سنة 2019 و إمكانية عودة الهمجية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سنة 2019 و إمكانية عودة الهمجية

سنة جديدة همجية متجددة .

  نشر في 02 يناير 2019 .

   

  لا يعجز المتابع لأحداث العالم المتوترة على المستوى السياسي و الإقتصادي و العسكري و الأمني، أن يستشعر إمكانية قدوم موجة جديدة من الهمجية على شكل عنف و تطرف قد تعصف بأجزاء واسعة من الكوكب الأزرق، و على رأس المناطق المرجح أن تعرف اكتساح الهمجية مناطق العالم الأول و الثالث على حد سواء، و على رأسها "أوربا" و "العالم الإسلامي الناطق باللغة العربية" ، فبعد ما سمي بالربيع العربي الذي حاولت من خلاله شعوب المنطقة الإنعتاق من وطئة الفقر و التهميش و الديكتاتورية، مُتوسلة في سبيل ذلك "السلم" أولا ثم "الإرهاب و العنف" ثانيا، فذلك ما يجسد بالنسبة إلينا الموجة الأولى للهمجية في القرن 21م في المنطقة العربية، التي عرفت ظهور أحد أبشع الحركات الإرهابية في التاريخ و هو تنظيم داعش، فضلا عن الإقتتال الطائفي و العرقي في كل من العراق و سوريا و ليبيا و اليمن و مصر (ضد االأقباط).

  أما و نحن على أبواب سنة 2019، فإن العالم على صفيح ساخن، ففي أوربا أرض الغِنى تنضح شوارعها بالمتظاهرين السُّفر المُفَقَّرين (mouvement des Gilets jaunes) ممن ضيق عليهم النظام الرأسمالي الغابوي العيش و المعيشة، فآثروا الخروج ثوارا ضد أنظمتهم المتواطئة مع سياسات هذا الإقتصاد الدولي اللاإنساني، و الملاحظ أن الدول التي عرفت هذا الحراك هي الدول التي تحتضن طيفا واسعا من المهاجرين، إذ إن شعور الأوربي بالخوف على مستقبله و إدراكه لنقص الموارد المالية التي بإمكانه صرفها على نفسه و على أبنائه، و هي تنصرف إلى تغطية تكاليف عيش المهاجرين، قد يخلق أزمة بين الشعوب الأوربية و المهاجرين، بإمكانها أن تنتهي بتشريد و طرد الملايين منهم.

  خصوصا و أن "اليمين المتطرف" يصوب أصبعه مع كل أزمة اقتصادية في أوربا باتجاه المهاجرين على أنهم فئة تضيق عيش و بحبوحة أهل الدار، فها هي "مارين لوبين" اليمينية الفرنسية تصرح بـ: "إن ميزانية التكفل بالمهاجرين أصبحت تثقل كاهل فرنسا، خصوصا و أن المهاجرين في ازدياد و تكاثر"، كما لم تفوت الفرصة إلى توجيه نصيحة إنذارية لهم: "بما أنكم لا تستطيعون إكفال أبنائكم فمن الأحسن أن تتوقفوا عن الإنجاب"، و هو ما يوضح بأن مسألة المهاجرين في تأزم مستمر بتأزم اقتصادات هذه الدول تحت تأثير "اقتصاد سادت العالم الجدد" بتعبير الإقتصادي و السوسيولوجي السوسري "جون زغلر" ، كما أنها تتأزم تحت تأثير تغلغل التطرف بين المهاجرين الذي يصدم الأوربيين كل مرة بأعمال إرهابية بشعية يكون أبطالها مهاجرون متطرفون، و ما هو ما ينبئ إذا ما وصلت الأزمة إلى حلقوم الأوربيين أن يقوموا بـ"موجة همجية" تعسفية ضد المهاجريين أو ضد أنظمتهم السياسية، أو هذه الأخيرة ضدهم على شكل قمع عسكري عنيف ضد الساخطين على هذه الأوضاع الكارثية.

  من جهة أخرى، يعرف العالم العربي إحياءا مكثفا للمظاهرات في كل من السودان و ليبيا و لبنان و المغرب، هذا فضلا عن الأزمة الخليجية و حصار قطر و الحرب السعودية-اليمنية التي لا يبدو لحلها أي أفق ، و التوتر بين العائلة المالكة في الحجاز و إيران ، بالإضافة إلى التحرش بـ"بن سلمان" من طرف مجلس الشيوخ الأمريكي و بعض السيناتورات الأمريكان بمعية أردغان بأسلوب ضمني، و توعدهم له بإسقاطه في أثر كشف تحقيقات "وكالة المخابرات المركزية" CIA أن الآمر و المجرم الأول في قضية اغتيال الصحفي "جمال خاشقجي" هو ولي العهد السعودي، هذا و تعرف المنطقة حدثا غير متوقع قد تكون له عواقب وخيمة على مستوى أمن المنطقة، و هو قرار "ترامب" بسحب القوات الأمريكية من كل من سوريا و أفغانستان، و هما أكثر دولتين تعرف عدم استقرار سياسي و أمني كما تتواجد بهما أكثر الحركات الإرهابية توحشا فوق كوكب الأرض و هما تنظيم داعش و طالبان.

  قد ينتج عن هذا القرار ، عدوة و تمدد الحركات الإرهابية في سوريا و أفغانستان، مستغلين الفراغ العسكري الذي ستتركه القواة الأمريكية على الأرض، و به تستأنف الدائرة المفرغة لحركية الجماعات الإرهابية التي تعلوا و تخبوا فاعليتها جراء مثل هذه القرارات لزعماء القوى العسكرية الكبرى، التي تساهم في إحياء و انتعاش و التمكين للإرهاب بأن يعود و يتسلطن من جديد .

  من كل هذه الأحداث قد نستشعر إمكانية إشتعال المنطقة العربية من جديد عاجلا أم آجلا في السنة الجديدة أو التي بعدها أو التي بعد بعدها، المهم هو أن "موجة الهمجية الثانية" بعد الربيع العربي قادمة لا محالة، فإن التوعد الأمريكي و الإيراني للسعودية قد يشعل حرب طائفية بين القبيلة العملاقة (السعودية) و ايران، ما قد يحفز الحرب على جبهة أخرى يكون المتحاربون فيها هم حزب الله-القسام- إسرائيل، ما بدوره قد يدفع سوريا إلى الإنتقام ضد الدولة المارقة (اسرائيل) بعد غاراتها على مواقع الجيش السوري أيام التوتر الغير القابلة للنسيان، و في حصول ذلك لن يبقى جيش بلد العم سام يتفرج، فقد تتدخل أمريكا و تعود إلى المنطقة بعد أن قرر ترامب الإنسحاب من سوريا خصوصا، و هو ما قد يعرف عدوانا أمريكيا على أحد دول المنطقة خصوصا ايران ، و هو ما سيستفر بسببه الجيش الروسي للدفاع عن حلفائه و مصالحه .

  المهم أن الأزمة بين دول الشرق الأوسط و تنافس روسيا و أمريكا على النفوذ في المنطقة، سوف تتفاقم مع احتمال الإنفجار في أي وقت و اشتعال حرب الكل ضد الكل ، و في ذلك سنرى أحد الوجوه الجديدة للهمجية التي لم يمر أي عام على البشرية دون أن تهلعنا فيه ، هذا على المستوى الأمني في المشرق .

  أما على المستوى الأمني في المغرب، فإن العديد من الجهاديين العائدين من جبهات القتال في الشرق، أصبحوا يشكلون خطرا على بلدانهم، و ما قتل سائحتين اسكاندينافيتين أرق من نسيم الصباح بطريقة بشعة في المغرب، من طرف خلية ارهابية متوحشة تتضمن عائدين من سوريا، إلا تأكيد لهذا الحدس، هذا ناهيك عن ورود إمكانية تجمع هذه الحركات في الساحل الأفريقي الذي يعرف أصلا انفلاتا أمنيا في أكثر من دولة كما يتميز بمرونة خطيرة على مستوى الحركات الإرهابية و الثورية "كالجبهة الشعبية لتحرير أزواد" في مالي ، و تنظيم القاعدة في جنوب الجزائر و موريطانيا، فضلا عن تنظيم "بوكو حرام" الذي ينشط في أكثر من دولة من دول الغرب الأفريقي، ما قد تلتقي عنده عزائم و أهداف هذه الحركات الهمجية، و هو ما يفتح إمكانية وضع أمن المنطقة في كف عفريت.

   كما مرجح أن تعرف المنطقة عدم استقرار سياسي بسبب تأزم اقتصاد المنطقة، و للتدليل على ذلك نضرب المثال بالجزائر التي تزود أوربا بحوالي 30 في المئة من إجمالي حاجياتها من الغاز الطبيعي، غير أن التوقيع المباغث لاتفاقية أوربية-اسرائيلية في هذا الشأن، تقضي باقتطاع أوربا حصة صادرات الجزائر من الغاز و تمنحها لإسرائيل، سوف يؤدي حتما إلى تراجع عائدات الغاز الجزائري الذي يعتبر ركيزة أساسية لاقتصاد هذا البلد المغاربي الكبير، و به سيتأزم وضعه الإقتصادي أكثر مما هو متأزم أصلا، و بجوار الجزائر وصل عَدَّاد الدين الخارجي للمغرب إلى ما يفوق 85 في المئة من مداخيل هذا البلد، و هو ما ضاقت به الحكومة ذرعا فانخرطت في خصخصة القطاع العام و تكثيف الضرائب على المواطنين بأسلوب جنوني، ناهيك عن تونس التي تعرف ركودا اقتصاديا هي الأخرى و انفلاتا أمنيا بين الفينة و الأخرى تأثرا بالجارة ليبيا التي تعرف كل أنواع الكوارث العسكرية و السياسية و الإقتصادية، هذا دون نسيان ما ترزح تحت وطئته مصر من أزمة اقتصادية غير مسبوقة تتمثل في ارتفاع الدين الخارجي و إبهاظ قيمة الضرائب و ارتفاع مبالغ فيه لأثمنة المواد الغذائية و العقار ، و بإزاء هذه الأزمة الإقتصادية التي تكبل حركية هذه الدول، فإن المنطقة تعرف ردة حقوقية و تماديا في نمط الحكم الواحدي الديكتاتورية الخانق لحرية و إرادة شعوب المنطقة، و لنا في كل من مصر و السعودية خصوصا نموذجا معبرا عن ذلك .

  تواكب شعوب هذه الدول الأزمة الإقتصادية و السياسية و الحقوقية ، بحراك اجتماعي ساخن من لبنان و البحرين مرورا بالسودان و مصر وصولا إلى الجزائر و المغرب، يعرف نشاطا احتجاجيا لا يفتر، و في أثر انسداد أفق الحلول و ضعف استجابة الدول لمطالب هذه الشعوب الجائعة، بل و الميل عوض حسن الإستجابة و التفاوض إلى القمع البوليسي و العسكري، قد يتأدى ببعض هذه الشعوب إلى اختيار الكفاح المسلح و الإصلاح عن طريق السلاح و العنف، و هو ما سيعيد مسلسل الكوارث و الحروب التي تعرفها المنطقة منذ زمن لا يعرف مبتدأه في تاريخ الشعوب العربية، فمنذ زمن بعيد و هم يثورون ضد الديكتاتورية و الفقر و الإملاق دون تحقيق أي قطيعة.

   من كل ما سبق، يتبين أن سنة 2019 لن تختلف في بشاعتها عن باقي سنوات البشرية، إذ أن كل أسباب اشتعال "صراع الهمجيات" بتعبير عالم السياسة الفرنسي/اللبناني "جلبر الأشقر" متاحة و متوفرة ليس بكفاية و إنما بما فوق الكفاية ، و هو ما سيسهل عودة الهمجية و صدام البربريات في أكثر من منطقة خصوصا في أوربا و العالم العربي و العالم الثالث بشكل عام و بعض مناطق العالم الأول، بفعل خصوصا الأزمات الإقتصادية التي يثيرها النظام الرأسمالي الدولي و بفعل كذلك انتشار ثقافة رفض الآخر و ثقافة الكراهية، ناهيك عن اشتداد و إعادة انتاج الأنظمة الديكتاتورية في العالم .






  • 1

   نشر في 02 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا