أرشيف - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أرشيف

(قصة قصيرة)

  نشر في 20 فبراير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

أوشكت على إتمام عامى الستين فى هذا الكون ، أكانت حياتى بائسة أم سعيدة ؟ كانت مزيجا بين هذا وذاك ، لكن الجزء البائس طغى على السعيد حتى نسيتُ معنى ومسببات السعادة ، أفنيتُ حياتى فى هذا المكان الخانق الذى لايدركه الضوء ، أزيل الغبار القابع على تلك الكتل الورقية التى نادرا مايرجع إليها أحد من العاملين ، ألبي احتياجاتهم من المأكولات والمشروبات ، أضعت الساعات والأيام والسنين فى هذه الترهات ، ظننت فى بداية عملى فى أرشيف تلك الصحيفة بأنها وظيفة ذات أهمية عظمى ، فهى مخزن المعلومات والأسرار للمؤسسة ، هى الكنز العلمى الذى لايقدر بثمن ، أو هكذا أقنعونى ، وكنت ساذجا لأقصى الدرجات فى الإيمان بحديثهم ، وكيف لا أكون ساذجا ؟ فأنا عديم الثقافة خريج المعهد الصناعى ، الذى يتساوى مع الأمىّ ( فى وطننا ) ، تشبثت بأول فرصة للعمل ، حتى أستطع التقدم لخطبة الفتاة التى أحببتها مذ رأيتها للمرة الأولى فى المعهد ، وأشهد الله بأنها كانت العامل الأساسي فى الجزء السعيد من حياتى ، لكنها كانت كذلك العامل الأكبر فى تعاستي عندما تركتني وحيدا ورحلت نتيجة إصابتها بمرض لعين ، ذهبت منذ مايقارب الثلاثة أعوام ، لم يرزقنا الله بأبناء ، وأحمده كثيرا على ذلك ، فراتبي كان بالكاد يكفيني وزوجتي ، ماذا كنت سأفعل إذا مرضوا ؟ إذا طلبوا شيئا لابد منه ؟ كيف كنت سأعلّمهم ؟

استفاق الرجل من غفلته المؤقتة التى تذكر فيها أبرز لقطات حياته ، عدّل من جلسته على أرضية المكان الذى أعطاه كل مايملك وهو عُمره ، وها قد أوشكت النهاية ، يتبقى له عام واحد على الإحالة للمعاش ، لكنه لن يكمله .

فليلعن الله تلك الاقتصاديات الرأسمالية التى تحطّم البشر قبل المؤسسات ، فببضع ملايين من الجنيهات يمكن شراء وطن من خلال السيطرة على مؤسساته ومبانيه ، كيف يمكن للمسئولين بيع مبني عريق كمبنى هذه الصحيفة وتسريح العاملين به دون مقابل ؟ تلك الصحيفة الشاهدة على تاريخ مصر الحديث التى لطالما قاومت النظم المستبدة ، وساهمت فى طرد الاستعمار . أهو الاستعمار مرة أخرى ؟ ولكن فى شكله الاقتصادى ؟!

يقومون بإغلاق الصحيفة مقابل حفنة ملايين من الجنيهات نظير بيع مبناها المطل على نهر النيل تمهيدا لتحويله إلى فندق من فئة الخمس نجوم ، مبررين ذلك بتوقف الصحيفة عن الصدور ورقيا وتوقف الناس عن شرائها ، وعدم القدرة على دفع مرتبات العاملين بها .

تقارب حياتى الأرشيف إلى حد كبير،متداخلة مثل المحفوظات به لاتجد من يفض تشابكها. فنادرا مايهتم أحد لها، أو يلقِ لها بالا، أحفظ أسرار الجميع، وبى مايكفيني ولا أجد من يسمع لى، ينظرون إلىّ كنكرة محتقَرة لكنها هامة . تتراكم علىّ الصعاب التى تثقل كاهلى، ووواجبي الاستمرار فى تأدية روتيني اليومي.

تم تجريد المكان من كافة محتوياته ، ويجري الإعداد لهدمه تدريجيا ، يفترض بي أن أنهض وأنفض عني أحلامي ، وأذهب إلى منزلي فى الحى العشوائي الفلاني ، لأكمل طريق تعاستي .

ماذا عساى أن أفعل ؟ لمن أذهب ؟ لمن أكمل الحياة ؟ لماذا تجلّدت طوال الثلاث سنوات الأتعس بحياتي ؟ لا أهل ، لا هدف ، لا داع للعيش ، "لا ، لن أذهب ، سأظل فى المبني حتى يُهدم ، سأشهد على انهيار المبني ، وانهيار التاريخ ، وحياتى " .

صعد الرجل الستيني إلى قمة المبني ، ألقى نظرة أخيرة على منظر النيل المبهج ، لم يكن له فى ذلك الكون سواه وزوجته ، يشكو إليهم آلامه ، يخبرهم فى نهاية يومه بما أسعده ، وما أحزنه ، بأحلامه ، بما عاش لأجله ، وتمنى تطويره . وأسفل العقار وجد معدات الهدم تستعد لبدء عملها . "أشرفت على لقاء ربي ، أتمنى أن يغفر لي ، وألا يعتبر ما سأفعله انتحارا ، وأن أري زوجتى على خير ، فاللهم أبدلنا تعاستنا فى الدنيا سعادة فى الآخرة " ..........


  • 1

  • محمد الشامى
    طالب بكلية الإعلام . أتفوه بين الحين والآخر ببضع كلمات أحوّلها لكتابات
   نشر في 20 فبراير 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا