لحظة وجع في مدرسة الحب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لحظة وجع في مدرسة الحب

  نشر في 09 شتنبر 2016 .

ما أسماها من حياة تلك التي نحياها بالقرب من الذين يهواهم القلب ويهفوا لهم الفؤاد، وما أنبلها من لحظة تلك التي تختلط معها أرفع الأشواق وأغلى الأمنيات للذين تملكوا مكانا عليا في الأعين والنفوس، وما أغلاها من ذكريات تلك التي نرسمها بمحض الصدفة أو خطها وحي القدر ممزوجا بتنفس الصباح أو عبير المساء تحت شجر نتفيء ظلاله، أو تحت سقف سماء قد تزينت ببهاء بدر اكتمل ونجوم تتلألأ كعيون الغواني في زينة مكاحلها. وما أروعها وأجملها من مشاهد حينما تزداد قدسية وجلالا عندما تغيب عنا لبرهة ثم نعود نجثو على الركب اشتياقا لها، وما أرفعها وأجلها من قداسة عندما نغادرها مكرهين على البلوى وجور السنين، وتقلب الأزمنة والدهور وتكالب أهل الدار والصديق والجار، قبل أن نذوق مرارتها من الأباعد والفجار. تلكم هي لحظة الوجع التي صوّرتها مدرسة الحب للمخرج صفوان مصطفى نعمو، عبر الفضائية اللبنانية MTV Lebanon؛ وما أروعها من مشاهد تعز على النفوس وتهز الفؤاد هزا، بل ويدمع لها الصفوان الصلد الذي يضرب به كل مثال في القساوة والغلظة.

لم يكن من بد لأهلنا في الشام سوى النزوح والخروج منها مطمئنين على أزواجهم وأبنائهم، آملين أن ينقذوا ما تبقى من زهرة الحياة التي تكالب على تدميرها القاصي والداني، وهم يحملون ما تأتى من المال والملابس ونزر من الطعام حتى يستقووا به على متاعب الطريق، -هذا إن تأتى لكثرتهم، وإلا فأغلبهم قد خرج منها خاوي اليدين سوى ما يستر جسمه- إلا أنهم (وعلى وقع الدمار الذي حل بدارهم ونزل بساحاتهم حتى وهم على أهبة الخروج: حينما تُفرغ كل الطائرات براميلها لتنفجر براكينا على بيوتهم وشوارعهم)، لم يرعبهم أو يشغلهم ذلك عن التزود بحبق من زعتر وياسمين الشام، أو يخبئوا من تحت أنقاض الأنقاض ذكريات الطفولة وأحلام الشبيبة، ودُمى كانت تلعب بها الصغيرات في الحارات الدمشقية، ورؤى الجدات، وكتاب خطّ على عَجل يؤرخ للحظة الوهن والفرح والدموع والزغاريد، وطلبٍ من إحدى الحوريات تخطب فيه الشهيد. حتى يتسنى للزائر الآتي يوم العيد، قراءة ما صوَره القوم.

لقد أبدعت مدرسة الحب في إخراج لحظة الوجع وتصويرها على النحو الذي عاشها الشاميون، بدأ من اندلاع الثورة مرورا بنزول الفتنة، ووصولا إلى بر الأمان وما ردفه من صعوبات، أو حينما انتهى الأمر بعدد لا محصي لهم إلا القدر في قعر المحيط، أو لفظهم الموج على شط خلجانه؛ وعيونهم جاحظة -من غصّات الموت- تحن إلى مثوى تحت المآذن والقباب، التي شربوا في جنباتها قهوة الفلق والغسق مع ملائكة كانت تناوب على حراسة غوطتها وجامعها الأموي، بدل أن يكوموا في قطع بلاستيكية ويوسموا بأرقام نكرة، لا رائحة تتضوع منها ولا بخور، ولا تاريخ تحمله أو حضارة...

إن لحظات الوجع قد تعددت وكثرت صورها بعدد أهلها النازحين، بدأ من الدمار الذي حل بسبب القذائف والبراميل التي سوت البيوت على الأرض، فقتلت ما سبقه الكتاب، بعدما أفلتت أنيابها ومخالبها ما أمّنه القدر المتربص وأمهله وقتا ليس باليسير. ومنهم من أخرجته من رحم الأنقاض يزفر موتا، ويتعرق دما يتضوع برائحة مسك الشهداء، بعد أن عطرته الملائكة واستثناه القدر الموعود آخر الأمر (لسماع دوي انفجار في بغداد). ومنهم من جرّته رصاصة غادرة أودته صريعا لا يلوي على شيء، بعدما نجا من دهس دبّابة. ومنهم الذي أوقفتهم اللحظة كالشهود حينما وقفوا كصف للصلاة يفتحون أيديهم لأبنائهم الذين دقت ساعة خروجهم من الفصل الدراسي، ليذعروا بهول المشهد حينما رمتهم السماء كسفا من القنابل معلنة عن ساعة انتهاء المشهد. وزادت مدرسة الحب في رسم قصة النزوح وما رافقها من صعوبات وعقبات كأداء، حينما استغل تجار الحروب مآسي البسطاء فطلبوا أموالا باهظة لكل فرد يريد سلك طرق الأمان قصد السفر إلى الدول المجاورة، ليحالف الحظ من تيسرت له السبل، وينغص القدر على آخرين ما هم فيهم من كدر العيش ومشاق الحياة، حينما تعرضوا للحوادث التي غيرت مجرى أحلامهم.

وما أصعبها من لحظات تلك التي ركزت فيها عدسات الكاميرا على سحنات اللاجئين عند وصولهم إلى تركيا أو إلى اليونان، بعدما أخذوا فسحة يرتاحون فيها وصاروا يربطون الاتصال بذويهم وأقاربهم ممن بقوا مكرهين في سوريا أو من سبقوهم إلى إحدى الدول الأوروبية. لتزداد حبكة المشهد وتختلط لواعج النفوس ما بين خبر يسر القلب أو نبأ عظيم يفجعه. فما بين سلام يقال وتحية تُرد تُطمئن الفرد على أهل بيته؛ سرعان ما تنسى وتضمحل تلك الابتسامات العابرة أمام من لم يرن هاتف أهله، أو بمن تفجع قلبه بالمصاب الذي سمعه، فلم يقدر على الإسهاب في الكلام وجلس يفكر في صمت أو صياح ولطم، ونهري عينيه يجريان. ويا له من خبر سمعه الأب واقتلع عقله من رأسه، عندما علم أن صاروخا قصف بيته وجعله دكا كأن لم يشيد من قبل، وقد انتزعت أرواح أبناءه وزوجه، فشهق شهقة أنست كل المكلومين آلامهم. وصاروا يواسونه جراء ما ألمّ به من هول اللحظة، ويتعزون في مصابهم وتصغر أوجاعهم أمام كل فجيع آخر موجوع.

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل انتقلت لحظات الوجع تمخر عباب الأمواج، وتصور الزورق السريع عندما غدا بلاجئيه نقطة في بحر لا يابس فيه، وقد تقطعت بهم السبل عندما احترقت آخر نقطة بنزين كانت تمثل لهم الخلاص المنشود؛ وحصل الأسوأ، عندما فار الماء من قاع الزورق بعدما ألمت الكارثة. فعلت الصيحات والآهات من الحناجر تتضرع الغوث من بارئها، بعد أن فقدوا السند على الأرض التي هاجروها كرها وقسرا.

شاب في ريعانه يعانق حسناء شامية ويأخذها بحرارة، يطمئن على حالها ويرسم معها آخر الأحلام التي ستغدوا للذكرى بعد نومه العميق. ووالد يبكي حاله لا يدري عن أهله وولده أوصلوا أم ألمّ بهم ما تأخر عن معاينته؛ أم أنه سينجوا من هول المقطع، بينما يخسر أهله الرهان. ولقد كان المشهد المؤثر حينما كانت تحمل أمّا وليدها وهي تلتفت يمنة للاطمئنان على بعلها، ويسرة لتطمئن على أختها، وتطأطئ رأسها تراقب الرضيع، وترفعه تارة تتضرع راجية يدا تتدلى لتمسح عن رأسها أفكار الموت والأماني الباطلة... يا للوجع الذي حطم فؤادها بعد أن نجت وحيدة بمعية صديقي المأساة، وهي تحضن رضيعها الذي ازرورق من شدة البرد وبرودة البحر، لتفجع بعد ذلك بوفاة زوجها، فتملأ الدنيا ألما وصراخا ودمعا يغسل وجهها، وحيث ما كانت تولول وتحثي التراب على حرقتها، وقعت عينها على أختها التي نجح جسدها في الوصول دون الروح إلى الضفة المرجوة...

إن مدرسة الحب ورغم لحظات الوجع والانكسار التي خيمت على أوضاع اللاجئين، لم تفوت بارقة الأمل التي انبثقت من هول الشدائد: فرغم وعورة المسالك والأخبار الأليمة وما اعتراها من قساوة الصورة، فقد أبت إلا أن ترسم البسمة في قعر الجحيم: عندما تطابق الجسد وتعانقت الأرواح بين العشيقين، وعلم الفرد منهم وصول ذويه إلى ألمانيا أو كندا...

ولقد كان مسك الختام الذي انتهى به تصوير الحلقات الأولى، معبرا أيما تعبير عن الألم والأمل الذي اختلطا آخر الأمر. فما بين بلاغة القصيد، وصور المأساة التي عاشها اللاجئون، لا سيما تلك الصور الحقيقية التي أخذت من أرض الواقع -والتي تناقلتها وسائل الإعلام الدولية- كانت الكلمة الأخيرة للشاعر العربي إبراهيم طوقان، في قصيدته موطني.

موطني الجلال والجمال / السناء والبهاء / في رباك

والحياة والنجاة / والهناء والرجاء / في هواك

هل أراك...



   نشر في 09 شتنبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا