تذكرة القطار - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

تذكرة القطار

تذكرة القطار

  نشر في 22 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

   الجو ممطر،أرتدي معطفا بنيا ممزق قليلا من  مكان الإبط الأيسر، أحمل محفظتي الجامعية بيدي اليمنى،أهرول في المشي كي لا يفوتني قطار الثامنة مساءً الأخير،من شدة هرولتي كدت أن أزلق في بركة مائية أسنة لونها،بعد برهة  تناهى إلى سمعي صوت  نسائي  قادم  من مقدمة الشارع المؤدي إلى المحطة،موظفة الخدمات بالقطار تقول بصوت يحمل رنة فريدة من نوعها،القطار القادم من طنجة والمتوجه إلى مراكش سيدخل المحطة بعد قليل.

    أخب من  سيري أكثر مثل حصان مغوار،لا قطار آت  سوى هذا القادم بعد لحظة،إذا ضيعته سأبقى في هذه المدينة إلى الغد،وأنا مسرع، فجأة،إستوقفني بعض المراهقين يرتدون ملابس رثة وجوههم "مشرملة" من كثرة المشاجرات،والصراعات حول علب السجائر وما جاورها.

 سألني سائل منهم،هل تحمل ولاعة؟

 أجبته بامتعاض شديد،إذهب إلى الجحيم.

    انهالوا علي بجميع أنواع السباب والشتم،لم أعيرهم أي إهتمام،قلت في قرارة نفسي، الشتاء خيط من السماء،القطار لم يبقى له إلا دقائق معدودة،تبا لهم، إنهم مجرد أوغاد يتحينون الفرص للسرقة ونهب المارة من المسافرين.

    أكملت طريقي إلى المحطة،هاأنذا أدخل،حركة غير عادية,زحمة غير معهودة،شيء مسلم به،دائما في الأعياد والمناسبات الخاصة،خصوصا إبان عيد الأضحى،تشهد جميع محطات القطار بالبلاد  ازدحاما كثيفا،رفعت مقلتي إلى السبورة الإلكترونية كي أرى مواعيد الرحلات،وأتيقن هل فعلا القطار الذي سأستقله قادم الآن؟،أحملق،تارة أمسح لحيتي بيدي اليسرى،لأزيل عنها بلل المطر،ثم  رفعت يدي اليسرى لأفرك قفاي ،فطنت إلى ثلمة المعطف،سحبت يدي بخفة،كي لا يرمق أحد تلك الفتحة.

   فجأة أسمع،القطار المتوجه إلى مدينة مراكش  سيتأخر نصف ساعة، تنهدت تنهيدة طويلة،وأدرت رأسي يمينا لألمح لوحة زرقاء مكتوب عليها المراحيض من هنا،توجهت نحوها لأقضي حاجتي البيولوجية،من شدة اضطرابي دخلت بالخطأ إلى دورة المياه الخاصة بالنساء،تداركت الأمر في آخر المطاف،لأنعطف يسارا نحو الحمام الخاص بالرجال.

    وأنا داخل الحمام سمعت هتافات مع هرج كبير،مما جعلني أسرع في الخروج لأرى ماذا يجري وسط المحطة،خرجت و في يدي اليمنى منديل ورقي أجفف به يدي،زاد صوت الصراخ والهتاف،ماهذا بحق الجحيم؟حشود كبيرة وعارمة تملأ المكان ضجيجا وصخبا،يهتفون بشعارات وأهازيج الملاعب الرياضية،إنهم مشجعون لإحدى الفرق الوطنية لكرة القدم.

  نعم ربما تكون هذه فرصة سانحة لأركب القطار في خضم هذه الغوغاء،ليس معي المال الكافي لأ قتني تذكرة السفر.

    فجأة،تدخل أعداد كبيرة من الجنسين يرتدون اقمصة مختلفة ألوانها،وكل قميص يحمل إسما مغايرا عن الآخر ،إنهم المعطلين حملة الشهادات العليا،عادوا  بعد يوم مضني وشاق من النضال أمام البرلمان،كذلك يرغبون في السفر الى مدنهم،طبعا،وبدون تذكرة.

  ثويت قرب أحد الأشكاك داخل المحطة،لأنتظر ما سيقع،أزحت قبعتي الحمراء قليلا عن رأسي،الشرطة في ذهاب وإياب،حراس الأمن الخاص بدورهم مرتبكون،و مغلوب على أمرهم،رمقت أريكة خشبية فارغة،توجهت نحوها لأجلس،قد تعبت من الوقوف،لكن لا سبيل للجلوس  وسط هذا الصخب العارم.

   القطار لم يأتي بعد،تجاوز مدة التأخير المعلن عنها من طرف إدارة المحطة،المسافرين غادين رائحين من شدة وطأة التوتر الناجم عن التأخير وهتاف الجماهير،وحنق المعطلين من جراء منعهم من السفر بدون تذاكر،وغضب الشرطة التي تفاجأت من هول هؤلاء  الغوغاء التي باغتتهم على حين غرة منهم.هنيهة وعلى غفلة من الجميع يأتي القطار الذي كنا ننتظره بفارغ الصبر والجلد. شرع كل المسافرين إلى التوجه بسرعة إلى الباب،الجميع دخل في هيسترية غريبة، بدوري هرعت إلى المدخل المؤدي إلى السكة،لم أبالي حين سقطت القبعة من فوق رأسي،المهم هو أن أستغل هذه الفرصة المواتية للصعود إلى القطار بدون تذكرة.

    البعض نزل من الممر الأرضي، الذي يوصل إلى السكة التي يقف عليها القطار،و البعض الآخر خب بكوارعه من فوق السكك مباشرة  إلى المقصورات دون حذر أو فرق من القطارات الأخرى  الأتية من الجهة المعاكسة.

    صعد الجميع بما فيهم المعطلين والجماهير المنتشية بفوز فريقها،المقصورات جميعها ممتلئة عن آخرها،الممر مزدحم أيضا لدرجة أننا صرنا ندفع بعضنا البعض غير آبهين  أبداً لابصغيرنا ولا كبيرنا،لا مجال حتى لأخذ النفس،المهم ألا يكون حيز لمراقب التذاكر كي لا يجول ويصول بحرية في أرجاء القطار،هذا ما قلته في نفسي،فالأغلبية الساحقة من المسافرين في هذا القطار بدون تذكرة.

  


  • 1

   نشر في 22 يناير 2016  وآخر تعديل بتاريخ 18 نونبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا