متعة العذاب في أقاصي الليل!‏ - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

متعة العذاب في أقاصي الليل!‏

  نشر في 10 غشت 2021 .

     منذ سنوات أُصبتُ بداء المثاليَّة في انتقاء الكتب، فلم أعد أملك صبراً على قراءة كتاب لا ‏يُضيف جديداً، أو لا يحافظ على درجة توتّره إلى آخر صفحاته، وقد يرتفع منسوب هذا ‏المزاج الخاص، أو هذه المثاليَّة في أوقات السفر، فأقضي ساعات في مكتبتي لاختيار الكتاب ‏الذي سيمنحني متعة كاملة، وربما قرأتُ صفحاتٍ منه لأقيس مدى جاذبيته، وقد يرافقني قلم ‏الرصاص بين الأسطر، فأكتب تعلقياً هنا، وأضع خطاً هناك، وأعقد حاجب الدهشة هنالك، ‏فالكتابة لا تنفرد وحدها بالعذاب، بل إنَّ القراءة الجادة الباحثة عن الجديد لا تقلّ عنها عذاباً، ‏ولكنَّه عذاب لا يخلو من متعة، كما لا متعة بلا عذاب، وإذا كان مارسيل برست يقول: إنَّه ‏يكتب ليتعذب، فأنا أقرأ لأبحث عن الألم الرائع، فكلمَّا تألمنا تعلمنا، واقتربنا من ذلك الكنز ‏النفيس "إنسانيتنا" التي تعيش رمقها الأخير.‏

‏      "رحلة في أقاصي الليل" لفرديناند سيلين رواية رائدة في الأدب الفرنسي، ومن أهم ‏الروايات في الأدب الأوروبي إلى جانب" يوليس" لجويس، و"رجل بلا مزايا" لموتسيل، ‏و"البحث عن الزمن الضائع" لبروست، وقد تأثر بها سارتر في" الغثيان" كما صرَح ألبير ‏كامو بتأثره بشخصية بطلها" باردامو" حين كتب" الغريب"، أما سيمون بوفوار فقد كتبتْ في ‏مذكراتها:"أما الكتاب الفرنسي الذي كان ذا القيمة الأكبر بالنسبة إلينا فكان سفر إلى آخر ‏الليل".‏

‏     بل إنَّ لغة الرواية جعلت سارتر يتخلى نهائياً عن اللغة الفخمة التي كان يكتب بها، وعلى ‏الرغم من تأثر هؤلاء الثلاثة بهذه الرواية، إلا أنَّهم كانوا أكثر كّتاب فرنسا في ذلك الوقت ‏مهاجمة لكاتبها بسبب مواقفه السياسية، واهتهامه بالعمالة للنازيّة، ومعاداته لليهود.‏

‏      رحل سيلين في صمتٍ وعزله، دون أن يحظى من حطام الدنيا بشئ، ولا زالت كتبه " ‏تشكل حدثاً ثقافياً، وسجالاً حاداً" فعندما صدرتْ هذه الرواية قبل سنوات قليلة باللغة العبرية، ‏أثار الكنيست الإسرائيلي حولها زوبعة في فجان، ولم تصدر هذه الرواية باللغة الألمانية إلا ‏منذ سنوات قليلة، كلُّ هذا بسبب تهمة لم تثبت عليه، غير أنَّ هذا الكاتب المغضوب عليه ‏ظل منارة يسعى إلى ضوئه لاعنونه، لعلهم يتطهرون من ذنب جحودهم، فقد تخطى تأثره ‏حدود فرنسا وأوروبا، فهذا الكاتب الياباني الشهير" كنزابوروأوي" يعترف بتأثير سيلين على ‏أدبه وأدب غيره من الكُتَّاب اليابانيين، ويشهد له أعظم كتاب أمريكا اللاتينية "ماريو ‏بارغوس يوسا" بأنَّه أحد معلمي الرواية العظام في القرن العشرين.‏

‏      وإذا كانت تلك الحِقبة الزمنية قد ولَّتْ بكل مواقفها السياسية، وربما آل بعضها إلى مزبلة ‏التاريخ، فإنَّ الأدب بقي شامخاً برؤاه الإنسانية، وأعماله الخالدة، ولغته السامية.‏

‏     وحين أتأمل مثل هذه المواقف التي سُجن بها بعض الكتَّاب في مراحل التاريخ المختلفة، ‏يتعاظم يأسي بعدم جدوى اقتراب الأديب من هذه المحرقة، فهي إنْ لم تلتهمه، فلن يسلم أدبه ‏من بعض شررها.‏

‏       وربما يسعفنا الزَّمن اللاهث بوقفة عند هذه الرواية، في سطور قادمة.‏



  • The sniper
    "نحن في صُلب الماضي، نصفنا اختراع، والنصف الآخر ‏ذاكرة‏"
   نشر في 10 غشت 2021 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا