زهرة نيسان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

زهرة نيسان

  نشر في 31 غشت 2020 .

ونحن نتلقف دوي الانفجار الذي هز أركان بيروت، اصطدمت جوارحنا بصورة الفطر الكبير والدخان الأحمر الذي أعادنا لأيام الحروب وجرائم الطواغيت، مشهد رسمته الأيادي الخفية المتواطئة الجاهلة والمستهترة بحياة البشر، تلك التي طاوعتها الدناءة على حجز البضاعة المسمومة لسنين طويلة في قلب المدينة ،محتفظة بها على رصيف المرفأ وكأن الأمر يتعلق بلوحة تذكارية ثمينة تعود لعصور غابرة وجب إحاطتها بالحرص الشديد في زاوية المتحف.

بيروت التي نطقت بلسان أفئدة من أحبها، راسمة لنفسها مكانة وسط النجوم المحلقة في روايات التاريخ، محلقة في هوى وعقل ووجدان من لا يزال يجوب مطابع المدينة وهي ترسل للبشرية ما تجود به القرائح. بيروت معقل قصائد السلام وشاطئ الأمل الذي تسبح فيه الأجيال على نسمات بعلبك في ظلمات رحم البطن الثاني الذي يحمل أبناءه بعد بطون الأمهات.

بيروت التي تغنى بها كبار الشعراء العرب، فألهمتهم وأبدعوا على عطور فصولها وجبالها ولوحات التعايش بين سكانها.

وبعد إنفجار المرفأ وتحول القضية لسبق اعلامي ومادة خصبة إستأسدت على نشرات الأخبار، وبقدر ما لمسنا فداحة الخسائر وآلمتنا أعداد الراحلين و دموع أهاليهم، وقفنا مشدوهين أمام جريمة في حق الإنسانية، جريمة مكتملة الأركان تفننت في نسج شراكها ضمائر عقيمة ماتت فيها نخوه الإنسان، و تحول لوحش كاسر قابع في دهاليز العمالة، متنعم بتلاطم أمواج أحزان الفقراء البؤساء من لا صوت لهم، مقابل دراهم معدودة أو خدمات حصرية أو إمتيازات بائسة، يصاحبها الوقوف كالعادة لتحية العلم  وإلقاء الدروس اليومية في الوطنية من خلال رسائل الإعلام، والبدلات الأنيقة والعطور الفواحة وحجز الصفوف الأولى في إحتفالات الأعياد الوطنية والأيام الرسمية.

وبعد زيارة الرئيس الفرنسي ماكرون، تناقلت بعض وسائل الاعلام قيام آلاف اللبنانيين بالتوقيع على عريضة يطالبون فيها بعودة الاحتلال الفرنسي للبنان وذلك لتخليصهم من العصابة و أزلامها، الزمرة التي أفسدت وباعت وخدعت كما حملته آهات وأنين إستغاثة الضحايا و أبيات و رسوم صرخاتهم .

عريضة وإن كانت قد إستفزت ما تبقى في رصيد كرامتنا، و إستنطقت ما حوته الزاوية الحزينة التي لا تزال تحتفظ ببطولات ومواقف من تشبع بصورة العربي الذي يرد صدره عواء الريح و يرعب شنبه ونظرته أعتى الطغاة ويقض مضاجعهم، إلا أن المطلب أدخلنا في صراع مع التاريخ والجغرافيا والحسابات الجيوسياسية، و أعادنا لمقولة الخليفة الفاروق عمر ابن الخطاب رضي الله عنه عندما قال لا تحرموا المسلمين حقوقهم فتكفروهم ولا تنزلوهم الغياض فتضيعوهم .

وأنت تواجه مطلب عودة الاحتلال بقواعد النخوة العربية تدرك حجم الظلم المسلط على الشعب، ودرجة التبجح بالخيانة والعمالة ومشاهد إرضاء المطامع الخاصة على حساب تاريخ شعب بأكمله، بل و بالتضحية بحياة المواطنين كبيرهم وصغيرهم، مقتنعين زورا أن دوام الحال لا يصنف في خانة المحال،ما جعل القهر يفعل بالشرفاء أفاعيله و يملي عليهم بنود بيع الوطن فقط للتخلص من خونة الوطن الجاهلين بالقواعد الأزلية ، أن شجرة الظلم لا تثمر بغير الآليات الملونة والحديثة لصناعة الخراب والهلاك والدمار، الذي يكون وقعه أشد من وقع الحسام والمهند وهو يرسل أشعته المسمومة المنبعثة من أيادي ذوي القربى، الذين تآمروا سرا ثم تحاملوا وخدموا تمثيلا وبغيا لهدم الصرح علنا وعلى المباشر، فحتى و إن بلغ اليأس مداه وأشرقت انوار الهزيمة، سينزل لا محالة لطف الله، وستقوم الزهرة من تحت الردم ويعود الميزان دقيقا ،و يتوشح الولاء للوطن بعلم بعلبك، و تنبت من بين الركام شجرة الحرية والكرامة و تفوح زهرة نيسان رغم جراحها وتجف دموع القهر وتنكس أعلام الخونة والعملاء وتنظم من جديد قصائد الإنتصار بالحبر ودماء القلب، مبتهجة بنهاية سطوة أجنحة الظلام وبخراب الظلمة ويسقى الشرفاء الكرام ماء الحياة بالعزة والوقار.

محمد بن سنوسي

30/08/2020


  • 1

  • بن سنوسي محمد
    مدون حر اطرح افكاري و اسعى للمشاركة في اصلاح المجتمع
   نشر في 31 غشت 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا