النظرية المعاصرة في علم الاجتماع - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

النظرية المعاصرة في علم الاجتماع

من أزمة البارسونية إلى ظهور علم اجتماع جديد

  نشر في 27 ديسمبر 2016 .

شهدت خمسينيات و ستينيات القرن الماضي تغيرات اجتماعية و سياسية داخل و خارج امريكا ( ظهور اليسار الجديد ، تعاضم القوة السوداء ، العنصر النسوي ، موجات التحرر ، الحرب الباردة ، المد الشيوعي ، الوعي الطلابي ، حركات ضد التمييز العنصري ، الحقوق الجندرية ، تزايد الهوة بين الطبقات ...الخ ) كل هذه الاشكالات و التغيرات و غيرها أبانت عن أن هناك ثغرات في النظرية السوسيولوجيّة تحديدا ( البنائية الوظيفة ) التي وقعت حينها في أزمة على المستويين النظري و الايديولوجي ، حيث بينت الوقائع أن هذه النظرية على الرغم من كونها استطاعت تفسير الواقع الامريكي لفترة من الفترات إلا انها لم تعد قادرة على مواكبة التحولات ما جعلها تغرد في واد و الواقع في واد آخر ، ففي الوقت الذي كان فيه المجتمع الامريكي يتخبط في جمة من المشكلات ، لاسيما الصراع الطبقي و الجندري ، كانت هي بعيدة كل البعد عن هذه التغيرات المجتمعية ، متجاهلة ذلك الصراع ، ماضية نحو الحفاظ على النظام و إقرار التوازن و الأستقرار ، ما جعلها تتصدع على المستوى النظري ، ناهيك عن أنها كذلك ظهرت للعيان بأنها نظرية محافظة ، تدعم الأيديولوجيا الليبرالية ، و مرتبطة ارتباطا شديدا بالسياسة و بعيدة عن الحياد ، الأمر الذي أدى بالراديكاليين الى الانتفاض ضدها و ضد مزاعمها في تفسير الواقع الاجتماعي بموضوعية ، و من أبرز الكتابات الراديكالية التي ظَهرت تلك الفترة في نقد النظرية البارسونية ( البنائية الوظيفية ) هي :

- عالم الاجتماع الامريكي رايت ميلز الذي كتب ( صفوة القوة ) ، ( الخيال السوسيولوجي ) ، ( ذو الياقات البيضاء )

- عالم الاجتماع الامريكي ألفن جولدنر الذي كتب ( الأزمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي )

- عالم الاجتماع الألماني هربرت ماركيوز الذي كتب ( الانسان ذو البعد الواحد )

شكلت كتابات مثل (الخيال السوسيولوجي )و (الازمة القادمة لعلم الاجتماع الغربي ) ضربة للنظرية البارسونية ، حيث دأب الكاتبان على فضح عورات البنائية الوظيفية و دعوا الى التأمل من جديد في حيثيات النظرية السوسيولوجيّة و مراميها ، و إعادة النظر في فحواها ، بل وصل الأمر برايت ميلز الى تلخيص كتاب بارسونز ( النسق الاجتماعي ) في أوراق معدودة ملخصة ، واصفا إياه ( أي كتاب بارسونز ) بالنثر النظري الطنان ! ، في حِيْن أن كتابات مثل الانسان ذو البعد الواحد و صفوة القوة و ذو الياقات البيضاء كشفت عن ذلك القصور الذي تعانيه البارسونية في فهم و تفسير الواقع الاجتماعي و التغيرات الجديدة ، لاسيّما على مستوى الطبقة الوسطى ، و تفاقم الصراع ، و تمركز القوة في يد الصفوات الثلاث السياسية و الاقتصادية و العسكرية ، و ما قابله من غليان في الشارع قادته شرائح جديدة إظافة للطبقة العمالية هي شرائح الطلاب الجامعيين و القوة السوداء و الحركات النسوية و شرائح أخرى من دعاة السلام و نبذ الحروب كالهيبيز و غيرهم .. هؤلاء رفضوا الواقع الامريكي و نددوا ضد السياسة الامريكية الداخلية و الخارجية و كان من أبرز الوجوه المناهضة آنذاك ، سنوات الستينيات تلك ، هو نعوم تشوميسكي الناقد السياسي الذي لا يزال لحد اليوم مناهضا للسياسة الامريكية الداخلية و الخارجية .

إن السياسة الخارجية الامريكية تلك ، غيرت مسار الفكر الماركسي من الانشغال بالعلاقة بين ارباب العمل و طبقة العمال ، اي بالصراع الطبقي بين الطبقة البرجوازية ( ارباب العمل ) و بين الطبقة الكادحة ( البروليتاريا العمالية ) ، و التفاوت المادي بين طبقة تملك وسائل الانتاج و أخرى لا تملك ، نحو الانشغال بتفسير العلاقة بين العالم المتقدم و العالم المتخلف اي بين الميتروبول الرأسمالي و العالم النامي ، للوقوف على طبيعة العلاقة الاستغلالية و اللاتكافئية بين المركز و التوابع ، فتغير مجال التفسير المكاني من المصنع نحو السوق العالمية ، و تغيرت النظرة للصراع من الصراع بين رب العمل و العامل إلى الصراع بين الإمبريالية الراسمالية و الدول التابعة ، كما أن اصحاب الماركسية المحدثة هؤلاء ، يفضلون استخدام مصطلح إمبريالية بدلا من رأسمالية ، و هذا خلاف ما كانت عليه الماركسية الاولى الكلاسيكية .

و منه تطور كذلك ، من نظرية الصراع الاولى ( الماركسية ) و نظرية الصراع الثانية ( الفيبرية ) نظرية صراع جديدة ، تمثل علم الاجتماع التحليلي و تتصف بكونها نظرية توليفية توافقية ، توازنية صراعية ، جاءت لتوفق بين البنائية الوظيفية و منظور الصراع ، و لتقر بوجود الصراع الذي تجاهلته النظرية البارسونية ، و من ابرز منظريها هما الامريكي لويس كوزر صاحب ( وظائف الصّراع الاجتماعي ) ، و الألماني دارندورف صاحب ( الطبقة و الصراع الطبقي في المجتمع الصناعي ) ، حاولا إنقاذ البنائية الوظيفية من أزمتها تلك بالتأكيد على وجود صراع في المجتمع و لكنه صراع وظيفي يحقق التوازن .. ناهيك عن عالم الاجتماع الامريكي المعاصر راندال كولينز الذي جمع بين صراعية ماركس و صراعية فيبر محاولا لفت الانتباه الى متغيرات جديدة في الصِّراع كالصراع الجندري..

إن من بين ما عمق أزمة النظرية البارسونية هو شموليتها ، فهي كنظرية كليانية ( الماكرو سوسيولوجي ) تم رفضها لرؤيتها الشمولية للواقع و تفسيرها الكلياني الفضفاض ، مما أدى الى ظهور الحاجة الى فهم الواقع برؤية مخالفة تنطلق من الوحدات الصغرى كوحدة تحليل سوسيولوجي ، ثم الوصول بعدها الى فهم و تفسير الوحدات الكبرى ( النظام العام ) ، و هنا بدأت تسيطر على الساحة النظرية اتجاهات جديدة ( المايكرو سوسيولوجي ) اي علم الاجتماع التأويلي مثل التفاعلية الرمزية الجديدة ( منظور غوفمان ) ، و نظرية التبادل الاجتماعي ( هومانز ) و الظاهراتية ( شوتز و بيتر برغر ) و الاثنوميتودولوجيا أي المنهجية الشعبية ( جارفينكل ) و نظرية الفعل التواصلي ( هابرماس ) ..... إلا أن بارسونز لم يقف موقف المتفرج على هذا الزخم و العراك النظري بل حاول التعديل من نظريته

فكتب مقالات عن التغير الاجتماعي ، و التطور ، إلا أنه قصد في الحقيقة أن يظهر المجتمع الرأسمالي على أنه النموذج الأوحد الذي يمتلك آليات التقدم ، في محاولة منه الإطاحة بالفكر الاشتراكي ( نظام الاتحاد السوفياتي تحديدا ) و هنا أبان بارسونز من جديد أن نظريته لها مرامي سياسية أكثر منها علمية ..

و ذلك بهذا الشكل يتضح أن علم الاجتماع ترنح بين اتجاهين كبيرين هما : علم اجتماع الوحدات الكبرى و علم اجتماع الوحدات الصغرى ، فالأول اهتم بالبناء و الثاني اهتم بالفرد ، كوحدة تحليل . و عليه بات موضوع علم الاجتماع يدور في ثنائيات مثل الذّات / الموضوع ، الفرد /المجتمع ، الفعل/ البنية ، الفاعل / البناء ، الطوعية /الجبرية .. إلا أن المرحلة التي تلت ، منتصف الثمانينات الى التسعينيات من القرن الماضي ، طور الامريكي جيفري ألكسندر تلميذ بارسونز ، بعد وفاته، الاتجاه الوظيفي ، و هنا ظَهرت الوظيفية الجديدة تأخذ بعين الاعتبار وجود صراع في المجتمع ، كما تولي اهتماما بالفرد الفاعل في المجتمع ، و في المانيا نجد ايضا نيكلاس لومان الذي طور الاتجاه البارسوني من خلال تطويره لنظرية الأنساق ، هذه الوظيفية الجديدة التي تزامن ظهورها و بوادر سقوط المعسكر الشرقي و ظهور متغيرات جديدة على الساحة العالمية ما جعلها توجه اهتماماتها صوب دراسة هذه المتغيرات الجديدة ، و هو ما سار عليه منظرين آخرين ، برزوا بقوة في تلك الفترة و ما بعدها ، أمثال ألان توران و نوربرت الياس و بيير بورديو و انطوني جيدنز و يورغن هابرماس .. كما عرف هؤلاء بميلاد مرحلة جديدة اتسمت بالربط بين الفعل و البنية ، الفرد و المجتمع ، الفاعل و البناء ... فمن التشرذم النظري و الثنائية إلى الازدواجية و الربط ، و من نقد الحداثة إلى الانشغال بما بعد الحداثة ، حيث أن عصر الحداثة الغربية و ما أفرزه من إشكالات طرحت على الساحة المعاصرة بقوة جعل من علماء الاجتماع المعاصرين اليوم يوجهون اهتماماتهم نحو مناقشة و تفسير هذه الاشكالات مثل الصِّراع الجندري ، المرأة ، الذات و الهوية ، الجريمة و العنف و الاٍرهاب ، التعددية الثقافية ، التدهور البيئي ، العولمة ..الخ ، هذه القضايا و غيرها هي التي باتت تشكل اليوم محور اهتمام علم الاجتماع الجديد . 

د/ لبنى لطيف


  • 1

  • د/ لبنى لطيف
    الدكتورة لبنى لطيف استاذة محاضرة بجامعة الجزائر 2 متحصلة على شهادة دكتوراه علوم في علم الاجتماع التنمية باحثة و مفكرة ، و كاتبة ناقدة في علم الاجتماع و الفلسفة و الدين و الاعلام و السياسة
   نشر في 27 ديسمبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !




مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا