والتهريج والتشويح، وويتزايد النطاحون والمتنطحون، ويميل الناس للاعتقاد بالتنجيم والسحر وقارئي الطالع والحجب، ويصبح الحكام والمشاهير من رواد المنجمين، ويربطون قراراتهم بارشاداتهم

حين تشرف الأمم على مرحلة النهاية والانهيار الكلي يضيع التقدير ويسوء التدبير، وسوء التدبير سببا وجيها ومفضياً إلى حدوث التدمير، فحين ترتبط المصالح بالذاتية المطلقة والمركزية البغيضة وترتفع فوق المبادئ والقيم يكون السقوط إلى القاع السحيق مدوياً، وما أسرع ما أن تطفو على السطح الرمم ومن ثم تغوص عن الظهور في القاع المعتم البعيد، هو زمن غريب كل ما فيه مزيف وغير حقيقي وغير مقنع، فيصير الكرم إسراف والطيبة خبال، والجحود والعقوق نزهة للعقول، والبخل شطارة، والسفه ذكاء، والنذالة إمارة، والكذب ملح الرجال ونكهة النساء، والقذارة ابداع والنضال ارهاب.. فيتجرأ الزمن على كل من طاف وكبَّر وقرأ في فجره سورة يتسول بها مرضاة ربه

فإيه يا زمن.. وإية يا أمم التبست فيها المفاهيم وعمت في أركانها المتاريس وساد الرعب والعنف والارهاب، ولاذ الناس بكل جماعة تأسست لهدف الاستغلال غير المعلن حيث يسهل خلط المعاني وتزييف الحقائق وإعلاء صوت الباطل واخفاق صوت الحق، فتتزيف الحقائق وتضيع ملامح الوجوه بين الزيف القبيح والشر المستطير وكلاهما مرسل سريع نحو الهاوية، هو من أسس وموجبات الانهيار والانحطاط، فيصبح ناس ذيك الزمان ليس بمثل من عهدتهم الأزمان وخاضوا النجاح بأجنحة البطولة والوفاء، فلا الوجوه ذات الوجوه ولا العقول برجاحة فاعلية العقول، ولا الضمائر بنصاعة النوايا، فيدخل في ضميرك الشك بكل شيء، فتبكي نفسك بين النفوس وتسأل ربك المعبود يتلطف بك وسط أمة تعاني الجفاف ساعة انفلات الروح، فرُب يوم بكيت منه بحرقة المنكوب، فلما صرت في غيره بكيت عليه بأسى المغلوب، فالذاهب مفقود ، والآتي مجروح يعاني الألم ويغرق بالنكبات والحروب والاقتتال لأتفه الأسباب.. فإية يا عين تذرف الدمع مدرارا لتحيل ما انسكب على عهد مضى أنهارا

هاك يا زمن من زمن تنتهي فيه أمم وتطوي صفحتها مثل صفحات كثير أمم غاب أثرها بين الأمم، هاك يا زمن تصير في ضمير من افتروا وظلموا وقسوا سُعاة بالتغيير والانقلاب لغير عهد تطفو فيه جديد أمم، هي قوانين البقاء للأقوى للأعنف للأدهى، حيث ليس من أحد يحمي المغفلين ولا الكسالى ولا المستهلكين ولا المنحدرين.. إذا ما اعتنيت بالشجر أزهر وأثمر وإذا ما اعتنيت بالبشر انقلب عليك وتنكر وإذا ما ابتنيت صرحا يعلو يدخل في تاريخ الحضارة أجمل الأثر

في معاني الحكماء أن من يزرع الشوك لا يجني العنب، فالحضارة الباقية هي تلك التي يسهر عليها أهلها بالرعاية والعناية والبناء الحضاري المفيد والمتطور، الحضارة الباقية تلك التي يختال أهلها بالحرية والعدالة والتنظيم والتعليم، يرعون بناء الانسان كما بناء العمران، يقوِّمون في ذاتهم فكرهم قبل ملكهم بالوعي والتوازن، بالعلم والتحضر الانساني، بالعقل والمدركات والمكتشفات العلمية، بالوعي التاريخي والوعي الواقعي والوعي الموضوعي، بالعقل الراجح والبصيرة النافذة والقيادة الحكيمة والبنيان النفسي المعتدل والفكر الوسطي النافذ

مجرد نظرة سريعة إلى حال هذه الأمة التي تبحلق بالفراغ وتفغر فاه الاعتراف وتشرف على الهلاك يتكاثر بها الفساد، وتتعظم بها عصبية الجهلاء، وتحزبات غير العقلاء، ويكثر الخُبْث والخَبَث، وتضيع معالم الأصالة والشهامة، وكأنما هي أمة وجب عليها الوعيد، في زمن ليس بعيد، إن دولة تُشرعن الفساد لتغطي على فشلها هي دولة آيلة للسقوط والاندثار فكيف الحال حين يعم الفساد أمة بحالها وتفقد قراراتها وتنكس للأجنبي رأسها حتى لا يطالبها بديون تكاثرت وفوائدها تضاعفت وجرائمها فاقت الحدود

فبأي حال صارت عليه هذه الأمة والغش فيهم ظاهر والتطفيف بأوزانهم عامر والشاري تخيفه نوايا البائع، والفقير ترعبة سيطرة المسؤول وانتهاكه المواثيق والأصول، وفرض الضرائب والأتاوات ورفع الأسعار وانتهاب جيوب الفقراء وتقسين الدخول لألف باب وباب، وشيوع فساد القضاء وغياب الأمن والعدل والأمانة وسيادة شريعة الغاب التي تماري صاحب السلطة وتظلم صاحب الحق من ليس له بالسلطة ظهرا ولا نصيرا، وشيوع افتقاد الأمانة الوظيفية وسرقة المال العام وتعطيل معاملات المواطن لأجل اجباره على دفع المال الفاسد، إن تعاطي الفساد أشد خطرا من تعاطي المخدرات،

فهل حقا علينا أن نقبل مقولة رئيس وزراء العدو نتنياهو وهو يُقِرّ متفاخرا عن قرب انهيار أمة العرب وقد نجح في ازالة أربع دول تقريبا عن الوجود وباتو مجر خرائب دارسة وشعوب تتضور جوعا وهزيمة، نجحت خطة الغرب في تفتيت بلاد العرب واستعمال قيادات فاشلة عليها، والنتيجة حروب أهلية طاحنة ورهيبة، وانهيار دول رغم كل مظاهر انتعشاشها وسيادتها، وتناقص سكاني عظيم، وتسرب أموال النفط للغرب، وزيادة مستوى الفقر الفاقة، وتعظم طوابير الشباب من العاطلين عن العمل، وديون تتعاظم بحجم الجنون، وتردي التعليم، وسوء التخطيط، وانتشار الظلم الاجتماعي، والاستبداد السياسي، والتشوهات الاقتصادية، وتردي الازدهار بكل أشكاله وبكافة المواقع، والتقارير الدولية تذيِّل وضع الدول العربية بالأرقام المزرية والقيمة التأخرة

حينها لن نستغرب على رئيس الولايات المتحدة الأمريكية السابق أوباما القول أن الخطر الداهم الذي يهدد بزوال أمة العرب ليزيلهم عن الوجود لا يأتـيهم من الخارج بل من داخلهم هم، فالثمرة تبدأ بالانتهاء والزوال حين يبدأ داخلها بالتعفن، والعرب لا يملكون فرص الاستمرار وإن توفرت بين أيديهم كل المقومات.... إيه يا أمة تتراهن على سقوطها كل الأمم وتضحك حتى تنقلب على ظهرها من شدة من جهلها وسهولة اثارتها للتسريع في سقوطها

انهيار الأمم له أشكال كثيرة ومراحل أكثر، لكن بالنظرة للتاريخ وفلسفته نجد أن الأمم التي انتهى عهدها واختلط دمها تآكلت بسبب الفساد بأشكاله السياسي والأخلاقي والفكري مع موت الهمم، أي يبدأ انهيارها من الداخلومن ثم تهاويها، أي تأكل نفسها بنفسها بالمرحلة الأولى ومن ثم تجيئها الضربة القاضية الأخيرة من القوة الأكبر وأصحاب الحيلة الأذكى والحضارة المتقدمة الأوفى، طريق نخشى أن نكون نحن العرب قد قطعنا من دربه الشوط الطويل وأوشكنا على الاشراف على منحدره الأخير حيث لن يكون هناك متسع لندرأ عن أنفسنا هول السقوط والارتطام العنيف 


  • 1

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 19 شتنبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا