الاحتكار - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الاحتكار

تعريفه، حكمه، علاجه و الوقاية منه

  نشر في 18 أكتوبر 2016 .

حتى يكون هناك عدل، لابد أن يتساوى الناس أمام الفرص المتاحة لهم، و عندما يختل هذا الميزان؛ فإن الظلم يظهر، و الأضرار تكثر، و المنافسة تنعدم، و هذا ما يفعله الاحتكار

أولًا: تعريف الاحتكار

تعريف الاحتكار في القديم كان يدور حول حبس و منع الطعام؛ لأن هذه الصورة كانت الأكثر شيوعًا و الأوضح ضررًا، أما اليوم فإن الاحتكار صار له صور شتى، و طرق عديدة، فناسب أن نبحث له عن تعريف يجمع بين صوره المتنوعة المتجددة

1- تعريفه لغة: 

الاحتكار هو الحبس  ( الحاء و الباء و السين ) لها أصل واحد هو الحبس

" معجم مقايس اللغة ابن فارس " 

2 - تعريفه شرعًا:

 ( هو حبس مال، أو منفعة، أو عمل، والامتناع عن بيعه، وبذله، حتى يغلو سعره غلاءً فاحشًا غير معتاد، بسبب قلته، أو انعدام وجوده في مظانه، مع شدة حاجة الناس أو الدولة أو الحيوان إليه ) 

الفقه الإسلامي المقارن مع المذاهب 

3 - تعرفه اقتصاديًا:

في الاقتصاد الرأسمالي لا يوجد سوق واحد لكل السلع، و إنما لكل سلعة سوقها، و يتصرف أفراد و مؤسسات كل سوق حسب هيكل السوق، و يصفة عامة الاحتكار في النظام الراسمالي أنواع حسب السوق كالآتي

1 - سوق الاحتكار التام 

أهم ما يميزه أنه سوق فيه منتج واحد، و المنتج ليس لها بديل، و يوجد قيود على الدخول إلى هذا السوق بل يكاد يكون ممنوعًا  

2 - سوق المنافسة الاحتكارية
أهم ما يميزه أنه سوق فيه عدد كبير من المنتجين و المشترين، و عدم تجانس المنتجات المعروضة، و يوجد حرية للدخل و الخروج من السوق 

3 - سوق احتكار القلة 

أهم ما يميزه يوجد عدد قليل من المنتجين، و سلوكهم - في تحديد الأسعار و الكمية المنتجة - يؤثر على بعضهم البعض، و السلع ممكن أن تكون بدائل، و يوجد قيود على دخول منافسين جدد إلى السوق 

- مما سبق من التعريفات يتضح أنه يتشابه إلى حد كبير التعريف اللغوي مع التعريف الشرعي للاحتكار إذ الجمع بينهما هو المنع و الحبس، و لكن التعريف الاقتصادي الرأسمالي يختلف فيه الاحتكار و مقداره حسب السوق و فيها اختلاف عن االاحتكار المعروف عند الفقهاء سواء القدماء أو المعاصرين

- و سوف يكون الحديث عن الاحتكار بكل صورة تحدث ضررًا للناس و يكون سبب الضرر هو حبس السلعة و منعها، سواء كان الاحتكار في السوق الرأسمالي في شكل سوق الاحتكار التام أو سوق المنافسة الاحتكارية أو الاحتكارالمعروف شرعيًا

ثانيًا: أضرار الاحتكار 

تقع أضرار كبيرة جدًا، بسبب الاحتكار على السوق و المستهلك و التجار كلٌ يتضرر بحسبه 

1 - يؤدي الإحتكار إلى تضخم ثروة المحتكر في وقت قياسي 

لأن بائع السلعة يكون واحدًا، سواء شخص أو مؤسسة، فهو المصدر الوحيد للسعة في السوق، فكلما زادت حاجة الناس للسلعة، زادت الكميات المشتراه من السلعة، و يرفع المتحكر سعرها و يربح أكثر كلما باع أكثر

2 - يتحكم في السلعة شخص واحد، فيرفعها متي يشاء و يمنعها متي يشاء، و يتضرر من جراء ذلك الناس

3 - يؤدي إلى ضعف المنافسة في السوق، و يعدم الحافز، و يستطيع المحتكر أن يقدم السلعة بسعر أكبر مما تستحق، و جودة منخفضة، لأنه المقدم الوحيد للسلعة و المتحكم فيها بمفرده 

4 - يؤدي إلى زيادة مستويات التضخم في الأسواق لأنها تؤدي إلى أنخفاض القوة الشرائية للنقود بسبب رفع سعر السلعة 

5 - تبديد موارد المجتمع 

ربما يختار المحتكر أن يحرق أو يعدم بعض السلع أو يحبسها حتى تفسد،  على أن يعرضها في السوق و تخفض السعرها فيحافظ على منعها و شحها ليحافظ على أسعارها مرتفعة

 ثالثًا: حكم الاحتكار شرعًا و الأدلة 

1 - الحكم 

الاحتكار محرم بالنقل و العقل 

2 - أدلة التحريم 

أ - الاحتكار ظلم للعباد 

لأن الناس لهم حاجة في السلعة الذي أمتنع المحتكر من بيعه، و لن يبعها حتى يرتفع سعرها أكثر مما تستحق؛ فهذا ظلم للناس و على ذلك فكل أية فيها تحريم للظلم فهي صالحة للاستدلال هنا و قد نقل ابن جرير الطبري - رحمه الله - عن بعض السلف أنه فسر قول الله تعالى ﴿ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ [الحج: 25]

قال: ( الإلحاد فيه حبس - حكر - الطعام بمكة ) و هذا من قبيل التفسير بالمثال

ب - عن معمر بن عبد الله أن النبي عليه الصلاة و السلام - قال:

 " مَن أحتكر فقد أخطئ "

  رواه مسلم

- وجه الدلالة

قال النووي - رحمه الله - في شرح مسلم " قال أهل اللغة: الخاطئ بالهمز هو الآثم و هذا الحديث صريح في تحريم الإحتكار " أ.هـ.

فالذي احتكر قد أرتكب خطأ يأثم عليه و لا يأثم المرءُ على فعل إلا إذا كان هذا الفعل محرم

ج - عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه و سلم قال: 

" لا ضرر و لا ضرار مَن ضار ضاّره اللهُ و مَن شاق شاّقه اللهُ "  

رواه أبوداود و الترمذي و حسنه

- وجه الدلالة 
أن الحديث منع من إيقاع الضرر بالغير سواءً كان الغير فردًا أو جماعة و الاحتكار مما يوقع الضرر بالناس بإرتفاع الأسعار و منع السلع عنهم في أوقات إحتياجهم

د - عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:

" من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم، فإن حقًا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة"

رواه أحمد في المسند و هو حديث حسن 

1 - 2 - آثار عن السلف في تحريم الاحتكار

أ - عمر بن الخطاب - رضى لله عنه - قال :

" لا حكرة في سوقنا، لا يعمد رجال بأيديهم فضول من أذهاب إلى رزق من رزق الله نزل بساحتنا، فيحتكروه علينا، ولكن أيما جالب جلب على عمود كبده في الشتاء، والصيف، فذلك ضيف عمر، فليبع كيف شاء الله، وليمسك كيف شاء الله 

 رواه مالك في الموطأ

ب - عن عثمان بن عفان " أنه كان ينهى عن الحكرة " 

رواه مالك في الموطأ

ج - قال قيس " قد أحرق لي علي بن ابي طالب بيادر - موضع يجمع فيه القمح - بالسواد - مكان بالعراق - كنت احتكرتها و لو تركها كنت ربحتها مثل عطاء الكوفة " مصنف ابن أبي شيبة

د - قال ابن عمر " الحكرة خطيئة "

 منصف عبد الرزاق

2 - 2 - أدلة المعقول على تحريم الاحتكار

الاحتكار يوقع الظلم على كل المتعاملين في السوق 

فالمستهلكين يقع عليهم ظلم؛ لأن سلعهم أسعارُها ترتفع أكثر مما تستحق 

و التجار المنافسون يقع عليهم ضرر لأن المحتكر قد منع تبادل السلع في السوق باحتكاره و منع المنافسة

السوق الذي يتحدد السعر فيه بآليات العرض و الطلب قد توقفت فيه هذه الآلية لأن المتحكر منع عرض السلعة إلا من جهته  

رباعًا: شروط الاحتكار المحرم

ليس كل احتكار يقع من الناس يكون محرمًا بل هناك بعض الصورة مستثاة من هذا التحريم و المنع يجمعها أن لا يحدث الاحتكار ضررًا على عموم الناس فإن خلا الاحتكار من ضرر على الناس جاز

1 - أن يكون السلعة المحتكرة قد اشتراها من السوق، فأما إن كان هو صانعُها أو زارعُها فهي حق له خالص يفعل بها ما يشاء، و هناك فارق بين الصورتين و هو أن السلعة إن وجدت في السوق فقد صار للناس فيها حق مَن منعهم حقَهم فقد تعدى عليهم، لكن في حالة كونه هو الزارع أو الصانع و لم تأتي السلعة إلى السوق فهو الوحيد صاحب الحق و ليس عموم الناس حق فيها 

- و لكن يراعي حاجة المسلمين خاصة لو كانت من الأمور التي يضر حبسها و منعها على الناس كالطاعم أو الدواء فمثل هذه الأشياء يضرر الناس بحبسها عنهم 

2 - أن الشئ المُحْتَكر تم شراءه في وقت الغلاء و للناس فيه حاجة، فأما إذا أشتراه في وقت الرخص و ينتظر أن يرتفع السعر فلا شئ فيه 

و الفرق بين الصورتين أن الشراء في وقت الغلاء يكون للناس فيه حاجة كبيرة ؛فبشراءه في هذا الزمان يضرهم أكثر، أما الشراء في حالة الرخص فليس على الناس فيه ضرر بل ربما يُحسن إلى الناس في وقت إنعدام السلعة و يأتيهم بها بسعر مناسب

3- أن يكون الغرض من الشراء و الحبس هو التجارة و الربح، أما إن كان أشتراها بغرض الإدخار له و الإستخدام فلا شئ فيه " لأن النبي كان يحبس نفقة أهله سنة " رواه عبد الرزاق، و لأن الممنوع هو إيقاع الضرر بمعيشة الناس و الربح من هذا الضرر، و لأن الذي سيدخر لأهله سيكون الإدخار بكميات قليلة لا يتضرر أغلب الناس منها،أما الراغب في الإتجار فيكون الإدخار بكميات كبيرة تضر عموم الناس

4 - أن يكون الاحكتار مضر بالناس، فأما إن كان البلد كبير و لا يتأثر بالاحكتار و الحبس فلا بأس فيوسف - عليه السلام - حبس الغلة سبع سنين قال تعالى على لسان يوسف عليه السلام

 " تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِّمَّا تَأْكُلُونَ  " يوسف الأية 47

الخامسًا: فيما يجري فيه الاحتكار 

الاحتكار المحرم و الممنوع هو الاحتكار الذي يوقع ضررًا على الناس في حياتهم و معيشتهم، و على هذا فإنَّ أي شئ يتضرر الناس بمنعه و حبسه فإنه محرم و متوعد عليه بالعقوبات، سواء كان هذا الممنوع طعامًا أو شرابًا أو دواءً أو ملابسًا أو حتى الأشياء التحسينية التي يتضرر الناس بمنعها عنهم كالهواتف 

- الأدلة على أن الاحتكار يكون في كل ما يضر الناس 

1 - عن معمر أن النبي - صلى الله عليه و سلم - قال " لا يحتكر إلا خاطئ "

 رواه مسلم 

2 - عن معقل بن يسار أن النبي - عليه الصلاة و السلام -  قال " من دخل في شيء من أسعار المسلمين، ليغليه عليهم، فإن حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة" 

رواه أحمد في المسند و هو حديث حسن 

وجه الدلالة : أن هذا الأحاديث مطلقة فتعم كل صور الاحتكار المضرة بالناس و لم يقدها النبي صلى الله عليه و سلم بقيد

السادسًا: طرق علاج الاحتكار 

إذا وقع الاحتكار في الأسواق و تضرر منه الناس وجب على المنوط به حماية أسواق الناس أن يتدخل لحفظ إتزان حياة الناس و هذا التدخل لتغليب مصلح الجماعة على مصلحة الفرد 

فالحاكم له أن يأمر المحتكر أن يبيع ما لديها من سلعة قد حبسها احتكارًا بسعر مثلها لعموم الناس، فإن أبى المتحكر أن يبيع ننتقل إلى مرة أغلظ فيجبره الحاكم على ذلك، و هذه إجماعًا إن كان أحتكر طعامًا الطعام نقله النوو ي و غيره و يقاس على الطعام كل شئ يؤدي إلى وقوع ضرر على الناس

السابعًا: إجراءات إحترازية لمنع الاحتكار 

حتى لا يكون أسواق الناس عرضة للاحتكار و يتعرض الناس للضرر فإن الإجراءات الوقائية الاحترازية تمنع وقوع الاحتكار و تحد من قدرة المحتكرين أن يمارسوا هوايتهم في مص دماء الناس 

1 - التسعير في الأسواق 

الأصل أن يترك تحديد الأسعار لقوى العرض و الطلب في السوق، إلا أن يُخشى ضرر و تعدي فيتدخل المنوط به أمر حماية السوق و يضع أسعارًا للناس يُعاقب مَن يتجاوزها 

2 - عدم إعطاء فرصة لأحد أن يكون هو البائع الوحيد أو المشتري الوحيد لأي شئ يضر احتكاره بالناس، بل يكون الأمر في عدة جهات؛ حتى لا يستأثر أحد بشئ يضر الناس احتكاره و منعه 

3 - أن تكون الدولة حاضرة و منافسة في سوق السلع و الخدمات التي يحتاجها الناس و يتضررون بحبسها و منعها، و حتى إذا ما وقع احتكار من أحد التجار تستطيع الدولة أن تزد في إنتاج أو استيراد هذه السلعة فيضطر المتحكر لتخفيض السعر و البيع بسعر المثل لأن العرض إذا زاد أنخفضت الأسعار 

ثامنًا: أمور يباح فيها الاحتكار 

الخدمات العامة مثل ( الكهرباء أو المياه أو القطارات .... )

فهذه الخدمات يباح احتكارها من قبل الدولة و إن أعطت الدولة الحق لأحد الشركات الخاصة أن تقدم أو تدير الخدمات العامة، لابد أن يكون هناك متابعة و رقابة لتقدم هذه الخدمات 

و لأن ترك مثل هذه الخدمات لقوى السوق ربما تقع تحت مقصلة الاحتكار فيقع ضرر بالناس يكون تأثيره كبير جدًا 



   نشر في 18 أكتوبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا