يا ليتني مت قبل هذا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

يا ليتني مت قبل هذا

يا ليتني مت قبل هذا

  نشر في 11 يناير 2022 .

يا ليتني مت قبل هذا

كلنا يعلم أن هذه الكلمات نطقت بها مريم بنت عمران , إحدى أربع نساء هن سيدات نساء العالمين , ونعلم سبب تلك المقولة , وهي معرفتها بحملها لسيدنا عيسى عليه السلام ولم تتزوج , كانت تدرك ما ستواجهه من قومها بسبب هذا الحمل من غير زواج , وكأنها استكانت منهارة تحت نخلة ولم تجد إلا هذه الكلمات خوفا مما ستواجهه بعد ذلك , مريم كانت تدرك أنها من بيت شرف ونبوة , وكانت تدرك براءتها من أي دنس , ولكنها أيضا كانت تدرك أن للمنطق حدود لن يتجاوزه البشر أو تقفز عليه الأحداث , فالمرأة لتحبل منطقيا يجب عليها أولا أن تتزوج , أو ربما تكون بغياّ , وهذا ما ورد في حوار قومها عندما قالوا لها :

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً (27) يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً ) .

ولكن لن نتطرق لقصة مريم مع قومها , وقصة ذلك الحمل الذي أراد له الله تعالى أن يتكون بروح منه , ولكن ذلك الضعف الإنساني الذي نلتمسه في مقولة مريم سيدة نساء العالمين , الذي نعتقد ولوهلة أنه لا يليق بامرأة طاهرة من بيت نبوة ومعروفة في قومها بالطهر والعفاف وشرف الوالدين , هي كلمات عميقة ومهيبة أظهرت تلك القامة الطاهرة بذلك المظهر الضعيف المستسلم كما يدل ظاهر القول (يا ليتني مت قبل هذا) , هل يمكن أن تكون سيدة نساء العالمين قد نسيت في تلك اللحظات مكانتها وجوهرها واستسلمت للحظتها كأنثى وإنسانة تخضع لقوانين البشر وتقاليدهم , وتبحث عن تبريرات ترضيهم لما يمكن اعتباره موقفا يحتاج لتبرير عقلي ومنطقي , نعم أدركت مريم أنها إنسانة غير عادية , ولن تستسلم لاتهامات قومها أو تبحث عن أجوبة لن تقنعهم أبدا بحصول معجزة كتلك , عندما أشارت مريم لابنها الوليد كانت تدرك أن ثمة معجزة ستحصل , وأن هذا الوليد الذي هو نفخة من روح الله , سيتولى الإجابة عنها , هذه الثقة بتلك الإشارة كانت تعني أنها تدرك عظمة الحدث وقدسيته , ولكن يبقى السؤال , لماذا تبدو كلماتها عند إحساسها بالحمل بتلك الصورة اليائسة والتي تمثل الضعف الإنساني في أوضح صوره , ربما تصرفت السيدة مريم حينها كإنسانة يجب عليها أن تتعايش مع محيطها بقوانين اجتماعية ثابتة لا تقبل التغيير والتأويل , فهذا الحمل في تلك اللحظة الحاسمة يحتاج لتبرير منطقي يتقبله المجتمع , والمجتمع لن يتقبل منها أي تبريرات في وضعها كونها غير متزوجة وكونها من بيت شرف من ناحية والديها , لقد وصلت إلينا صورة مريم الإنسانة الطبيعية ابنة بيئتها البشرية الرافضة لحدث غير منطقي وغير مقبول أخلاقيا ودينيا ومجتمعيا , وفي حالة تشبه الانهيار النفسي الذي يواجهنا في العصر الحالي من كثير من أحداث الحياة اليومية وعبر المجتمعات المختلفة , والذي يمكن أن نعبر عنه بقولنا كمهرب أخير من تلك اللحظات الضعيفة والمأساوية (يا ليتني مت قبل لا يحصل كذا ) .

كم من الأحداث التي تواجه إنسان اليوم والتي ينطق فيها أو يردد تلك الكلمات التي قالتها سيدة النساء وأم النبي وربيبة الشرف والعفة .

هل هناك حدث نمر به يستحق تلك الأمنية ؟

لا شك ثم لا شك أن كثير من الناس يؤمن أن ثمة أحداث مرت به تستحق تلك المقولة , لما لا ؟

أوليست سيدة نساء العالمين مرت بها ؟

لو أخذنا بالاعتبار فرق الموقف والوضع الإنساني , ومكانة السيدة مريم والتي لها مكانة عظيمة وبركات ومعجزات كلنا يعرفها , وقارناها بالكثير من البشر خاصة اليوم وبغض النظر عن البيئة والدين والمجتمع والوقت والثقافة , لما لحقتنا الدهشة من ترديد تلك المقولة لأسباب اقل من ذلك الموقف العصيب بعشرات المرات .

ربما يرددها البعض كتعبير عن الندم لقرارات خاطئة أو أقدار قاسية , أو حظ عاثر , أو أمنيات محطمة , أو مواقف لا تحتمل , ولكنا تظل كلمات تنطوي على أكثر من نافذة للهروب من واقع مرفوض أو غير مرغوب , لكن هل يتساوى الموت وعدم الوجود أصلا بموقف عابر حتى لو وقعنا معه في لحظات ندم أو مأساة أو ربما تغيير جذري في حياتنا للأسوأ ؟

الإنسان أعمى في طريق أقداره , يسير فيه وهو يجهل أين ستكون خطوته التالية , منهم من يقوده الأمل في رحمة الله أن يكون طريقه طالح وهادئ وميسر , ومنهم من لا يهتم إلى أين تقوده تلك الخطوات , ولكن البعض يعتقد أن بعض الفواصل في أقداره أمر من الموت , بل أن قدر الموت هو أرحم بمراحل من الوقوع في تلك الأقدار , وهذا ما عبرت عنه كلمات السيدة مريم العذراء بكل تفاصيلها المؤلمة , ولكن العزاء والمواساة جاءت للسيدة مريم من رب العالمين وأمرها بألا تخاف أو تحزن , فأين نجد نحن اليوم ذلك العون المباشر الذي تلقته السيدة العذراء لعشرات الإحباطات والعثرات في حياتنا اليومية وعبر سنوات عمرنا الطويلة ؟

نحن بشر , وربما خطاؤون , نحن ليسوا ملائكة أو أنبياء أو أولياء , نحن لا نملك وسيلة تواصل مع ربنا إلا بالدعاء والخضوع والتمني بحياة صالحة وتوفيق منه , نحن كالسيدة مريم في ذات اللحظة التي تصرفت كبشر ولم تجد مفرا من ذلك الموقف الذي لم تجد مخرجا منه إلا بتلك الكلمات التي ربما يرددها البعض اليوم (يا ليتني مت قبل هذا) . 


  • 6

   نشر في 11 يناير 2022 .

التعليقات

✿AYA GABER✿ منذ 3 شهر
رائع شكرا للإفاده❤️
0
adelmoleh
ممنون للمرور الكريم

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا