الاشراق العميق في نصوص هالا الشعار التقليلية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الاشراق العميق في نصوص هالا الشعار التقليلية

  نشر في 05 شتنبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .


 

الشعر اشراق على اسرار اللغة و تجل لعبقريتها و استنطاق لصوت روحها العميق . الشعر هو اقتناص اللحظة الشعورية العميقة و الكشف عن نقابها فتشرق شمسا جديدة جميلة الى الناس . ليس الشعر مجرد سبك جميل للكلمات فان هذا من التصوير السطحي ، انما الشعر نفوذ حيّ و عميق و متوهج الى روح اللغة و ينابيعها السرية و عوالمها المتخفية خلف الحجب . ان لم يخترق الشعر الحجب و ان لم يبلغ الكواكب المشعة و الحقول المتوهجة للغة فانه لن يكون شعرا بالمعنى العميق .

حينما تشعر ان النص ينقلك و بقوة و بسرعة الى عالم عميق و الى حياة جديدة و يضيء لك مواطن الشعور و الاحساس و يولد في نفسك زخما معرفيا و فكريا حينهما نكون أمام كتابة فذة و حقيقية و ليس مجرد تفنن كلامي و لفظي . هذه الكتابة العميقة التي تتجاوز السطح و تنفذ الى روح اللغة نجدها متجلية في كتابات الشاعرة هالا الشعار ، و تبلغ تجليها الاكبر في نصوصها التقليلية .

في نص عالي الشاعرية و متعدد الدلالة يرتكز على عمق الفكرة و الرمزية تقول الشاعرة فيه :

(بين وردة ولهاث

ثمة فضاء صغير )

ان المساحة الجمالية الواسعة سواء من جهة الكم او الكيف الشعوري او من جهة النفوذ و الحجم تتحقق هنا بواسطة تقنيات التعدد الدلالي و الاستعارة الكتلية ( الجملية ) ، وهو فن كتابي تجيده هالا الشعار اشرنا اليه في مناسبة سابقة حيث انها لا تقتصر في مجازها و استعارتها على الانزياح اللفظي في المفردات بل تلجأ و بلغة متطورة الى الرمزية الكتلية و الاستعارة بالجمل و التراكيب اللفظية ، محققة واقعا و عالما نصيا يعيش فيه القارئ وسط لغة راسمة . و رغم قصر النص الا انه يحقق حالة الرسم و الابعاد الثلاثة . هذا النظام المتقن من اللغة الراسمة و الرمزية التعبيرية يحقق اضافة مفهومية و اشراق على مكنونات اللغة و اطلاع على الينابيع السرية للشعر ، محققا ( التعبيرية المفهومية) التي لا تترك مجالا للفكر الا الشعور بالدهشة و العجز و هما أهم غايات الكتابة الشعرية و التخيلية ، و بذلك يبلغ النص غاياته الفنية و الجمالية و الرسالية .

و في نص مكثف و معبر ببوح شفيف ينتمي الى أدب القضية تقول فيه الشاعرة :

(تقاسمني

الخراب )

ان حالة الجذب الكتابي هنا و نقل القارئ الى النص بسرعة و بقوة متأتٍ من الصدق العميق و البوح الشفيف و من عمق الكتلة الشعورية التي يحققها النص في مجال الاستجابة الجمالية ، باستعارة قريبة و تعاونية عالية ، و هذا النفوذ في العمق الشعوري يحقق حالة الاشراق في مجال الاحساس و العاطفة و التأثير بلغة قريبة . و بهذا الشكل من الاشراق يتحقق شكل اخر منه باللغة القريبة في قبال النص السابق الذي يحقق حالة الاشراق بلغة رمزية عالية .

و في نص عذب بقاموس متموج بين الحلم و الحقيقة تقول هالا الشعار

(بضعُ خطى

بيني وبين اليمامة

أكاد ألامس الهديل )

ان العذوبة الشعرية بأدب يتميز بالفنية العالية من انزياح و خيال ، هو أحد أشكال ( اللغة المثلى ) التي يبلغ بها النص غاياته ، و يتجه بالكتابة نحو النص الكامل . و أهم تقنيات اللغة المثلى او ما كنا نسميه ( اللغة القوية ) هو التموج التعبيرية و وقعنة الخيال . فيتجلى التموج التعبير في قاموس لفظي يجمع بين لحظات واقعية و اخرى خيالية فالاول في ( بضع خطى ، بيني و بين اليمامة ) و الثاني في ( أكاد ألامس الهديل ) ، كما أنه بذات الأسلوب تحقق نظام ( وقعنة الخيال ) حيث ان القارئ يُنقل الى حياة النص بكفاءة عالية و لا يكاد يميز في ان التعبير هنا نظام خيال ام واقع ، فلا يجد نفسه الا مبحرا في فضاء هذه الكتابة الجميلة بامتاع فكري و شعوري .

و نجد هذه اللغة المتموجة ايضا في نص آخر للشاعرة تقول فيه :-

(سأجمعُ صمتي

صمتي كلّه

لأدفع عني تهمةَ الماء

ابتلاء الهواء

لست سوى هُنَيْهَةَ فرارٍ

من نار وتراب واغتراب

على سطحِ هذا الكوكب المُتْعَب )

فوسط البوح الشفيف و التوصيلية المخلصة نجد عبارة مركزية و مؤثرة تتمثل بمقطع (لأدفع عني تهمةَ الماء \ ابتلاء الهواء ) هذا النظام الاستعاري الرمزي كسر حالة التوصيلية و حقق التموج التعبيري ، و نقل البوح الى حالة رمز و حالة الخيال الى واقع نصي فيتحقق نظام ( وقعنة الخيال ) .

هكذا نرى ان هالا الشعار و بنصوص تقليلية قصيرة تحقق انظمة شعرية عالية بطاقات تعبيرية كبيرة ، باشراقات ذات نفوذ عميق و مساحات استجابات جمالية واسعة ، تكشف النقاب عن اسرار الكتابة المؤثرة و عن وجه اللغة المتوهجة .



   نشر في 05 شتنبر 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا