الحرب وشجرةُ البرتقال - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الحرب وشجرةُ البرتقال

الشمسُ في ولادتها في صباح القرية تشبهُ بداياتنا , وتخبرني جيداً في كل صباح أنها لا تنتهي كما نحنُ !

  نشر في 10 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 12 أبريل 2017 .

ركضتُ مُسرعاً نحو الأرض المُجاورة لمنزل جدّي الذي كان يملك عدة أراضٍ من البرتقال ,كنتُ في الخامسة من عمري , حملتُ ذلك المعول الذي كنتُ قد سرقتهُ من الغرفة الصغيرة المجاورة للمنزل ,بالإضافة لبرتقالةٍ كبيرة وبدأت بالحفر بالأرض (كنت أعتقد إن وضعت البرتقالة في الأرض ستصبح شجرة) , يظهر جدّي من بعيد أرمي البرتقالة وأركُضُ مُسرعاً وأتسلق إحدى أشجار البرتقال الكبيرة وأختبئ فيها خوفاً من توبيخه لي ثمّ أسمعهُ من بعيد يقول لي :"لك هالحاملو بإيدك ما اتقل منك لك جدّي".

قريتي التي تقع على سفحِ جبلٍ من جهة وبحيرةٍ كبيرة من الجهة الأخرى , تطيرُ مع الغيوم وتسبحُ مع الأمطار وتغنّي لها الشمس أناشيد الحُب والخير في كلِّ فجرٍ جديد .

تلك الصباحات التي كانت تترافق دائماً مع رائحةُ الخبز الساخن وأزهار الليمون اللتان كانتا تتجولان في كل شوارع القرية وبالأخص ذلك الشارع الطويل أمام منزل جدّي وتطرقانِ كل الأبواب كفراشاتٍ حديثة الولادة تستكشف طريقها في الأزقة البعيدة.

في يومٍ من تسعينيات القرن الماضي , تستيقظ جدّتي كعادتها قبل الشمس بقليل وتوقِظُ الجميع , "جدّي وأولادهما والأحفاد الصغار" ليتناولوا الفطور الباكر ثُمّ يتجهون إلى أرض البرتقال الأخرى التي كانت تبعد خمسة عشر دقيقة مشياً على الأقدام , خمسة عشرة دقيقة كانت مليئة بالأغاني والضحك , وجدّي كعادته يُفضِّل الصمت , يصلُ الجميع إلى الأرض ليبدأوا بقطفِ البرتقال عن الأشجار , مع بعض الأغنيات واستراحات الشاي المتتالية , وجدّتي لا تفعل شيء سوى اللحاق بالأطفال وإطعامهم كل عشرِ ثوانٍ هي لا تعرفُ معنى كلمة "شبعت" , يُستحال أن ترضى بذلك , بعد الانتهاء من القطاف يعود الجميع للمنزل والأطفال يذهبون للعب كرة القدم في ذلك الشارع الطويل , في مقدّمته كان هنالك ساحةٌ صغيرة في منتصفها بركةُ ماءٍ وعلى حوافها تجلس الفتيات لتراقبن من بعيد الأطفال وهم يلعبون كرة القدم في منتصف الشارع , بدون أن يستاء أحدٌ من الجيران أو المحلات المجاورة , بل على العكس تماماً كانوا في معظم الأحيان يشاركون الأطفال في كرة القدم , صاحب محلِّ الحلويات الذي كان محله يقع بالقرب من مرمى الفريق الأول , ذلك المرمى المكوّن من بعض الحجارة على طرفيه وعلم قديمٌ جداً بخشبةٍ قصيرة وضعت بين الأحجار ليرتفع قليلاً ليكون أشبهَ بعارضةٍ للمرمى -مرمى بعارضة واحدة- والكرة كانت مجموعة من أوراق كتابٍ مدرسي قديم ومضغوطة على بعضها , كان صاحب محل الحلويات في الأربعين من عمرهِ ودائما ما كان يقف حارساً لذلك المرمى كان لديه بطنٌ كبير جداً يساعده على صدّ معظم الكرات وضحكةٌ مميزة تُضحِك الفتيات في الساحة القريبة .

لم يكن الناس في ذلك الشارع يحتاجون للكثير من المال فهم كانوا يدركون جيداً أنّ القليل من الحب سيغنيهم عنهُ , لم يكن ذلك الشارع يوتوبيا ولا شبيهاً بها حتى , كان شيئاً عادياً يعلمهُ كلُّ سكان تلك القرية قبل الحرب .

ذلك الشارع الذي لم يعرف الحزن، إلى أن تبدلت رائحة الخبز والأزهار برائحة البارود والدماء التي باتت في كلِّ أزقة القرية بعد الحرب .

بعد أعوامٍ عديدة لم يعد لدى جدّي سوى أرضٍ واحدة , فالحرب التي بدأت أرغمته على اتخاذ العديد من القرارات , والقرية لم تعد نفسها , قد كبِرت وشابت , باتت تمشي ببطئٍ شديد , والشارع الطويل أصبح شارعاً لمواكب الشُهداء .

تقول جدّتي : " النجوم في السماء هي أشخاص فارقوا الحياة منذ زمنٍ بعيد " وتقول أيضاً : "هنالك سكان على القمر , أقزام ومخيفون" , ولأن جدتي لا تكذب صدّقتُ ذلك إلى حدٍ أصبحت أتخيل تفاصيل كل قزمٍ منهم , وأشكال أولئك الأشخاص الذين أصبحوا نجوماً بعيدة . جدّتي التي تملكُ عاطفة الكون كله , انهكتها الحرب كما لم تستطع سبعون عاماً من عمرها أن تفعل .

تخرجُ في كُلِّ صباح إلى الأرض الصغيرة التي تبقت لديهم لتقطف بعض الذكريات وتسقي الأرض بعض الدموع , وفي بعضِ الأيام كانت تحاول أن تزرع بعضاً من أحلامها التي لم تتحقق , وبعضاً من الأمنيات , في نهاية الأرض كان هنالك شجرةَ برتقالٍ عُمرها ستُّ سنواتٍ , لم تكن سوى حلمٌ زرعتهُ جدتي لانتهاء هذه الحرب .

لطالما قال كثيرون أننا يجب أن نعتاد على الحرب والموت والشهداء الذين أصبحوا مجرد أرقامٍ للكثيرين , أولئك لا يعلمون شيء , أولئك لم يخسر أحدٌ منهم منزلاً أو إنساناً يحبهُ , أرى أن نعيش الحرب أن نبكي على كلِّ شهيد كما لم نبكي من قبل وأن نعيش الحزن والحرب إلى نهايتهما التي يجب أن نصنعها نحن , ربما بزراعة أشجار البرتقال وبعضُ الحُب والأغاني الجميلة , وكما يقول جدّي : " الرجال يصنعون السلام , أمّ الحروب فهي من صنع المغفلين والتجار, فدماء الأبرياء , حطبٌ للحروب " .

جدّي ذلك الضابط الذي حارب في تشرين, ذلك الرجل القوي, الذي أتعبتهُ الحياة , الذي لا يقبل الهزيمة أو المساعدة , طيّب القلب , طويل القامة ذو شعرٍ أبيض, وعينان خضراواتان .

يعيش هو وجدّتي من راتبه التقاعدي الذي لا أكذب عندما أقول أنه لا يكفي ليومٍ واحد في هذه الحرب بالإضافة إلى أرضه الصغيرة الباقية وأشجار البرتقال القليلة .

كان فجراً شتويّاً جديداً بدون شمسٍ أو أغانٍ كان فجراً باهتاً مع بعض الأمطار والغيوم الصفراء وأصوات الرصاص التي كانت تقترب وتعلنُ عن موكبٍ لشهيدٍ جديد من القرية , خرج جدّي إلى الخارج بدأ ينظر إلى البيوت البعيدة ويتشارك معها بعضاً من الحُزن .

كل تجعيدٍ على وجههِ كان يحكي قصةَ منزلٍ قد فقد أحدَ سكّانه , كان وجههُ يصفُ مجزرة كبيرة قد حدثت , أخذَ يمشي ببطئٍ شديد ثمّ وقفَ في منتصف أرضهِ التي امتلأت بالبرتقال الذي سقط من الأشجار لعدم توفر المياه بسبب هذه الحرب , نسيَ كل تعبه وأمراضه وآلامه والحرب وأخذَ ينظرُ إلى الأرض يعاينها متراً متراً وينظر إلى أشجار البرتقال بحسرةٍ كبيرة وكأنه يتكلم معها ويعتذر عن شيءٍ لم يفعله , رغم كل شموخه لم يستطع إخفاء بعض الدموع التي سقطت بدون إذنٍ منه, كل تعبهِ أصبح على الأرضِ الآن , كان هنالك شجرةٌ واحدة تحملُ البرتقال , تلك التي زرعتها جدّتي قبل ستِّ سنوات, والآن قد علمَ جدّي لِمَ مياه الشرب التي كانوا يحصلون عليها كل ثلاث أيام تنفذُ سريعاً .

أخرجَ بعضَ "التبغ العربي" وبدأ بصنع سيجارته الخاصة ببطئٍ وهو يكلمها كلماتٍ غير مفهومة , ويوزع نظراته بين أشجار البرتقال وذلك المنزل البعيد الذي فقد أحد سكانهِ الآن , ثُمّ يمرُّ عجوزٌ في الستين من عمره يمشي في أرضٍ مُجاورة لجدّي وبعدَ التّمعن جيداً بدا أنهُ بائع الحلوى ذاته , وعلى غيرِ العادة لم يتبادلا السلام المعهود بينهما , بدأ يبتعد العجوز ويستند إلى أشجار البرتقال في كلِّ حينٍ وكأنه يحملُ الوطن كلهُ على كتفهِ أو أنّ الحزن لم يعُد يتسع في قلبه , فأخذ يوزع بعضاً منه على الأشجار والأرض , ويخبّئُ ذرات التراب العالقة على يدهِ في جيبه , كان قد دفن ابنهُ للتو ..

أغمض عينيه جدّي وصرخ كما لم يفعل من قبل , صراخٌ لا يسمعه أحد , صراخٌ يقتلُه من الداخل والدموع تغسلُ وجههُ في الصباح الباكر , فتحَ عينيه وأخذَ شهيقاً طويلاً ,ونظر نحو شجرةِ البرتقال الوحيدة التي كانت تحملُ برتقالاً أخذَ يقطفهُ كُلّهُ ثُمّ بدأ بحفرِ حُفرٍ صغيرة ليضعَ بها كل البرتقال الذي قطفه .


سامي فرح         4/10/2017   


  • 4

   نشر في 10 أبريل 2017  وآخر تعديل بتاريخ 12 أبريل 2017 .

التعليقات

قصة مذهلة..
بالتوفيق
0
Sami Farah
شكراً ل لطفك
عمرو يسري منذ 1 شهر
قصة ممتعة :)
بالتوفيق .
0
Sami Farah
شكراً
احببت القصة .... دام قلمك ،
بالتوفيق ``
0
Sami Farah
شكراً كتير

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا