نحو تصحيح مفاهيم ... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

نحو تصحيح مفاهيم ...

مفهوم الضرب في القرآن ... بقلم : ماهر عساف

  نشر في 02 غشت 2021  وآخر تعديل بتاريخ 15 غشت 2021 .

مفهوم الضرب في القرآن ... بقلم : ماهر عساف

يعتقد الكثير من الناس أن ضرب الرجل لزوجته مسموح به في الشريعة الإسلامية ، وتعتقد كثير من النساء ان من حق الزوج تأديب زوجته بالضرب ، وبهذا فإن ضرب الزوج لزوجته أمر طبيعي لا يخالف الشريعة الإسلامية بحسب هؤلاء وهو يكاد يشكل الرأي السائد .

والذين يؤمنون بهذا السلوك يستندون لنصوص من القرآن والسنة :

1. قوله تعالى من سورة النساء : (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا إن الله كان عليا كبيرا ) آية 34.

2. وفي خطبة حجة الوداع قال النبي صلى الله عليه وسلم :

(استوصوا بالنساء خيراً ، فإنهن عوان عندكم ، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ..)

3. هناك نصوص اخرى من التراث تتحدث بهذه الألفاظ عن الضرب الذي له اوجه متعددة من التفسير والفهم .

موقف الشريعة الإسلامية من المرأة وموقف الفقه

غير ان الشريعة الإسلامية في نصوصها العامة والإجمالية جاءت مناصرة للمرأة ، بعكس الفقه الإسلامي الذي تمنن على المرأة وقام يحاصرها من كل جانب ، تماهيا مع فلسفة المجتمع الذكوري والفهم السطحي لمعاني القرآن العظيمة التي أمرنا الله بتدبرها وقراءة ما بين السطور وما خلفها حين قال : ( أفلا يتدبرون القرآن ) النساء 82

واسقاط الثقافة المجتمعية السائدة على النص لفهمه في سياق تاريخي اجتماعي ليس له علاقة بحقيقة النص الذي يجب ان ينسجم مع النزاهة الربانية وقداسة الشريعة وسمو التشريعات والمقصد الأساسي من الشريعة هو درء المفاسد وجلب المصالح.

فأي مصلحة نجلبها للمجتمع باستخدام العنف ضد المرأة، التي هي الأم والخت والزوجة! وأي ضرر ندرأه بضرب المرأة التي هي أساس تكوين الأسرة والمجتمع !

إن الشريعة الاسلامية انما هي من ارقى الشرائع التي وضعت المرأة في مرتبة متقدمة لما لأهمية المرأة ومن فضل في مجالات سكت عنها القرآن لبديهيتها ، وأشار الى فضل الرجل في مسائل قد تغيب عن المجتمع فأراد القرآن بذلك عمل التوازن الذي يضمن الانسجام .

ولم يكن يقصد بذلك تقديم الرجل على المرأة، بل ارد القول ان المرأة تتقدم في مجالات كثيرة وهي الأهم ، والرجل أيضا في مجالات ، ولا يجوز اغفال أهميته في المجتمع .

إن دور المرأة يكاد يتقدم على دور الرجل ويفوقه حساسية ، لأن دور المرأة يتشكل في مجالات عديدة بنسبة تزيد عن المتوقع مما يجعل قوة المجتمع في قوة المرأة وتمكينها .

في كتاب الله الكريم يتحدث عن المرأة بشكل صريح ، وجاءت الآيات في مواضع متعددة لتؤسس لقاعدة الأسرة والتي أساسها العلاقة الزوجية ومحورية الأم ، والتي لها الدور الأعظم في تشكيل وتكوين وبناء الأسرة .

حقيقة الضرب كما يجب ان تفهم :

ورد جذر كلمة "ضرب" في القران (57) مره في (54) آية ، ويقول زيد علي المهدي في رؤيته حول ضرب النساء :

يفرض خطأً أن لغتنا العربية بوضعها الحالي ولهجتنا العامية هي امتداد متكامل ومتطابق للّغة العربية التي كانت متداوله في وقت نزول القرآن ، وان بعض كلمات اللغة العربية في الزمن الحاضر وكذلك اللهجة خاليتان من الاخطاء والتشويه والتغيير ، وهذا فرض خاطئ لأسباب عديده منها بُعد الفترة الزمنية وما مرت به المنطقة من حروب واحتلالات واستعمارات وامبراطوريات و بلغات كثيره مختلفة.

وكذلك فرض خاطئ اخر بان المنطقة تتكلم العربية الخالصة متناسين وجود امتدادات الحضارات القديمة وسكان المنطقة من مسيحيّين ويهود وفرس وتُرك وغيرهم واختلاطهم وتأثيرهم واتصالهم المباشر في المنطقة وبلغاتهم المختلفة السريانية والفارسية والعبرية وغيرها وامتزاجها و تزاوجها مع اللغة العربية بالإضافة الى تأثّر التفاسير العربية المعتمدة على ترجمات الديانات الاخرى للغات مختلفة.

فقد تكون اندثرت بعض الكلمات والمصطلحات وحلت محلها كلمات اخرى تشتمل على معنى اخر.

فهل بعض كلمات لغتنا العربية المتداولة هي نفسها كلمات لغة العرب الذين نزل عليهم القرآن؟ هل فهمنا واستخدامنا لبعض كلمات اللغة بشكلها الحالي يعطينا المعنى الصحيح لشبيهتها الواردة في آيات القران؟

هذه الرؤية والتساؤلات التي قدمها الدكتور مهدي انما تدفعنا نحو البحث العلمي الصحيح لفهم الآيات والنصوص الدينية عموما في سياقها المنسجم مع عظمة الشريعة الإسلامية ورقيها.

ولقد قام الدكتور مهدي بدراسة مستفيضة حول كلمة ضرب وما هو المقصود منها واستحضر جميع آيات القرآن التي تتحدث عن كلمة ضرب وجذرها اللغوي وقدم المعاني المقصودة بحسب معاجم اللغة العربية ووصل لنتيجة مفادها ان كلمة ضرب في الآية الكريمة يقصد بها امض بعيدا ، أو ابتعد قليلا ولا يقصد بها الإيذاء الجسدي .

فبتتبع معاني كلمة (ضرب) في المصحف وفي صحيح لغة العرب ، نرى أنها تعني في غالبها المفارقة ، والمباعدة ، والانفصال والتجاهل ، خلافا للمعنى المتداول الآن لكلمة (ضرب ) ، فمثلا الضرب على الوجه يستخدم له لفظ ( لطم ) ، والضرب على القفا ( صفع ) والضرب بقبضة اليد ( وكز) ، والضرب بالقدم ( ركل) ، وفي المعاجم : ضرب الدهر بين القوم أي فرّق وباعد ، وضرب عليه الحصار أي عزله عن محيطه ، وضرب عنقه أي فصلها عن جسده ، فالضرب إذن يفيد المباعدة والانفصال والتجاهل ، والعرب تعرف أن زيادة (الألف) على بعض الأفعال تؤدي إلى تضاد المعني : نحو (ترِب) إذا افتقر و (أترب) إذا استغنى ، ومثل ذلك (أضرب) في المكان أي أقام ولم يبرح (عكس المباعدة والسياحة في الأرض) ، اسمع معي :( وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لَّا تَخَافُ دَرَكاً وَلَا تَخْشَى) طه/ 77 , أي افرق لهم بين الماء طريقا ، وقوله تعالى : (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ ) الشعراء /63-67 , أي باعد بين جانبي الماء ، والله يقول : (لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْباً فِي الأَرْضِ) أي مباعدة و سفر، وقوله تعالى : ( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ) المزمل/ 20 ، وقوله تعالى : ( فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ) الحديد/ 13، أي فصل بينهم بسور، وضرب به عُرض الحائط أي أهمله وأعرض عنه احتقارا، وذلك المعني الأخير هو المقصود في الآية المظنون أنها حض على ضرب الزوجة : (فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ ) والآية تحض على الهجر في المضجع والاعتزال في الفراش ، أي لا يجمع بين الزوجين فراش واحد ، وإن لم يجدِ ذلك فهو ( الضرب ) بمعنى المباعدة ، والهجران ، والتجاهل ، وهو أمر يأخذ به العقلاء من غير المسلمين .

أما الدكتور العظيم محمد شحرور – رحمه الله – فذهب للقول إلى أن بعض الكلمات تأخذ معنى محمول عليه ، ولا يقصد بها المعنى الفيزيائي ، فضرب هنا من الإضراب أي المنع والامتناع ، ويستدل بسياق الآية التي تتحدث عن القوامة والتي هي للرجال ، ولا يقصد بالرجال الذكور ، وإنما قد تكون رجال بمعنى إناث او ذكور ، والمعنى المراد هو استخدام الحزم إزاء المرأة المتعالية ، والمستكبرة ( الناشز) ولا يمكن أن يكون الضرب بمعنى العنف وانما بمعنى الحزم والمنع .

والخلاصة ان الإسلام لم يشرع العنف ضد المرأة ولم يسمح بالإيذاء الجسدي وكلمة ضرب تأتي في سياق العظة ثم الهجر في المضجع ثم الابتعاد قليلا ، أو استخدام الحزم ومنعها من التصرف على هواها .

لذلك لنرقى بفكرنا وديننا الى حيث اراد الله بنا ان نكون .

ماهر عساف



   نشر في 02 غشت 2021  وآخر تعديل بتاريخ 15 غشت 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا