ذكريات طالب في بلاد الجرمان - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ذكريات طالب في بلاد الجرمان

  نشر في 19 فبراير 2017 .

أداة قتل اسمها السيجارة

استفاق من نومه هذا الصباح عرق الجبين ، تكاد نبضات قلبه تفتك بصدره من هول ما رآه في منامه الليلة ، و تمنى من الله فعلا أن لا يتحقق ما يفكر فيه ، و آثر أن يبقي على شعور الأمل ، بأن ما رآه كان أضغات أحلام لا غير ، غير أن ما رآه تكرر معه بشكل يومي تقريبا ، حتى أحس بالضيق ، هو يعرف أحلامه ، و يعلم حقيقة كونه حفيد جدة ترى الرؤيا فلا يمسي المساء حتى تتحقق بتفاصيلها ، و قد ورث دون أخوانه ، هذا الميراث الثقيل ، و الذي يجعل منه كائنا ليليا ، يعاني مما يراه في أدراج نومه !

رأى فيما يرى النائم ، أباه في أحلى حلة ، يوم عرسه ، في أبهى زينة ، و هو يبتسم ، ابتسامة جميلة ، لم يرها على وجهه من قبل ، و الكل متجمع حوله ، و ينظرون إليه بفرح هائل ، و تكاد أعينهم تلتهم حسنه ، غير أنه ينظر إليه ، و يمعنه بالنظر ، رأى في عينيه الحب كله ، و الجمال كله ، و الحنان كله ، و رأى بحرا من بحور الشعر في عينيه يتغنج ، و شوقا و رمانا و برتقالا و نسائم الربيع ، رأى أشياء لم يشهدها في حياته ، فرآها في منامه !

و كان يستيقظ في كل يوم ، و هو مبتسم مما رآه ، غير أن الرعب ما يفتأ أن يحتل أوتار قلبه ، و علم فيما بينه و بين قلبه أن أباه يتقلب في دروب الألم ، أي ألم ، المهم ، أن مكروها أصابه ، منبع الإبداع لا شك لوثت الآهات مياهه ، فكان حينما يتصل بالمنزل و يسأل عنه ، يقال له أنه في العمل ، أو في الخارج ، المهم أن الأعذار تأتيه من كل حدب و صوب ، مانعة إياه من معانقة صوت والده الحبيب !

فلاش باك

بعد أن قبل يدي والده ، نظر إلى وجهه ، فرأى تغيرا في ملامح وجهه ، و اصفرارا و شحوبا غريبا ، ظن في أول الأمر أنه من أثر الفراق ، و بالفعل ذلك كان ، غير أن الشحوب كان لأمر آخر ! بعد أن عاد أدراجه ، مقدما للسماء ابنه البكر ، تتجاذبه الغربة في بلاد الجرمان ، وصل البيت الخالي من نسائم شاعره المفضل ، و ارتمى على الفراش و بكى بكاء شديدا ، ابكى معه أمه و من حضر ، بكى لفراق فلذة كبده ، أرسلها إلى بلاد بعيدة ، و تركها وحيدة لمصيرها !

كان مدمنا للسجائر منذ صغره ، رافقته طوال أيام حياته ، و شهدت معه ولادة أبنائه الثلاثة ، و كان الأبناء حين الكبر ، يتوسلون إليه أن اقطع صلتك بها ، فيجيبهم بالمشيئة !

حاول و حاول ، حتى أعيت المحاولة كاهله ، فعاد إليها تلك اللعينة !

في ليلة من الليالي ، كان الكل مجتمعا تحت سقف البيت السعيد ، فجاءه خبر وفاة والدته ، و كانت المر الأولى التي يشاهد أباه فيها يبكي ، رباه ، كيف لرجل في الخامسة و الأربعين ، يبكي هكذا على أمه كالطفل الصغير ، أبعد أن أنجب أبناءه الثلاثة ، يبكي هكذا كالرضيع ، غير أنها الأم ، غير أنها المرأة الحنونة التي كانت ، حتى قوب وفاتها ، تأتي و تطرق الباب ، و تسأل ، و تعانق هذا و ذاك ، و تجمع شمل العائلة ! بكى بكاء أبكاه و استنفذ ما في مقله من دموع ، و كانت وفاتها ، شيئا محوريا في حياة والده ، حيث قرر للمرة الأخيرة المحاولة لمقاطعة السجائر ، و كللت محاولته هذه المرة بالنجاح ! فقد أبدى استعدادا لم يبده طوال حياته قط ، و قرر أن ينسلخ نهائيا عن حياته السابقة

بعد مغادرته إلى أرض الجرمان ، أدخل أباه المشفى ، و اكتشف سرطان السجائر برئتيه ، و استأصل الطبيب إحداهما ، و جزئا من الباقية ، و دخل لمدة طويلة ، في انقطاع عن الكلام و النطق ، و الم شديد ، و كان دخوله المشفى ، بداية لأحلامه ، بداية لرؤاه الجميلة ...

السرطان ، ذلك المرض الذي يزحف كرضيع ينمو بشكل سريع ، انتقل من رئتيه إلى باقي جسده ، في سرعة رموش العين ، انتقل بسرعة خاطفة ، خاطفا معه شعر رأس والده السبط بسبب الخضوع للعلاج الكيماوي ! ...

حاول التعايش مع رؤاه ، و حاول تناسيها ، رغم أن شيئا داخليا ، يصر على أن والده لا يمكن أن يكون على خير ، و أن شيئا ما يدور في كواليس بلاده ، يمنعونه من معرفته ، و يحاولون منعه من الإقتراب منه كمريض بالجذام يخاف منه العدوى !

أحس كأن كل من يكلمه يعلم بمرض والده ، و كان يقرأ ذلك في عيون أقربائه في المانيا ، و حينما يسأل يكون الغموض سيد الموقف

في مرة كان مع أحدهم فقال له :

ـ يعقوب ، ألا تفكر في زيارة للبلد .؟

ــ أنا للتو هنا ، لم يمر على مجيئي 3 أشهر ، لماذا علي الزيارة ؟

ــ لا شيء ، ربما تريد أن ترى عائلتك ، هذا ما قصدته !

ــ نعم أريد فعلا أن أراهم ، غير أن علي الإستقرار أولا

ــ حسنا

ــ هل تخفي عني شيئا ما ؟ لا أظن أنك تستطيع أن تخفي عني شيئا ، و إلا لماذا تتحاشى النظر إلى عيوني !!

ــ لا شيء صدقني ، الأمر لا يدعو للقلق !

ــ إذا هناك شيء ، و إن لم يستدعي القلق !

ــ صدقني ، لا شيء لا شيء !

ــ حسنا

و الحق أن والدته أصدرت أوامرها بأن لا يعلم هو بما يحدث ، خوفا عليه من تأثير ذلك عليه ، و انتظرت حتى تحسنت حالة والده شيئا ما ، فاخبرته ذات يوم حين الهاتف

ــ السلام عليك يا أمي

ــ و عليكم السلام يا بني

ــ كيف حالك و حال الأسرة ! أين أبي ...

ــ الحمد لله الكل بخير ، أريد أن أخبرك بشيء ، غير أني أحب أن تتقبله بصدر رحب

ــ خيرا إن شاء الله ؟ ....

ــ والدك مريض بسرطان الرئة ، و أظن مرضه ، هو مرض موته إلا أن يتداركه الله برحمة ، و هو يود رؤيتك ، و يجب عليك القدوم من أجل وداعه الوداع الأخير ! كن صبورا يا بني ، قدر الله و ما شاء فعل !

ــ السجائر ؟

ــ نعم ، هذا قدر الله يا بني ، تداركه قبل أن يذهب !

ــ هل حالته سيئة إلى هذه الدرجة ؟

ــ كلا ، غير أن تجربتي في هذا المجال ، تجعلني أخمن أن مرحلته هذه هي مرحلة ما قبل النهاية ، فكل مرضى السرطان ، يظهر عليه تحسن ملحوظ بفعل الكيماويات حتى يخاله الكل معافى تماما ، غير أن المرض لا يزال يستشري في الجسد !

ــ حسنا هل يمكنني أن أكلمه ؟

ــ ليس الآن ، هو الآن يرتاح !

ــ كم له من الوقت بيننا ؟

ــ الأعمار و الأقدار بيد الله يا بني ، غير أن جسمه سيصمد لمدة عام و نصف عام على الأكثر ، اليوم لا يعرفه إلا الله تعالى ، غير أن الوصف العلمي لحالته هكذا يوصف

انحبست كلماته ، أحس بحرقة ، أحس بدوخة ،و شاهد كل شيء أمام عينيه ... طفولته ، شبابه ، لحظات وداعه ، ابتساماته معه ، كل شيء !

ــ حسنا سابحث عن طائرة ، و أخبرك بالموعد

ــ حسنا ، و نحن بانتظارك !

أقفل الهاتف ، و علم أخيرا معاني ما يراه في أحلامه ، و كان قدره أن يرجع بلاده لأول مرة منذ رحل عنها من أجل أن يكتب السطر الأخير في كتابه المشترك مع والده ، و يترك بعد ذلك كله ، كل شيء للمشيئة ، المهم أن مهمته التي من أجلها سيسافر كانت وداع والده ، وداعا لا لقاء بعده إلا في آخرة الرحمن ! آه يا مصطفى ، أهذا هو اللقاء الأخير ! كيف بالله عليه حبس دموعه في حضرته !

في الطائرة ، كانت ألمانيا تبتعد ، و هو يسد عينيه ، من فرط الألم ، و يتمنى لو أن كل شيء كان حلما ، و سيستفيق منه بعد قليل ، غير أن كل شيء كان واقعا ماديا ! ترجاها أرض المطار أن لا تبتعد ، ترجاها أن تلتصق بجلده ، فهو لا يقدر أن يلعب هذا الدور ، دور المودع الذي عليه ظبط كل شيء ، يودع أحب الناس إليه ، و هو لا يدري ، فوالده أخبر أن المرض زال عنه ، من أجل أن يرتاح ، و لم يعلم أنه مازال يلعب في جسده بشكل أكبر الآن !

استقبلته والدته ، و صديقه الحميم ، و في الطريق إلى المنزل ، حضراه نفسيا للتحول المهول الذي سيراه حقيقة على صورة والده ، دخل الباب ، و كان مصطفى ، يغتسل في الحمام ، خرج ، فرمقته عيناه ، و هرول إليه بدون وعي و ارتمى في حضنه ، عانقه ، و لولا خوفه على جرح صدره ، لكان ضمه أكثر و أكثر حتى تختنق أضلاعه

أين مصطفى الذي اعتاده ؟ أين والده ؟ هذه صورة مريضة من والده ، شعره تساقط كليا ، و أصبح كجثة تتحرك ، غير أنه متماسك ، روحه المعنوية عالية ، كذبوا عليك فقالوا أيها الحبيب ! كذبوا عليك أيها الحبيب ، فجعلوك معافا من مرض لا يرحم !

كانت الفرحة التي رآها في عينيه بسبب وصول ابنه البكر لا تقدر ، و لا يقدر الكاتب على وصفها ، كانت عيناه ، ترقصان ، تنشدان نشيد اللقيا ، فلذة كبده الآن بجانبه ن بعد أن فقد أكثر رئتيه !

خلال الأسبوعين الذان قضاهما بجانبه ، كان تعامله مع أباه يفوق الوصف ، كمن يستغل كل ثانية متبقية له في الحياة ، و هو يعلم أنه مغادرها ، و لولا خوفه على مشاعره لأخبره بالحقيقة ، غير أنه به رفق ! و كان يعقوب حين الليل ، و حين يخلو إلى نفسه يبكي بكاء شديدا ، يبكي الأحجار ، و كان لايستطيع أن يجلس مع والده لفترات طويلة ، لأنه لا يقدر أن يرى آلامه ، خاصة حينما تسوء حالاته ، و يتحول إلى كائن متألم ، فتبدأ الأنهار في الجريان ... يا رب أنا و لا انت يابا ، يا رب أنا و لا انت يا غالي ، يجعل يومي قبل يومك يابا ! يا رب اشفيه يا رب ! يا رب يا رب !

في إحدى الليالي ، كان يعقوب جالسا يتفكر ، و كان والداه بالغرفة المجاورة ، فسمع أباه يخاطب أمه ، بصوت خافت

ــ يا نزهة الزمان ، لماذا لا يأتي مهدي إلي يجالسني ، فأنا مشتاق إليه ، أنا أحبه أحبه ، لماذا لا يجلس معي ، هل ضايقته في شيء ؟

ــ كلا ، هو يحبك أيضا ، غير أنه لا يريد رؤيتك بهذه الحالة تتألم !

ــ الله يرضى عليه

و ناداه مصطفى ، مهدي ، مهدي ، تعال يا بني ، أنا اريد أن أجالسك !

ـ حاضر يا ابت ، سوف أنهي شيئا في يدي و آتي إليك

ــ لا تتأخر فأنا اريد النوم

ــ حاضر يابا

آه يا حبيب القلب لو تعلم كم أنا إليك أشتاق ، و كم أحب أن أجلس إليك غير أني لا أتحمل آلامك ، تخرج من فيك لتدخل قلبي سيوفا تقطع إربا ! تنهك قواي و شبابي آهاتك ، كما تنهك المطرقة الحجر الصلد ! يابا ، يابا ، لو تعلم أن علي أن أودعك وداعي الأخير ، لو كنت مكاني ، يا حبيب قلبي ، ما كنت تفعل يا حبيبي يا حبيبي !

و يذهب يعقوب إليه ، فيحدثه ، و يحدثه ، حتى تذهب عيناه إلى عالم النوم ، عله يرتاح قليلا من آلامه ، كم تمنى أن يدخل يديه في جسمه ، و يجذب المرض المستعصي من تلابيبه ، و يطرحه ارضا ، و يرجع الوجه المشرق الحبيب الجميل !

انقضت الأيام بسرعة البرق الخاطف ، و جاء وقت الوداع ، و انسكبت الدموع بحارا لا أنهارا ، و هو يشم حضن والده ، و يضمه إليه ، و يتشبث بتلابيبه ، خاصة أنه دخل إليه غرفة نومه ، و كانا وحيدين ، فبكى بكاء شديدا أبكى والده ....

ذهب في سفره ، و داخل الطائرة استرجع بعض قواه ، و كان كالنعامة تدفن رأسها في الرمال ، لعدم قدرتها مجابهة ما يحوم بها مهددا ، هكذا كانت حالته ، خال انه بابتعاده عن مسرح الأحداث ، سيكون بمنئى عن الألم الداخلي ، غير أن الوهم كان حليفه ...

خلال الأسبوعين الذان قضاهما برفقة عائلته ، كان الزوار يتوافدون على منزله من أجل الإطمئنان عليه ، و كان الترحاب ممزوجا بنظرات الإشفاق و الحنان ، و كانت رائحة الموت تشم في خطواتهم كما يشم النحل نسيم الربيع المقبل ، حتى كره البقاء في المنزل ، و كره نظراتهم المشفقة ، كأن أباه حتما سيموت ، و أن رحمة الله الواسعة لن تسعه و لا حول و لا قوة إلا بالله ، لم يستسلم هو لمخاوفه ، لم يستسلم لكون المرض ينهش لحم والده ، دون مقاومة أو علاج ، بل ظل طوال الوقت متشبثا برحمة الله تعالى ، رغم أن كل شيء ينذر ببدايات النهاية ، عن سن لا يتجاوز السادسة و الأربعين ! و كان يعلم معنى ذلك ، أشد العلم ، موت في سن السابعة و الأربعين ، يعني أنه سيحرم إلى الأبد في هذه الدنيا ، من شخص عزيز ، كان بالكاد يستعد للإستمتاع معه بحياة أفضل ، كباقي البشر ، كباقي الناس !

و كان والده ، في هيئته الجديدة ، بتساقط شعره ، و ضمور عينيه ، كأنما الموت رشه رشة ، رشة ، توحي إلى الناظر إليه أنه مقضي أمره ، إلى آخرة الرحمن ، كشجرة خريفية ، فقدت جل أوراقها ، و لم يتبقى في فروعها إلا قليل ، يستعد هو بدوره أن يترك مكانه لأوراق جديدة ! غير أن والدته ، آهرت أن تخبره أنه تعافى ، أو أنه في طريقه إلى المعافاة ، فقد كان لا ينام الليل من فرط ألمه الجسدي ، و الفكري ، ليس خوفا من الموت ، بل تفكيرا في أبنائه ، تفكيرا في تقصيره أمام رب العالمين طيلة سنين حياته ، فأخبر أنه على وشك المعافاة ، غير أن شيئا ما كان يخبر يعقوبا ، أن أباه ربما كان يساير أقاويل الناس له ، بل إنه كان يعلم أن أمره ربما في الغيب قد قضي !

و قد لاحظ ذلك في إقباله الشديد على الصلاة و القراءة و قراءة القرآن ، حتى أنه في أيامه الأخيرة كان لا ينام إلا و القرآن ينبعث من في المسجل نديا ، و حينما كان يعقوب يأتيه ، و يدخل غرفة نومه ، تلك الغرفة التي شهدت ولادته و ترعرعه ، يشم رائحة للموت نفاذة ، فكان لا يدخل الغرفة حتى يتوضئ ، لعلمه الشبه يقيني ، أنه سيكون في ضيافة ملائكة الرحمن ، تستعد حينما يأذن الرحمن ، أن تستل روح حبيبه المرحة الحلوة ، و التي ترجى الله دوما أن تكون طيبة !

خلال الأسبوعين كان لقاؤه مع الدكتور الذي يشرف على علاج والده ، أتاه عائدا في المنزل ، و أخبره بسوء حال والده ، و استفسره عن أشياء لم يكن يعلمها ، فعلمها له في وقت كان فيه أشد حاجة إلى خيط أمل يتعلق به ، نعم المرض مستوطن منذ مدة ليست بالقصيرة في جسم والده ، و كانت فترات السعال و الحمى التي كان هو و عائلته يحسبونها نزلات برد عادية ، مبشرات لقدومه ! لم يفاجأ إطلاقا بمرضه ، بل كان يعقوب ينتظره ، انتظار العدو لعدوه ، و كان يعلم أنه أخيرا سيحل ، إذا لم يستر الله جسد والده ، ضيفا ثقيلا ، غير مرغوب فيه ، غير أنه قدر الله ! حتى والدته التي كانت مساعدة طبيب مختصة ، و كانت تمر عليها حالات السرطان أكواما ، و تعلم من الأمر ما لا يعلم ، تشبثت بالأمل ، رغم علمها أن المرض في هذه المرحلة المتأخرة ، يعتبر موتا بطيئا ، يودي بصاحبه ببطئ و ألم شديدين إلى القبر ، حتى دعته إلى البحث في الأنترنت عن مرض والده ، فرمقها بعينين حزينتين ، كأنما يقول لها ، لماذا تهربين من الواقع !! و الواقع أن القريب من شخص مريض بالسرطان ، حتى و إن كان طبيبا مختصا في هذا المرض ، يحاول جهده و إمكانه أن يتناسى ما يعلمه ، و يتعلق برحمة الله التي تسمى في قاموس الطب معجزة ، و قد حصلت غير ما مرة ، غير أن نسبة حصولها ضئيلة ! ضئيلة ، غير أن رحمة الله واسعة !

كره منذ نعومة أظفاره السيجارة ، و تمنى من كل قلبه لو يقلع والده عنها ! الآن هو في مواجهة المرض ! كيف بالله تستحب هذه الخلايا أن تنقلب على هذا المخلوق الحبيب ، الصموت الباسم ، الذي رباه كما تربى البراعم في جوف ليل حقل ! ، كان هذا الشخص ، صموتا بكل ما في الكلمة من معنى ، ربى فيه حب رياضات الدفاع عن النفس ، و إنه ليتذكره حين صغره ، ذاك الحبيب ، الذي وشح نصف بدنه بحزام أسود في لعبة الجيدو ، و كان بالرغم من إدمانه على السجائر ، ذا بنية قوية جدا ، بل إن القابض على ذراعه مثلا ، ليخال أنه قابض على قبضة من إسمنت ! و أنه حينما كان يأتي من العمل ، يشرع في ملاعبتهم ، هو و إخوته ، و يحاولون ما أمكن أن يوثقوه و يمنعوا حركاته ، إلا أن جهودهم كانت سدى تذهب ، بين ضحكاتهم و ضحكاته ، و بريق أعينهم ، و بريق عينيه ، كان يحبهم حبا جما ، لا يطيق هو الكاتب له وصفا ، يحبهم و كفى ، حبا لا يقدر على الشعور به إلا أب مثله ، فالحب الأبوي يختلف من شخص إلى آخر ، يعلو و يخبو ، بقوة الأبوة داخله ! و كبر الإخوة ، و كبرت معهم تضحياته ، و آلام صدره التي أمراضا بسيطة هو خالها ، و عالجها كما يعالج الزكام ، تتكاثر فترة و تخبو أخرى ، مثل قطار ، لا يعلم المرء متى يأتيه !

أخبرته والدته ، أنه و في ذات ليل ، سألها ، أن هل رضي ؟ فأجابته بالإيجاب ، فقال لها :

ــ ذلك ما تمنيته ، فهو رأس مالنا

ــ لا تنسى أبناءك الأخر

ــ كلهم أحبابي ، غير أنه كرأس المال ، أما ترين أنه لم يقرب ابدا أصدقاء سوء ، و أن جل وقته يقضيه بين الكتب !

ــ الحمد لله ، كان أول فرحتنا ، أسال الله أن يستره

ــ اللهم آمين ، حبيب قلبي المهدي ...

استمع لها بعينين مغرورقتين ، و خرج إلى أصحابه !

حتى أصحابه الثلاثة الذين أحبهم ، و أحبوه أحس في عيونهم بإشفاق نحوه ، حبيب ، حبيب حب النسيم للورود ، و قد لاقى في أحضانهم الدفئ و المواساة التي بحث عنها ، كان زكريا ، هشام و أنيس ، أحبابه بعد عائلته و صديقه الحميم ، لم يكن في حياته كلها ، حتى هذه الأسطر يحبذ أن يكون له أصدقاء كثر ، ينتقي اصحابه كما ينتقي الأزهار يشمها ، لا يختار إلا الجميل منها و الطيب !

كان الموت يحيط به من كل ناحية ، و قد بدأه بضربة موجعة ، حينما أخذ روح صديقه الحبيب زكريا رحمه الله ، في حادث أليم ، و استطاع والده أن يذهب لعزائه ، و يبكي من أجل صاحب ابنه ...

ودعه صاحبه ووالدته ، و هو يوصيها بأبيه خيرا ... تحركت الطائرة ، حركة البسيط ، و ترجى الأرض كما ترجاها في ألمانيا ، أن تلتصق بجلده ، من أجل أن يوصل أباه إلى قبره ، غير أنه قدر الله ، لعله كان خيرا له أن لا يبقى بصحبة ألمه لفترة أطول ، لعله خيرا ، أن لا يرى حبيب عمره يموت بين يديه ...

وصل المطار ، خرج منه كهائم في دنيا لا يعرفها ، و هو يسترجع ما عاشه في بلده ، و دموع والده التي أغرقت خده قبل الذهاب ، كيف بالله كيف أحب أن يبكي والده ، أن يذهب بعيدا بعيدا ، في حين كان هو يرجوه أن ابق إلى جواري !

دخل منزله ، و استشعر برودة في أوصاله ، و دخل في نومة أوصلته إلى سراديب الفجر ، قام ، و لم يعد إلى نومه ، حتى التحق بعمله ، فكان رئيسه بانتظاره :

ــ كيف الحال يا يااكوب

ــ الحمد لله ، زرت والدي

ــ كيف حاله ؟

ــ مريض يا ديتمر ، إنه يموت !

ــ متأسف من أجلك يا يااكوب ، هل تريد المزيد من الراحة ؟

ــ كلا كلا ، شكرا لك ، لم ار فعلا في حياتي رئيسا للعمل مثلك ، أنت رجل رائع !

ــ هذا أقل ما يمكنني فعله ، أتمنى لو كان بإمكاني المساعدة في شفاء والدك ، و لكنه السرطان !

ــ نعم !

ــ لم لا نأتي به إلى هنا ؟ أظن الأطباء هنا في هذا الإختصاص أكثر براعة ، مع احترامي لبلدك !

ــ نعم معك حق ، و لكن أظن أن المسألة مقضية ، الإتيان به إلى ألمانيا زيادة في تعبه فقط ، أحبذ أن يموت في بلاده !

ــ متأسف حقا !

ــ المهم سأذهب للعمل !

ــ حسنا ، و إذا احتجت أي شيء ، فأنا في الخدمة

ــ شكرا لك يا ديتمر !

كان زملاؤه في العمل على اطلاع بخبر مرض والده ، فقللوا نسبيا من نوبات الضحك و السخرية ، مواساة له ، حتى أخبرهم أن عودوا لطبيعتكم ، فلا يجب عليهم تذكيره دائما بما يحدث ، حتى و إن كان ذلك لا يفارق عقله !

عاش خلال أشهر ، أقسى حالاته ، كان كأي إنسان دخل في دوامة إحباط لا متناهية ، كمتاهة سوداء لا يعرف داخلها لها مخرجا ، تجذبه أشواكها بقوة ، و ترجه على الأرض رجا عنيفا ، و لا يدري لها نهاية ، أصبح أكثر انطواءا على نفسه ، منغلقا ، لا يكلم أحدا إلا في نادر الأوقات !

في يوم من أواخر أيام شهر ابريل ، رن هاتفه ، و كان كلما رن الهاتف ينقبض قلبه ، خاصة إذا رأى معرف بلده الدولي ...

ــ السلام عليكم !

ـــ و عليكم السلام يا بني

ــ أهلا والدتي ، خيرا ، هل من جديد ؟

ــ يا بني ، والدك دخل في غيبوبته الأخيرة و أردت إخبارك ، و كان آخر شيء أراده قبل أن يغيب عن الوعي أن يراك !

كانت الرسائل في يديه أكواما ، فتركها على الأرض تسقط ، و اختنقت عبراته ...

ــ حسنا ، سأرى كيف يمكنني أن أجيئ

ــ لا بأس إذا كنت لا تستطيع !

ــ كلا ، سوف آتي ! هل حالته سيئة حد الغيبوبة !؟

ــ صمد جسمه العام و الشهرين ، ادع له أن يتداركه الله بقبض روحه يا بني !

ــ سيشفى بإذن الله يا والدتي ، رحمة الله واسعة !

ــ قضي الأمر يا مهدي ، والدك لا رجعة له إلا في آخرة الرحمن !

ــ حسنا سآتي غدا في أول طائرة بإذن الله ، قولي له أن ينتظر ، قولي له أن ينتظر !

أكمل عمله ، و لم يدر كيف ، و أسرع الخطى نحو المنزل ، و أعد حقيبته ، و ذهب إلى المطار ، و لحسن قدره وجد مقعدا في طائرة ، ذهب إلى أقرب مخدع هاتفي ، ركب رقم ديتمر ...

ــ أهلا ديتمر أنا يااكوب

ــ أهلا يااكوب

ــ أبي دخل في غيبوبة ، و يريدني أن اراه ، أعلم أنني ....

قاطعه ديتمر

ــ هذا أمر لا يستحق أن تهاتفني من أجله ، اذهب ، عندك أسبوع ، ثم ارجع ، سأتدبر أمر من يوصل رسائلك !

ــ لا أعرف كيف أشكرك !

ــ لا تشكرني ، أعلم الإحساس الذي أنت فيه الآن تسبح ، فأنا أيضا فقدت واالدي !

ــ حسنا ، القاك بعد أسبوع !

حطت الطائرة في مطار بلاده ساعة الغروب ، وكان في انتظاره أخوه الاصغر برفقة صديقة الأمين ، أوصلاه إلى المنزل ، دخل ، و كان يعقوب كث اللحية ، تكاد تضرب إلى عنقه ، فوجد في انتظاره أمه ، و جدته لأمه ، و خالاته ، و أخته ، سلم ، و دموعه في عيونه ، و قصد غرفة نوم والده ، ترك كل شيء ، و قصد غرفته ، دخل الباب ، و احتضنه ، فكان كدمية ، كجثة ، مرمية هي على هذا الفراش ، لا يقوى حراكا و لا كلاما ، مغمى عليه ، لا يبقيه على قيد حياة إلا النفس

رباه ، أيها الجميل افتح عينيك ، عاد إليك شعرك ، عدت كما كنت قبلا ، جميل أنت ، لا يزال شعرك الأسود يزين صفحة وجهك ، جميل أنت ، غير أن المرض قضى عليك ، أجبني بالله عليك ، ضمه إليه ، هزه برفق ، هزة خفيفة ، فتح مصطفى عينيه ، فلم يصدق يعقوب ، بادره بالسؤال :

ــ عرفتني ، ابي ، عرفتني ؟ ، أنا مهدي ، أنا مهدي ، أنا جئت ، أتيت إليك ، ها أنذا أتيت ، كما طلبت أيها الحبيب ، ها أنذا أمامك يا حبيبي ، انظر إلي ، انظر إلى لحيتي ، كم هي جميلة ، أليس كذلك ؟ كان يكلم نفسه ، كأحمق ، كمعتوه ، يتكلم بدون انتظار الإجابة ، يتكلم و دمعه يتطاير

لم يجب ، غير أنه ابتسم ، ابتسامة شاحبة ، ابتسم ابتسامة أحيت فيه روحه ، هل عرفه ؟ هل أدركه ؟ ابتسم ، ثم ذهب في غيبوبته مرة أخرى ، ربتت والدته على كتفه ، أن اخرج ، فخرج يبكي ، و كان كل من دخل تلك الغرفة ، يخرج أحمر العينين ، و كان عمه ، ياتي ، و يدخل إلى غرفته ن فيبكي ، و يبكي حتى يستنفذ البكاء ، و هكذا حاله كل يوم !

مر الأسبوع ، برقا ، و في كل يوم كان يحاول إيقاظه ، و كان يتلو عليه القرآن فيفتح عينيه ، و يبتسم له ، غير أنه لا يتكلم ، غير أنه لا ينطق ، و كان صوته حين يتلو آيات الله يمتزج بالبكاء فيغمض عينيه خوفا عليه أن يبصر دموعه ! هو الذي حارب كل حياته من أجل أن يراها ، أيريها له الآن و هو طريح الموت ؟

يوم قبل الرحيل ، بدأت غرغرته ! بدأت غرغرته ، غائبا عن الوعي كان ، لم يتحمل ذلك الصوت ، لم يتحمل أن يسمع آخر أصوات أبيه في الدنيا ، و الحقيقة أنه كان يسال الله أن يقبضه في ذلك اليوم ، رغم صعوبة ذلك عليه ! كان يحس بكبده يجثت من داخل أحشائه ، كم هو صعب ذلك الإحساس ، أن تقف عاجزا عن فعل شيء لأعز إنسان لك في الدنيا و أنت عليه الآن تتفرج ، غرغرة شديدة ! علم بينه و بين نفسه أنها بداية النهاية ، تنذره بقرب زيرة الموت أخيرا لمنزله ، يختطف معيله ، فبدأ بترديد الشهادة عليه ، بشكل عفوي ، تاليا ما جاد الله به عليه في تلك الساعة من الآيات و الأذكار ، و كان يدعو الله أن يخفف على حبيبه سكرات الموت ، و أن يثبته ، و أصبح فيما بينه و بين نفسه ، يتوسل الله ، و يحاوره ، آرب ، لقد كان نعم الأب فارحمه ، آرب ، لقد كان حبيبا ، فهون عليه ، آ رب ، غني أنت عن عذابه فلا تعذبه ، لا تحرق خلقه بالنار و لا تهوله في قبره ، و نوره ، و اءته ما ينقذه من سخطك !

ــ تعال يا مهدي ، ساعدني أن نمده باتجاه القبلة ! قالت أمه

ــ عذرا ، لا يمكنني ذلك ، فيداي ترتعشان ، حسنا هيا

حملاه ، و قبلاه ، و تلا ما تيسر ، في الصباح تحسن حاله شيئا ما ، ذهبت الغرغرة ، و حمد الله أنها لم تكن غرغرة الموت ! قبله ، بسرعة ، و ضمه ، و شمه ، و ودعه ، و علم أنه وداعه الأخير ، و طلب منه أن يدعو له ، حتى و إن كان غائبا عن الوعي ، فشيء ما في صدره يخبره أنه كان في الإستماع إليه ! علم بشيء من التأكيد أنه كان الوداع الأخير ، و أن الله تعالى ربما يعاقبه ، أنه عق والده حينما طلب منه يوما قبل سفره أن لا يسافر إلى ألمانيا ، و أن يبقى إلى جانبه ، غير أنه ألح في ذهابه ، فما كان من مصطفى إلا أن دعى له بالتوفيق ، و رضى عليه ، و كان ذلك ما يطمئنه ! كان شبه متأكد أن الله سيعاقبه ، بأن يحرمه من دفن والده ...

في الطريق إلى المطار ، تمنى لو أن كانت له القدرة على البقاء إلى جانب والده ، تمنى بينه و بين نفسه ، لو تكون يديه آخر شيء يفارقه جسد والده من الدنيا ، و يتلو على قبره القرآن و يدعو له بالثباث ، و كان كلما اقتربت السيارة من المطار ، كلما أحس بجزء منه ، من ذاته يفنى ، و يتبخر ، أحس بكل ذكرياته ، و كل طفولته تنهار ، و تندثر ...

وداعا أيها الحبيب ، وداعا ، في آخرة الرحمن ، عند مليك مقتدر ، في مقعد صدق ...

حين وصل إلى ألمانيا ، و بعد أسبوع من ترقب هاتفه ، رن هذا الأخير أخيرا

ــ السلام عليكم

ــ و عليكم السلام يا مهدي

ـــ خيرا يا أمي

ــ أبوك استفاق ، و يطلب أن يكلمك !

ــ يا ربي ، صليني به ارجوك !

ــ حسنا

ــ أبي ، أبي هل تسمعني يا حبيبي ؟

سمع صوتا ضعيفا يجيبه

ــ نعم

ــ كيف حالك أيها الغالي ؟

ــ الحمد لله ، أنا بخير ،

ــ الحمد لله و الشكر

ــ اسمع يا مهدي ، أريدك أن تدعو لي بالمغفرة ...

قاطعه يعقوب

ــ كلا ، اصمت ايها الحبيب ، لا تكمل ، لا تكمل ، بل انت ادع لي

ــ لا تقاطعني ، اسمعني ، ادع لي الآن ، أريدك أن تكون رجلا ، و أن تهتم بأمك و إخوتك ، أنت كبير الأسرة الآن ، سأذهب بعد أيام إلى القبر ادع لي !

اختلجت أحرفه ، و انحبس صوته ، فرد قائلا

ــ أسال الله أن يغفر لي تقصيري نحوك !

ــ ادع لي ! ادع لي ، فأنت مهدي ، و تصلي ، و أتمنى من الله أن يكون دعاءك مستجابا

ــ اسال الله أن يرحمك

ــ آمين ، آمين ، المزيد ، ادع لي

ــ أسال الله لك الجنة

ــ آمين آمين ، لا تخف يا يعقوب ، فالحمد لله ، أحب ربي ، و ظني به أن لا يعذبني ، فهل تراه يعذب من أحبه ؟

ــ لا و الله ، لا و الله ، لا و الله لا يعذب الكريم من أحبه ، كريم هو ربي كريم حبيبي كريم ، لا يعذب من أحبه !

ــ كن رجلا ، ألقاك في ملكوت الله و أرجو أن تلحق بي مؤمنا ، دينك دينك دينك !

رد عليه منتحبا ، أن كفى يا أبي لا ترهق نفسك ، انتحب وسط الشارع ، غير مبال بأحد ، فأجابه

ــ بسلامة وليدي توحشتك

و لم يزد على هذه الكلمة شيئا ، و دخل في غيبوبته ، و دخل هو في بكااء مرير ، في وسط الشارع ، حتى أحس بروحه تفارق قلبه ...



   نشر في 19 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا