مذكرات جُنيه - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مذكرات جُنيه

بطل من ورق

  نشر في 01 فبراير 2019 .

"انقضى اليوم؛ ها هو ظلام الليل قد عمّ بعدما بُسِط بملكوته على المكان بالخارج، ولا جدوى لك في ذلك؛ ماذا ستجدي عباءة الليل لسجينٍ نسيه سجّانه؟

أتذكر كيف كنت قبل أن تلتهمك اللعنات؟ أتذكر هيبتك؟ وقارك؟ الاحترام الذي كان يُكنّه لك الجميع؟ تعلّق الأطفال بك وشغفهم لوجودك؟ الآن تناسوك؛ لا أظنّهم صغاراً كما كانوا، ربما كبروا ويعولون؛ لكن صغارهم بلا شغف للقاك.".

بكلماتي تلك كنت أحدث نفسي بينما أستلقي بحصّالة أحدهم منهكاً خالي الوفاض بعدما لاقيت العناء كله بين الأيادي قبل أن أصل إلى هنا.

لسوء الحظّ كنت وحيداً في انتظار أن يرافقني أيّ ممن اعتدت مصاحبتهم في الحصالات من قبل، أو أن يَسأم مُدّخري من فكرته التي فشل في تنفيذها في كل الأوقات.

كان شروق الشمس كغروبها؛ الأمر الذي ينتهي بظلام، ظَلمة السجن بعد كلّ شروق وظَلمة الليل والسجن بعد كلّ غروب.

كانت الليلة هي العاشرة لي بمحبسي هذا بعدما اتخذ (مهنّد) قراره الذكي- على حد اعتباره- بأن يدّخر جنيهاته كلها بدءاً مني بعد أن فشل في إنفاقي كوني ذابلاً فاقداً لما تحتويه النقود على شاكلتي من بهجة، ناهيك عن كوني مجرد (جنيه) بلا قيمة كما يزعم الباعة السفهاء؛ ربما لو تذكروا ما كنته لأظهروا تجاهي الاحترام كله.

منذ أمدٍ بعيدٍ لم تلحفني نيران الاحترام من أحد؛ ناهيك عن ذبولي الذي جاء في وقتٍ متأخرٍ ونضارتي التي فقدتها بمرور الأيام، لم يكن مهنّد شغوفاً بي ولا محافظاً على بقاءي بداعي الإخلاص؛ لا شك أنه لو كان قد وجد الفرصة لاستبدالي بقطعةٍ من الحلوى مثلاً لانتهزها.

كعادة تسع ليالٍ مضت جالست الذكريات، بطبيعة الحال كل أوقات النقود ليل؛ غير أن ليلكم يداعبه قمر يبعثر أضواءه لينير الموجودات، بينما ليل النقود يعاني التوحّد أو ربما يواعد الإسوداد.

كانت الذكريات عادة ما تُحلّق بالأرجاء؛ تنبثق عبر فتحة الحصّالة وتُطلق أجنحتها للريح مبتعدة وهي تقذف اللعنات على نوائب الدنيا ومن ثمّ تعود لتجالسني كيفما كانت.

في ليلتنا تلك هجرتني الذكريات مودّعة إيّاي ومضت لتسطّر الأوراق تلك على أن تزورني من آنٍ لآخر كما عاهدتني؛ بينما مكثتُ جثماناً بلا روحٍ كما لو قتلت مدافعاً عن المال، ولتطمئن أفئدة الأقدارِ إن سخرت كنت المال.

من يدٍ فظّة تكسوها الشقوق لأخرى رخوة تكسو أظافرها طلاءاتٌ قرمزية لثالثةٍ طفولية تكسوها البراءة كنت أرتحل، ومن خزائن الأثرياء لأدراج باعةٍ فقراء لجيوبٍ مفخخةٍ برائحة غازات البطون والمؤخرات كنت أقضي الليل، ومن دواء مرضى القلب لعيدية الأطفال للا شئ كانت قيمتي، هكذا عاهدت حياتي راضياً منذ البداية.

كانت زياراتي للحصّالات على فتراتٍ لاألبث فيها الكثير؛ فيما عدا حصالة (سخاوي) الذي لا يتّصف بأيّ نوعٍ من السخاء، كان (سخاوي) مريضاً بالكبد والسكر والبخل؛ أصابته البلهارسيا بالكبد، وعن طريق الوراثة أُصيب بالبخل، ولولا الزمالك لما مرِِضَ بالسكر.

عوّده أبوه في طفولته على أن يكنز أكثر مما ينفق؛ أكثر مما يجني، أكثر مما يأكل وربما أكثر مما يتنفس، علّمه أن المجد للبخل وأن الإنفاق في حد ذاته مُقتٌ وطوبى لمن تعلّم الإدّخار.

كنت حينها ناشئاً لا أعي عن دُنيانا الكثير، لبثتُ بحصّالته أعواماً- على حدّ تقديري- ظننت فيها أنّ الجنيهات لم تُخلق إلا لتُكنز؛ وأن هذا العالم أكثر قسوة من أن يمنحك الحرية التي ترتحل على أثرها كيفما شئت.

فاجئني بإطلاق سراحي ذات يومٍ بعدما بلغتُ أشُدّي بقليلٍ؛ أذكر أنه حررني أنا والرفاق لشراء ذهبٍ يستثمر فيه أمواله لطالما تزداد قيمته يوماً بعد يومٍ بدلاً منّا، همّ بفتح حصالته ومن ثمّ أفرغها بنشوةٍ كما لو كانت مثانته وانطلق تجاه أحد الصائغين ليشتري بنا جرامات الذهب- فك الله أسرها- .. هكذا تحررت أنا ومن رافقوني بحصّالة سخاوي ومضينا في استقبال حياةٍ جديدة.

من يد الصائغ- لن أذكر اسمه حتى لا تضلّ الطريق بكثرة الأسماء- إلى يد بائع المخدرات مع قليل ممن رافقوني رحلْت، كانت صدمتي هنا أفجع باعتباري أؤمن بقيمتي التي وُجِدتُ من أجلها أكثر مما ينبغي، لم أكن على درايةٍ بأنني معرّضٌ لملاقاة مثل هؤلاء، ناهيك عن امتعاضي لما فعله الصائغ؛ صحيح لم أمض ساعاتٍ في حيزته إلا وتحررت لكن هذا لن يطري أبداً من فعلته تلك، ليكن .. شخصٌ جديدٌ امتلكني وعلىّ مواكبة لحظاته.

كان (شوقي)- تاجر المخدرات- قد اشتهر في الأوساط بـ (شوقي اسكوبار) من وفرة فُحشه، رافقته في ليلةٍ قارسة البرودة وهو يتحسس الدفء على أبخرة الحشيش في أُمسية (سلطنة) مع أقرانه، قادت أُمسيتهم تلك (شيشة) ملغّمة بالحشيش مرّت تباعاً على أفواههم في نظامٍ مُحكمٍ؛ بيدَ أن للصمت سطوة على ألسنتهم التي أشغلتها رقائق البفرة بالترطيب.

كان ذلك الصمت فصيحاً أكثر مما يُعتقد، أيّ صمتٍ ذاك الذي يجعلهم يُطلقون القهقهات سوياً من حينٍ لآخر دون أن يتفوّه أيّهم بكلمة؟

سادت السلطنة أمسيتهم، كان شوقي (مستمخاً) عن آخره؛ وعليه نادى بعضاً من فتياته اللاتي اعتدن العمل معه لجلب أرزاقهنّ ليجالسنه وأتباعه.

أدارت إحداهنّ نغمات الموسيقى الشرقية التي عليها أطلقت العنان لردفيها واهتزت راقصةً متوّهجةً، في الحين الذي جاورنَ فيه شوقي اثنتين ممن تزعّم الإستيروجين مُمتلكاتهنّ؛ بينما وزعن البقية أنفسهنّ بعشوائية على الرجال- إن افترضناهم كذلك- وشرعن في استثارة مكنوناتهم بطُرقٍ يألفها الجميع، كنت أندب حظي مستغفراً في لومٍ كوني تمنيت الخلاص من حصّالة سخاوي؛ ليتني أدركت أن المروءة أسمى من التبذير وأن البخل أجلّ من الوضاعة، ليكن العبث كما شاءوا ولتكوننّ ساعة البغاء هي أسوأ ما حييت.

انتهوا جميعاً من امتحان الشيطان لمن يريد البرّ في الحُطمة، بعدها استعادوا وعيهم الذي التهمته أبخرة الفسق في نَهَمٍ وباتوا يبغضون تفوقهم، هنا حدثتهم ضمائرهم عن التصدّق بداعي التوبة لربّما يولَجون في النعيم؛ وأجابوها بالسكوت راضين، هكذا فارقتُ شوقي في ابتهاجٍ مودعاً مُجونه الذي سايرته.

اكتسوتُ رداء الصدقة؛ وبتّ أمضي في طريق الفقر ساعياً في إسعاد المعسرين، كان سخاؤهم يروق لي؛ تنقلتُ بين أياديهم في تناوبٍ، فمن يد فقيرٍ أصابه الكربُ لأيادي الكادحين كنت أنتقل؛ وبدلاً من أن أسعدهم أغبطوني فرحاً.

كان سرور الكون كلّه يغمرني كلّما لامستُ ناصية كادحٍ ينعم بالرضا بعد أن يُقبّلني فور أن أصل يده، على الأرجح أن الكادحين كلهم ينعمون بالرضا رغم حياتهم المليئة بالشقاء؛ إلا أنهم يأملون أن تمتلئ أبديتهم بالسعادة.

كانت أيام سعادتي دقائق بينما أيام شقائهم دهور، وفي دهورهم تلك كنت أتحسس عرق مشقّتهم لأغتسل، لم يكن عرقهم هذا عرقاً فحسب؛ بل كان عِطراً لا يقدر على ثمنه الأثرياء.

على حين غفلةٍ منّي شرعتُ في الذبولِ وفقدان النُضرة، قوبلت باستياءِ الكثيرين في بادئ الأمر حتى اكتمل ذبولي فقوبلتُ باستياءِ الجميع، ربما ذبُلت لهيامي بعرق مشقّتهم أو لكثرة بُكاءي على فقرهم، المهم أنني ذبُلت ولم أعُد صالحاً للتداول أو حتى للتذكار.

كان السيد (حُسين) هو آخر رجلٍ عانقت يده؛ كادحاً متوسط الحال، نظر إليّ في لطفٍ مستشعراً قيمتي ثم نادى طفله (مهنّد) ومنحه إيّاي كعلاٍوة استثنائية على مصروفه، لم يلبث مهنّد لكثيرٍ من الوقت حتى انطلق تجاه الباعة كلهم لشراء ما اعتاده الأطفال في سنّه؛ قوبلت برفضِ الجميع وبات مهنّد مستسلماً مصدّقاً على كلماتهم التي وصفتني بالذابل فاقد البهجة.

عاد لمنزله؛ واتخذ قراره بادّخار أمواله كلها بدءا من اليوم، كان قاسي النظرات باردها؛ رمقني بما لا أستحق من الإحتقار ومن ثمّ أولجني بحصّالته القديمة فارغة النقود إيلاج المنتقمين، وفي اليوم التالي تناسى الأمر وتركني أجالس ذكرياتي آملاً في أن يطرق الفقر أبواب أهله فيلجأوا لإعتاقي ثانية وأستردّ سعادتي.

مرّت ليلةٌ وأخرى ثم التي تليها حتى سئِمتْ ذكرياتي منّي وتركتني وحيداً ألتحف الظلام في ليلة السجن العاشرة، سُجنت في عديدٍ من المرات لكنني في كل مرة كنت أشبع نفسي بآمال الخلاص وبعدها يُطلَق سراحي، عدا تلك المرّة؛ ضاعت قيمتي بين الكثير من العملات ولم أعد أعني شيئاً لمالكي.

ها هي نوائب الدنيا قد دارت؛ فبدلاً من أظلّ سيداً كما اعتدت صرتُ متهدّماً بلا قيمة، حاولتُ أن أكره قيمتي لأنها لا شئ لكن ذكرياتي أمْلت عليّ كيف كنت من قبل، حاول أن أكره ذكرياتي ذاتها لكنّها اصطفت ها هنا لأظل عالقاً بأذهان زائرها، حاولت أن أكره وأحبّ مراراً وتكراراً لكنني فشلت؛ واتخذت قراري الأبدي أن أكُفّ عن المحاولة.


  • 3

   نشر في 01 فبراير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا