المسافة الشاسعة جدا بين الفكر الفلسفي و الفكر اللاهوتي - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

المسافة الشاسعة جدا بين الفكر الفلسفي و الفكر اللاهوتي

  نشر في 16 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 21 فبراير 2019 .

  ستعرف الفلسفة بعد موت أرسطو (الفيلسوف) و ميلاد المسيح (النبي) كسادا عظيما ، حيث ستغلق الإمبراطورية الرومانية مراكز و مدارس الفلسفة في اليونان وخصوصا ما كان منها في أثينا ، كما ستحاصر مدينة الإسكندرية التي كانت بعد أثينا أعظم مركز علمي آنذاك ، غير أنها هي الأخرى ستحرق مكتبتها العظيمة بأمر من الإمبراطور المسيحي "تيودوسيوس" سنة 391م (1) ، و بعدها سيقضي المسلمين على ما تبقى منها عند غزوهم بلاد مصر ، عبر أمر "عمر ابن الخطاب" بإتلاف ما تبقى من محتويات المكتبة (2) ، هكذا جف عود الفلسفة الرطيب بعد تدخل كل من السياسة و الدين في شؤون الفكر و البحث الفلسفي ، فقد كان الدين في طليعة الأسباب التي تخلفت الفلسفة بسببها في القرون الوسطى .

بظهور الدين سيظهر ما يسمى بـ "اللاهوت الميتافيزيقي"، الذي ستجسده ما يسميه المؤرخين بـ"الفلسفة السكولائية أو المدرسية"، و هي مدرسة حاولت أن تأكد عبثا بأن الدين يتوافق تمام التوافق مع الفلسفة و التفكير العقلاني، لذلك عمدت إلى تأسيس الفلسفة فوق أرضية ثابثة و هي الدين و العقيدة، و هنا سيظهر لنا فلاسفة كان أبعد ما يصبون إليه، هو تبيان أن الدين و الفلسفة وجهان لعملة واحدة، هذا البراديغم أو الإبستيمي (مناخ فكري) سيطر على التفكير الفلسفي في القرون الوسطى، وهو واضح في مصنفات فلاسفة هذا العصر كالكندي و الفرابي و ابن رشد و الغزالي في الإسلام، و توما الأكويني و سانت أوغستين و سانت أنسيلم في المسيحية، و ابن ميمون في اليهودية، فجاءت الفلسفة مع هؤلاء مشوهة المعالم و منحرفة المنهج، إذ مع هؤلاء ستنتج الفلسفة "الحمق" و ليس "العلم"، فهذا الغزالي أبو حامد استاء من الفلسفة اليونانية و تبيعتها الإسلامية التي تربط الأسباب بالمسببات ، فرئا أن ذلك كفر بالله و بعنايته بالعالم، فعوض المسببات بفعل و تدخل الله، فاعتبر بأن الأحداث لا تنشأ عن أسباب توجد في عالم الشهادة ، بل في عالم الغيب، هكذا فتحريك الإنسان لجسم ما بيده لا يعتبر سببا لهذه الحركة، بل الله هو الذي يحرك أما السبب في عالم الظاهر فهو مجرد "اقتران" يخدع حس الإنسان حسب فيلسوفنا (3) ، كم يظهر مبلغ حمق و جهل مثل هذا التفسير للأحداث في الواقع ، إلا أنه نتيجة لتأسيس الفلسفة على الدين ، و انطلاق فعل التفلسف من جمودية النصوص المقدسة و خرافية المعتقدات الدينية ، و ذلك ما تسبب في أن تكون فسلفة القرون الوسطى الأكثر تخلفا في تاريخ الفلسفة .

لماذا تتخلف الفلسفة إذا ارتبطت بالدين ؟

   لعله ينسى دعاة توافق الفلسفة و الدين بأن الفلسفة لم تظهر في اليونان إلا بعد أن قطعت مع "التفكير الأسطوري" ، الذي يعرفه ابن رشد على أنه: "التفكير الذي لا يربط الأسباب بمسبباتها"(4) المادية أي في هذا العالم و ليس في عالم ما فوق الطبيعة، إن العالم في نظر الفلسفة العقلانية ، هو عبارة عن تراكب للأسباب و المسببات أي أنه عالم محكوم بقوانين طبيعية ثابتة لا تتغير ، و بالتالي فعمل الفيلسوف هو كشف المسببات (القوانين) الحقيقية لظواهر الوجود، فهل يربط الفكر الديني الأسباب بمسبباتها و هل يعتقد بأن العالم محكوم بقوانين ثابثة لا تتغير؟ غني عن البيان و التوضيح بأن الأديان خصوصا التوحيدية تقوم على ما يسمى بـ"المعجزات" تتأسس عليها و تنطلق منها، و ما المعجزة إلا حدث يخرق فيه القانون الطبيعي لظواهر العالم، كيف سيفسر فيلسوف بأن نبيا شق القمر و العلم يقر بأن بعد أو قرب القمر من الأرض بسنتيمتر واحد كفيل بانقضاء الحياة على كوكب الأرض، و قل نفس الشيء عن الشمس، لأن القمر مرتبط بحركة المحيطات التي تُكون من الكوكب أكثر من %75 أي تغير كفيل بإغراق الكل، هذا قمر و ليس حبة بطاطسكي تقول لي قد شق إلى نصفين، كيف لفيلسوف لاهوتي أن يتبث هذا دون أن يخرف و يسفسط و يخرج عن مقتضى العقل و المنطق ، كيف للفلسفة أن لا تتخلف إن ارتبطت بالدين إذن ، كيف سنجمع بين فكرين الأول يفسر بالواقع و الثاني يفسر بالغيب أي بالأسطورة .

   يتناقض الفكر الفلسفي مع الفكر الديني في شيء آخر، و هو أن الدين يقوم على "اليقين" ، في حين أن الفلسفة تقوم على "الشك" في كل شيء ، لأن هذا الأخير هو الدرج الأول للبحث ،لا يمكن للمرئ أن يبحث في شيء و هو متيقن منه ؟؟ فأنت لا تبحث إلا في شيء لك فيه شك.. و لا يردن علي أحد بأن أبو حامد الغزالي مأسس "منهج الشك"، و أول من شك و سرق منه ديكارت منهج الشك ووو غيره من الكلام الأرعن الأحمق ... الغزالي شك في المعرفة التي تقدمها الفلسفة و ليس في المعرفة بكل ضروبها بيما فيها المعرفة الدينية.. نعود و نقول بأن الثقافة الدينية لها معرفة يقينية بالعالم و التاريخ ، فهي لا تشك و لا تتساؤل بل تعود للنصوص المقدسة للتأكد و تعزيز اليقين، كما أنها تجيب عن كل الأسئلة في جميع التخصصات، و انظر لفضائيات الشيوخ المسلمين، حيث يجيبون عن أسئلة علم الفلك و الفيزياء، عن أسئلة البيولوجية، بل إن أكثر فكر يعترض عن "نظرية التطور" في تخصص البيولوجيا هو الفكر الديني ، يجيبون عن أسئلة علم الأجنة و غيرها، فإذا كانت الأسطورة أو الديانة تجيب عن كل ما يطرحه الإنسان من تساؤلات ، أي قيمة تبقى للفلسفة؟ و أي ضرورة تبقى للعقل؟ خصوصا إذا علمنا أن السؤال المتشكك هو ما يبني موضوعات التفكير الفلسفي ، هكذا يمكن أن نقول بأن تاريخ الأسطورة و الدين ليس سوى تاريخ استقالة العقل عن التفكير، أي تاريخ استقالة أو تشوه التفكير الفلسفي. هكذا يظهر لنا وجه آخر للتعارض بين الفلسفة و الدين، فلا يمكن أن يتوافق فكر يقيني مطلق مع تفكير متشكك و نسبي.

   بعد ذلك، كيف يدعي البعض في العالم الإسلامي بأن الدين يتوافق مع الفلسفة، و قد كفرها و أحل دماء المشتغلين بها، كيف سيتحقق هذا التوافق و قد كفر الإكليروس الإسلامي الفلسفة و الفلاسفة، إن الفقهاء أسهموا بشكل كبير جدا في نحث صورة للفلسفة في تصورات الشعوب الإسلامية بشكل أقل ما يقال عنه أنه منحرف و تشويهي و ظالم ، إذ هناك منهم من بدَّع المشتغلين بالفلسفة و هناك من فسقهم ، و هناك من كفرهم .

   إن "أبو حامد الغزالي" قد المناطقة و الفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" ، و نفر الناس من الفلسفة من خلال كتابه "إلجام العوام عن علم الكلام" كما تنسب له القولة الشهيرة "من تمنطق فقد تزندق" ، أما "الإمام الذهبي" فقد قال: ”احجموا عن استعمال علم الأوائل فهو لا ينتج شيئا غير السقم، و فساد أمور الدين” حيث يقصد بعلوم الأوائل الفلسفة و علم الكلام (5) ، كما لشيخ الإسلام "ابن تيمية" نفس الرأي بل له كتب مخصصة فقط للرد على دعاة المنطق و الفلسفة و تفنيد ادعاءاتهم و تكفير آرائهم و معتقداتهم ، ذلك ما عبر عنه في كتابه "درء التعارض بين العقل والنقل" ، و فيه طبعا يقطع بنحر العقل على مِقصلة النقل و بالتالي اجتثات أصل الفكر الفلسفي من الأصل و الجذر: و هو العقل ، و يبقى أشهر نص فقهي في تكفير الفلسفة هو ما جاء على قلب و لسان الشيخ "تقي الدين أبو عمرو" ، الذي سئل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة فأجاب: "إن الفلسفة أس السفه والانحلال ، ومادة الحيرة والضلال، ومثار الزيغ والزندقة، ومن تفلسف عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين، ومن تلبس بها ، قارنه الخذلان والحرمان ، واستحوذ عليه الشيطان ، وأظلم قلبه عن أنبياء الرحمان (...) واستعمال الإصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من المنكرات المستبشعة ، والرقاعات المستحدثة ، وليس بالأحكام الشرعية - ولله الحمد - افتقار إلى المنطق أصلا ، هو قعاقع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن ، فالواجب على السلطان أعزه الله أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم ، ويخرجهم من المدارس و يبعدهم" ، و هل بعد هذا يقال أن الفلسفة توافق الدين !!

   أخيرا، يمكن أن يكتب و قد كتب فعلا مصنفات في آلاف الصفحات توضح مبعدة و تنافر و تناقض و استحالة و سداجة الجمع بين الفلسفة و الدين، إذن يمكن أن نقول تأسيسا على ما سبق بأن "شمس الفلسفة تسطع عندما ينطفئ قنديل الدين" .


_____________________

مصادر:

(1) جورج زيناتي ، "الفلسفة في مسارها" ، دار الكتاب الجديدة المتحدة ، طبعة 2 ، بيروت 2013، ص43-44.

(2) تقي الدين المقريزي ، "المواعظ والاعتبار في ذكر الخطط والآثار" ، الجزء1 ، ص159.

(3) برويز أمير علي بيود ، ” الإسلام و العلم ، الأصولية الدينية و معركة العقلانية ” ، ترجمة محمود خيال ، عن الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة 2015، ط 1، انظر خصوصا الفصل 9 و 10، ص207-245.

(4) أبو الوليد ابن رشد ، "تفسير ما بعد الطبيعة" ، مجلد 1 ، تحقيق موريس بويج ، دار الشروق ، بيروت 1952 ، طبعة 1 ، (تفسير مقالة الألف الصغرى) ، ص 43-44 .

(5) ذكر في برويز أمير علي بيود ، نفس المرجع، نفس الفصل.



   نشر في 16 فبراير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 21 فبراير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا