أساطير الخريف .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أساطير الخريف ..

بقلم: ديموزي

  نشر في 20 ماي 2018 .

يبدو الفيلم وكأنه يدور حول عائلة أمريكية طبيعية، لكن أفراد هذه العائلة وطبائعهم وأفكارهم تجعلنا وكأننا أمام صراع بين أفكار وقيم تتجاذب الإنسان كل في اتجاهها.

أول ما يلفت الإنتباه أن هذه العائلة قد اختارت لنفسها مكانًا قصيًا عن المدينة، رمز الحضارة، فالأب، الكولونيل لودلو، يترك خدمة الجيش بعد ان اتضح له زيف الهدف الذي يحارب من اجله. لقد أراد، كما يقول الراوي، أن ((يتخلص من الجنون [جنون الحروب] وراء الجبال... ويبدأ من جديد)) وأول اشارة صريحة لأفكاره نجدها في رده على ابنه صامويل الذي يتحدث عن أن "العالم المتحضر" على وشك خوض مغامرة خطيرة (يقصد الحرب العالمية الأولى)، فهو يرد عليه بقوله: ((العالم المتحضر لا وجود له في العالم))! وصامويل هذا يبدو أنه تجسيد لبقايا التيار الرومانسي المتسرب من القرن التاسع عشر، فهو مؤمن بالعالم المتحضر(متجسدا في أمريكا وحلفائها)، وبضرورة مساندته ضد القوى الشريرة. وخياله الرومانسي الجامح هذا هو ما سيورط به العائلة كلها فيما بعد عندما يقرر التطوع في الحرب جاراً معه أخويه رغم معارضة الأب لهم. الابن الثاني وهو الأكبر سنا، ألفريدو، يبدو تجسيدا لشخصية الرجل العملي الناجح، نموذج الحضارة الحديثة، وسنراه في أواخر الفلم وقد ارتقى مراتب التفوق حتى بلغ مجلس الشيوخ الأمريكي. أما الأخ الثالث الأوسط، الشخصية الأهم في الفيلم، فهو تريستان الذي قام بدوره النجم براد بيت، فهو رمز بارع للطبيعة بكل جمالها وفتنتها أحيانًا، وعنفوانها وقسوتها أحيانًا أخرى. فهو تربى، دون أخويه الاخرين، في احضان الطبيعة، حيث أعطاه أبوه لرجل هندي(من السكان الأصليين) اسمه ستاب فنشأ على صيد الحيوانات مكتسبا القوة والشجاعة والإقدام ومستلهما من الحياة كما هي بكل مظاهرها بعيداً عن تدخلات الحضارة. وهو كما عبر عنه مربيه الهندي ستاب، صديق العائلة وراوي قصتها لنا، ((كان قنبلة على وشك الانفجار طوال حياته. كان شتاءً رهيبا)).

المرأة الرئيسية في الفلم هي سوزانا، خطيبة صامويل التي أتت معه إلى منزل العائلة، وهي يتيمة ساذجة مما يجعلنا قليلي الاستغراب من ارتباطها بشخص حالم ورومانسي مثالي مثل صامويل.وفي اللحظة التي يراها فيها ألفريدو تظهر عليه علامات الاعجاب والحب، مما يذكرنا بنهم الحضارة الحديثة، غير أنها لا تبدي له تعاطفاً مع نظراته الموحية؛ على أنها بشوشة الوجه دمثة الخلق لبساطتها مما يبعث على الطمع فيها. لكنها حين ترى تريستان مقبلا عليهم على صهوة جواده وبجانبه جواد أصغر يحمل فريسته، تتسمر عيناها عليه، وحين يكون بينهم تظل تطالع وجهه مبتسمة تتأمل في وسامته وقوته، التي أوحت بها الفريسة طبعا. وهي على عكس تلك الفتاة التي تذهب لتغوي أنكيدو صديق گلگامش لتجعله يترك حياة البرية ويروض نفسه ليصبح انسانا متحضرا، نراها مأخوذة بما أنتجته الطبيعة، وهذا ما يذكرنا ببعض الآراء التي نادت بضرورة العودة الى الطبيعة والحياة البدائية للتخلص من شرور الحضارة.

أما الوالدة، فهي قد تركت العائلة وذهبت لتعيش في المدينة، والسبب أنها لا تستطيع العيش في تلك البيئة القاسية التي اختارها الكولونيل. لكنها تتواصل معهم عن طريق الرسائل، ومن الملفت أن تريستان لا يبعث لها بأي كلمة مما يوحي وكأنه قد استعاض عنها بـ"الأم الطبيعة". على عكس ألفريدو الذي يكثر من الرسائل لها.

نقطة التحول هي عندما يخبر صامويل أباه برغبته للتطوع في الحرب. وهنا يدور نقاش حاد يبين فيه كل طرف وجهة نظره، فالبنسبة لصامويل فإن هناك عدو غاشم تجب مواجهته، وهذا مبرر كاف للحرب برأيه، أما الأب فقد تركت عنده الحرب الامريكية الهندية فكرة مؤداها أنه لا حرب تخلو من الظلم، وليس هناك هدف مثالي يقودها، وحتى لو وجد هذا الهدف فإن الحرب بنفسها ليس فيها قابلية أن تكون حرب عادلة من غير ظلم ولا قتل لعدد كبير من الأبرياء! لكن صامويل يصر ويجر معه ألفريدو الذي شاركه وجهة نظره في النقاش، أما تريستان فلم يقل أي كلمة. بعدها يظهر الأخوة الثلاثة وهم على صهوات جيادهم ذاهبين للتطوع. وإذا بدا أن مشاركة تريستان هنا في حرب تتحمل وزرها الحضارة الحديثة هي مشاركة مستغربة فإننا نتبين أن الدافع الرئيسي له هو حماية أخيه الأصغر صامويل كما أوصاه أبوه بذلك.

هناك بين مشهد النقاش وبين ذهابهم إلى الحرب، مشهد قصير يجمع سوزانا وتريستان لوحدهما، حيث تبدو سوزانا متأثرة بقرار خطيبها فيستبد بها الحزن وترتمي بين يدي تريستان فيأخذ هو بسحب جسده منها ببطء وكأنه يعانده وهنا يطل ألفريدو عليهما من الباب. وبطبيعة الحال فإن هناك فكرة واحدة تقفز الى عقله:إنهما يحبان بعضهما!

يذهبون إلى الحرب ويموت صامويل على غفلة من تريستان. وعندما يعودان، ألفريدو وتريستان، إلى البيت بعد سنوات، يصارح الفريدو سوزانا بحبه لكنها ترفضه. وتقوم علاقة، كانت متوقعة طبعا، بين سوزانا وتريستان ويبدو لنا هنا بأن الأمور ستنتهي على هذه الحال، حيث يخف التوتر ويشعر المشاهد بأن النهاية لا بأس بها، ولكن لا يبدو أن تريستان سعيد بهذه الحال، فالطبيعة تغلي بداخله والغابات وما فيها من مغامرات وحيوانات تنتظر من يصطادها، كل هذا يناديه. فنراه يهجر حبيبته ويترك البيت ويذهب ليمخر عباب البحار ويشق طرق الغابات الوعرة. ترسل له سوزانا، التي وعدته بأنها ستنتظره إلى الأبد، عدة رسائل (الحقيقة لا أعرف كيف كانت تصله الرسائل وهو في تلك الأمكنة!) ولكنها تتوقف بعد رسالته الأخيرة التي أعلن فيها أن كل شيء بينهما قد انتهى وعليها أن تجد زوجا غيره!

عند عودته يجد أنها قد تزوجت من ألفريدو الذي أصبح عضوًا في مجلس الشيوخ الأمريكي، أما هو فيتزوج ابنة ستاب، واسمها اليزابيث الثانية، التي كانت صبية صغيرة حين رحيله، وهنا نرى تناسب كلا الزواجين من الناحية الحضارية والقيمية.

حين يعود تريستان يجد أباه وقد أصابته جلطة أفقدته النطق فيعبر عما يريده بالكتابة على سبورة صغيرة يعلقها على صدره مثل قلادة كبيرة! وثروة والده قد تبددت بسبب انهيار أسعار الماشية بعد الحرب. فيجد فرصة مناسبة للعمل في تهريب الخمر حيث قام أخوه قبل أيام بطرح قانون حظر توزيعها وتم اقراره مما رفع أسعار الخمر.

يتورط تريستان مع جهات حكومية لها صلات مع مهاربي الخمور، ويتطور الأمر، بعد أن حذروه ولم ينته، الى أن ينصبو له كمينا وهو في السيارة مع زوجته فيقتلونها ولكنه يقتص لها في اللحظة نفسها غير أنهم يوسعونه ضربا دون أن يقتلوه خوفاً من أخيه الذي في الدولة.

سوزانا يستبد بها الحزن بعد علمها بزواج تريستان من ازابيل الثانية، فتصعد ذات يوم الى حجرتها فتقص شعرها وتنتحر مطلقة النار على رأسها. وكأنها تكفر عن خطيئة الحضارة التي لم تصبر على تحمل طبيعة الطبيعة!

يبدو تريستان وقد خسر الكثير، ويتراءى لنا موت زوجته وكأنه عقاب من الطبيعة لأنه ابتعد عنها وأخذته الحياة الزوجية والبحث عن لقمة العيش عن طريق وسيلة ليست من وسائل الطبيعة. فإذا به يفطن إلى هذه الغلطة فيوصي أخاه ألفريدو بتربية أولاده، ويعود هو إلى الحضن الذي يليق به، إلى الطبيعة، إلى الحياة البدائية الخشنة. وأخيرًا يظهر لنا وهو يواجه دبًا متوحشا (وفي صباه كان قد جُرِح بمخالب دب وقطع هو احد مخالب الدب) فيصطرع هو والدب، ويقع فريسة بين يديه الضخمتين. فالطبيعة قاسية حتى مع نفسها، فهي قد ربته على طريقتها، وها هي تأخذه على طريقتها.


  • 1

  • so hussien
    ديموزي "حسين جبار" مواليد بغداد- العراق، درست هندسة الحاسبات والبرمجيات في الجامعة المستنصرية، نشر لي عدة مقالات وقصص قصيرة، واشعار باسم حسين جبار وحسين المسلم في مواقع مختلفة منها (موقع إضاءات مصر، موقع ملتقي المرأة ال ...
   نشر في 20 ماي 2018 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا