منسي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

منسي

قصة قصيرة

  نشر في 29 يوليوز 2016 .

ياجبل الي البعيد

خلفك حبايبنا

ومروج متل العيد

وهمك متعبنا..

أسمعه كل صباح يغنيها موالًا بصوته الشجيّ، فتدمع عيناي، لكن لست أدري أكان بكائي عليه، أم على من سكنوا خلف الجبل البعيد؟ ولم أكن أطيل التفكير، فأغنيها معه رغم سوء صوتي الذي كان ينهيها بضحكات عجوزين ترافقا دون موعد، فصار الرابط بينهما روحيٌّ، أكثر منه مكانيّ.

حدثني عن أيام كان فيها كما عنترة، يغزو بسيفه دون خوف، بل يحمل بين أضلاعه قلب أسد تهابه الذئاب، وتحسب لزئيره الضباع ألف حساب. فأما عنترة؛ فقد ابتلعته الصحراء غدراً، وصاحبي ابتلعه المنفى ظلمًا وبهتان، حين سجله أبناء عمومته خطرًا، بينما سجله العدو على قائمة الإعدام، فكان اعدام الروح أشد قسوة من اعدام الجسد.

حدثني يوم ساقوه لمنفاه باحثًا عن صوت عشيرته تندد بالاعتقال، ولم تجبه سوى جدران زنزانته: بأنك الآن وحيد دون خلان، فالخوف من بطش الأنظمة، يشبه يوم الحساب، ينادى فيه: "نفسي، نفسي، ومن بعدي الطوفان".

ساقوه وحيدًا، كما عاش بين الجبال وحيدًا إلا من صحبة بندقيته القديمة، ففقدها الآن تاركًا معها ذراعه قربانًا لأرض وسماء، علم فيما بعد أن من سكنوها، ماكانوا إلا أغراب. ودعه صغيرًا ما تعلم بعد نطق كلمة (بابا)، تركه هناك خلف الجبل البعيد، ينام ويأكل ويكبر في أحضان من سلبوه العيش لحظات خطواته الأولى، ومتعة إلقاء أول سنٍّ للشمس، طالبًا منها أن تبدله بأخرى من ذهب، لم يعش تلك اللحظات إلا في مخيلته، ترسمها له بضع كلمات في رسائل حملها ساعي البريد متثاقلًا، أو ربما هي من أثقلته بحمل همومها، ودموع من كتبوها.

بات صاحبي ليله يقلب أوراقها كجائع يستجدي اللقمة، فكانت في كل مرة تزيده جوعًا، وشوقًا، وغربة، حاول تناسي منفاه والتأقلم معه، أن يعقد صلحًا مع جدران بيته الذي كساه الصقيع حتى في حرّ آب العنيد، لكن؛ كيف لمن شب بين الدحنون وأشجار الزيتون واللوز، أن يعيش في تلك الصناديق المغلقة، ورغم كل ذاك؛ ما نسي يومًا أن يركع لرب السماء طالبًا عدله. غزا الشيب رأسه ومازال ينتظر يوم العودة، كبر صغيره وصار رجلًا يحلم بأن يشق دربه في بلاد ما وراء البحر، وكان هو وأوراق منفاه جواز العبور.

أتدرين فيروز؟ هنالك سؤال ظل يراودني طوال سنيّ رفقتي له، أي نبت سيكون ذلك الصغير الذي ترعرع في أحضان أنظمة الظلم والضلال؟ هل حقًا سيكون يومًا من سيمسح دمعه، أم أنه سيكون هو دمعه. لم أجرؤ يومًا على النظر في عينيه حين يحدثني عنه، خشية أن يلمح شيئًا من تساؤلاتي وحيرتي.

مازالت الأيام تمضي، وصاحبي يعيش على رائحة الرسائل وأصوات من يسكنون خلف الجبل البعيد عبر أسلاك الهاتف العجوز، لكنه عاد ذات يوم حاملًا جهاز حاسوب، يصحبه شاب في مقتبل العمر، سعادة كسعادة الأطفال بقدوم العيد اعترته، بل كسعادة احتضان أمٍ لغائب أخبروها أنه لن يعود. أخبرني أنه الآن سيعيش معهم كأنه بينهم، سيعيش تفاصيلهم ويعيشوه، لكن الغصة بداخلي كبرت، وأنا أراه يغرق في أحلامه أكثر فأكثر، ورغم ذلك شاركته فرحه، وصفقت له انتشاءً، فربما، بل دعوت في سري أن تكون ظنوني خائبة.

صار يقضي جُلّ يومه أمام الشاشة الخرساء، بانتظار ظهور الضوء الأخضر، معلنًا حضورهم، فيلهث خلف حروفهم، يستنشق أنفاسهم، ويقبل ضحكاتهم الالكترونية، وحين يختفي الضوء، تختفي ملامح الحياة فيه ليعود إلى منفاه وحيدًا، إلا مني.

وصلت الثورة الحمقاء التي اجتاحت العالم إلى منفاه، فزادته ظلامًا على ظلام، انشغل حبيبه عنه بكل الأشياء حوله، فصار هامشًا يزوره كلما قرصته الحاجة، لتزداد الغصة في قلبه، الذي أتعبه الغياب، وأبخرة الدخان المتصاعد من الأرض الرمادية التي سكنها، تحت قصف صار جزءًا منها، نفتقده إن توقف لحظة، ربما خوفًا من قصف أشد، وربما خوفًا من أن نصدق الهدنة، فنعيش حلم السلام الذي هرب منذ زمن؛ من جديد.

صار يكتب، ويكتب، على حائطه الالكتروني، عن ظلمة أيامه، فأبكيه وأبكيني، لكن تغيرًا لفت نظري، فقد تحولت بعض حروفه لقصائد في العشق، بدأت أراقبه في صمت كل مرة، من خلف أوراق جريدتي، كما كان يفعل المخبرون في الأفلام القديمة، فأرى قلبه المتعب يحلق، محاولًا الوصول لمن يقيم خلف الشاشة الصغيرة، ومع مضي الأيام أدركت أنها تقيم، لا يقيم.

أسعدتني سعادته، حاولت التلصص علني أعرف عنها شيئًا، باغته بأسئلة صريحة، وأخرى احتيالية، لكنني نسيت بأنه كان فدائيًا، والفدائي أكثر البشر قدرة على اخفاء مابداخله، وكانت هي تسكن داخله، فأدركت بأني لن أنول مرادي إلا إن قرر أن يفتح هو لي قلبه، فاكتفيت برؤية السعادة في عينيه، كلما جلس إلى الشاشة الزرقاء.

كأنه المنفى يأبى أن نتنفس، أن نرى النور، وأن نعيش، ففيه نصاب بالرهبة من كل شيء، نصاب بداء الريبة، والخوف من الفقد، مرض عضال أشد فتكًا من مرض السرطان، لكن تشابهًا كبيرًا بينهما كنت أراه ولم أكن أستطيع الحديث عنه، بأن كلاهما يتسلل خفية، فينخر أحدهما الروح، والآخر يغزو الجسد، ليعيش المصاب أيامه القادمة ضحية نوبات ألم تزداد ليلًا، كما هي عادة الأمراض تنشط مع حلول العتمة.

صرت أرى صاحبي متقلباً كما فصول السنة، فأعرف كيف حاله معها، تلك التي سماها على حائطه يوما ( الملائكية). فعلمت أنه يغرق في حلم جديد، وداخلني أنا حزن جديد.

"سأغادر منفاي غدًا، صك حريتي في الطريق، سأحلق إليها ونرحل بعيدًا إلى بلاد الحلم" جاءني صارخًا بتلك الكلمات، يتراقص كزوربا اليوناني، لم أعقب سوى بابتسامة صفراء لم أستطع تلوينها هذه المرة، ثم عاد بعد أيام يترنح كسكيرٍ، شرب حتى تهاوى جسده بعد أن حطم كل ما طالته يديه، صارخًا: "كلهم كاذبون، كلهم لهم حياة وأنا مدفون بين الجدران وحيد". أسندته إلى كتفي لسريره المتهاوي حزنًا على حاله، وحطمت أنا جهاز حاسوبه الصغير . منتظرًا أن يصحو مثلي بلا انتظارات ولا أجنحة تحلق لدنيا الحلم، رثيت لحاله وحال من سكنوا خلف الجبل البعيد، ولحال تلك الملائكية التي أضعتها يومًا حين أصابني المنفى بداء الشك البغيض، فعشت أيامي القادمة وحيدًا إلا منه، وصاحبي الذي يعيش الآن قصتي القديمة، أدعو له في ليلي بالشفاء، خوفًا على قلبه المتعب الرقيق...


  • 1

   نشر في 29 يوليوز 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا