ربما نحن لا نكبر ولا نصغر .. بل نعيش فقط - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

ربما نحن لا نكبر ولا نصغر .. بل نعيش فقط

سلامة الصغير

  نشر في 23 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 ماي 2019 .

كانت مفارقة غريبة حين قرر من قبلنا أين يضعوا للوقت معالم خطية على محور زمني، بينما سبكوا الساعة في حلقةٍ دائرية لا منتهية.. منذ بضعة أشهر قررت أن أضع للمنبه بطارية، لا للسبب سوى لرغبتي في سماع صوت الوقت، فمنذ أن لم يعد للوقت صوت ما عدنا نستشعره. كنت أصيخ للدقات في الليل، أصغي لصوت خطوات الوقت التي بدت ثقيلة، ورصينة، وبطيئة.. كان الوقت يسير بتؤدة... كمن لا شيء يستعجله. 

على مدى الأشهر الأخيرة كان الوقت يقاسمني فضاء غرفتي، يفضي إليّ ليلا بدقاته، ثمّ يصمت بين كل دقتين ليفسح المجال للعمر بأن يمر بينهما. 

وهكذا كان العمر يمر.. 

تتراكم الدقات.. يتراكم العمر بينها.. ووحدنا من عليه أن يقرر على أي نحو نرتبه..

تصطف سنوات عمري، في فوضى بديعة، على خط من الزمن لم تكن لي أي يد فيه.. ماذا لو لم يكن في الشهر ثلاثون يومًا، ماذا لو تقرّر أن يكون في السنة ألف يوم !! ما شأني أنا بدورة الأرض حول الشمس.. ماذا عن دورتي أنا.. حول نفسي، حول أشياء تعنيني أكثر عن قرب، أشياء يمكنني أن أقيس عمري بها..كأمزجتي مثلا !!

لمزاجي القدرة على أن يجعلني أشيخ بين لحظتين حتى تتغضن روحي، ثم يُفسح للطفولة لتتسلل إلى واقعي من جديد.. أتأرجح كبندول بين النضج والطيش.. أتوقف أحيانًا عن الحديث كتمثال بوذا الصامت منذ قرون. وفي أحايين أخرى، تنفجر ينابيع الكلام بداخلي، فأتدفق هادرا كشلالات نياجارا.. اتخذ في دقيقة أقصى القرارات تطرفًا.. وفي الدقيقة التي تليها أصاب بالتبلد.. تنفتح شهيتي للحياة حينًا، حتى أكاد ألتهم أفقًا بأكمله، وفي حين آخر تتكور في حلقي كلقمة، لا أقدر على ابتلاعها ولا على لفظها!! في أوقات يصبح قلبي واسعًا كأبدية، وفي أوقات أخرى يضيق كفردة حذاء.. في لحظات أشعر أنني أمتلك من الحب ما بإمكانه أن يحيل لون السماء إلى الفيروزي، وفي لحظات أخرى يصبح قلبي قطعة جليد لا يمكن لحرارة الشمس أن تذيبها.. 

في بعض الصباحات استيقظ بمزاج أخضر اللون، ثم يحول إلى الأسود دون المرور بأي تدرجات.. تعجبني فكرة الألوان، أطمح إلى أن أكون لونًا ذات يوم، وقتها سأصبح لونًا أسود، لونًا منغلقًا على ذاته، بالغ الغرور، طاغي الحضور.. أو ربما لونًا أخضر دون أي سبب واضح !!

أحاول الهروب من القوالب التي تنصب لي في كل منعطف كتوابيت مهيأة لتلقيَ. يبدو قالب الكاتب أضيقها، ، فأبعد الكتابة عني كتهمة، تزعجني هذه الصفة التي لا تشبهني، فأواصل بحثي عن كلمة أخرى تناسبني أكثر، كلمة بإمكانها أن تتسع لأخطائي، إخفاقاتي، نزواتي، مزاجاتي.. كلمة تتجاوز حدود الفعل.. كلمة مائعة، زئبقية، لا يمكن القبض عليها. 

يتمدد عمري ويتقلص كخيط مطاطي.. ربما نحن لا نكبر ولا نصغر، بل نعيش فقط، هكذا دون أي قيود زمنية، نمارس الحياة في مساحات مفتوحة، ويزداد رصيدنا بقدر كل المشاعر التي استطعنا أن نحتويها أو أن نمنحها.. بقدر كل الكلام الذي قيل لنا، بقدر القصائد التي كتبت لنا ولم نشعر بالحاجة لمشاركتها مع أحد، أو حتى لحفظها، بل فقط أن نعرف أنها هناك، تطفو في مكان ما من هذا الكون الفسيح.. بقدر كل الدموع التي تحولنا معها إلى كائنات مائية، وبقدر ما استهلكنا من صوتنا للضحك.. وبقدر ما نتذكره.. وبقدر ما ننساه أيضًا..

أطأ اليوم أرض النسيان بخطوات ثابتة.. 

من هذه الأرض، يبدو أولئك الذين عرفناهم يومًا، وأحببناهم دهرًا بعيدين جدًّا، بعيدين كذكرى باهتة، بعيدين كشيء لم يكن يومًا، أو ربما كانوا مجرّد وهم صنعناه بإتقان مفرط حتى صدقناه. ربما لم يعد مجديًا أن نراهن على العلاقات الإنسانية، لا يمكن أن نضع رهاناتنا على أشياء نسبية.. يكفي فقط أن نوسع أفق توقعاتنا أكثر كي لا ننصدم أكثر، لأن كل ما نعتقد أننا نعرفه ليس إلا انطباعات تشكلت مع الوقت.. لا يمكننا الجزم بمعرفة أحد، ولا حتى بأننا نعرف ذواتنا.. لا يمكننا ادعاء الفضيلة طالما تلطفت بنا الحياة ولم تجرنا إلى أوحالها.. لا يمكننا ادعاء التواضع ما لم نمتلك الجاه، لا يمكننا ادعاء الحلم ما لم نقبض على السلطة، لا يمكننا ادعاء الشجاعة ما لم نقف على مشارف الموت، لا يمكننا ادعاء الشرف ما لم تلح لنا رايات الإغراء.. لا يمكننا ادعاء أي فضيلة، ولا التنزه عن أي رذيلة، ما لم نخض فيما خاض فيه غيرنا. كان فعل "الأكل" خطيئة أبوينا الأولى، الخطيئة التي ما فتئنا نمارسها كل يوم، منذ آدم، بكثير من الاحتفاء.. الخطيئة التي غدت حاجة بشرية أكثر منها ترفًا، وكأنما وضع الله فينا هذه الحاجة لتذكرنا باستمرار أن الخطأ جزء من كينونتنا.. لم نخلق ملائكة منزهين عن الخطأ، ولا خلقنا شياطين مجبولين عليه، إنما خلقنا لنخوض كل ذلك الصراع بين الخير والشر، بين الخطأ والصواب، ثمّ نركن لأحدهما في النهاية..

في خضم كل هذا الصراع، أبحث عن نفسي، عن أنا الحقيقية، المجردة، التي كنت سأكونها سواء كنت الذي يكتب الآن أو كنت رجلا يصنع الفخار في جبال جرجرة، أو يجمع الحطب في سهول منغوليا.. تبدو المهمة صعبة في خضم حياة رقمية. وفي عالم مكتظ أصبحنا فيه مجرد هويات افتراضية، تصبح الحدود بين هوياتنا الحقيقية وهوايتنا الافتراضية غير واضحة تمامًا، بالنسبة لنا بقدر ما لغيرنا.. لم نعد نعرف أنفسنا، ولا الأشياء التي نحبها حقيقة، وليست تلك التي تُملى علينا من مواقع التواصل الاجتماعي، التي تصنع منا نسخًا متشابهة، نحب الأشياء ذاتها، نصغي للموسيقى ذاتها، نتردد على الأماكن ذاتها، نتبنى القناعات ذاتها، ونسلك المسالك ذاتها.. كائنات مهووسة بالكمال والمثاليات، كائنات ملائكية، قادرة "افتراضيا" على تأسيس مدن فاضلة عجز عنها أفلاطون.. ربما بعد كل هذه المثاليات، سيأتي على البشر يوم يصبح فيه الخلل، والعوج، والتشوه والتغضن أشياء قيّمة يفتقدونها.. 


فيما أنا أحصي عمري، يمر بخاطري شعب الايسكيمو الذي استطاع أن يعيش قرونًا دون أن تكون في لغته كلمة واحدة تعبر عن مفهوم "الوقت" أو"الزمن"، قبل أن تأتي به البعثات التبشيرية. لم يكن الايسكيمو في حاجة إلى الزمن، كانوا يؤرخون لحياتهم بالأحداث الكبرى، كانكسار جبل جليدي، أو نفوق حيوان ما.. وهناك، عند سقف العالم، كانوا يمارسون حياتهم بمنأى عن كل هذا الهوس بالوقت وحسابه.. لقد استطاع هؤلاء القوم أن يحدثوا ثغرة في جدار الوقت، ثغرة كفيلة بأن تعيد إحياء إمكانية عيش حياة بعيدا عن سلطة الوقت وسطوته بداخلنا..


قبل بضعة أسابيع، التقيت بامرأة لا أعرفها في سيارة أجرة، ولم يستغرق الأمر سوى ثوان معدودة قبل أن تبادرني بالحديث، ثمّ بضع دقائق لأمتلك فكرة كاملة عن حياة هذه المرأة، سنها، عملها، وظيفتها، عدد أبنائها، ماذا يدرسون، معاناتها، طموحاتها... دقائق لم تتجاوز العشر كانت كافية لمعرفة كل هذا. جفلت بينما كانت المرأة تتحدث، كيف يمكن للمرء أن يختزل نصف قرن من الحياة في أقل عشر دقائق.. كيف يمكنه أن يبصقها بهذا الشكل، في تلك اللحظة كانت الفكرة الوحيدة التي تدور في رأسي: لا أريد عيش حياة يمكنني أن أقذفها بمثل هذه البساطة في وجه غريب!! لا أريد حياة يمكنني اختزالها! أريد حياة وحده الصمت يمكنه أن يعيد سردها.. حياة أمتزج بها.. تخترقني، تبللني، تعلق بي.. حياة حقيقية وسط كل هذا طوفان الوهم هذا.. حياة أهيئ فيها لكل لحظة.. أعدّ للفرح موسمه، أنثر للسعادة ألوانها، ألبس حزني وقاره، وأركن مع نفسي إلى الموسيقى التي رافقتني من العدم إلى الوجود.. 


بعيدًا عن كل المثاليات، كان ما كتبته أبعد عن أن يكون نصا متناسقًا ومترابطا، بل مجرد أفكار غير مكتملة، متشظية، عرجاء، منكسرة، أطراف كلام مقطوعة، مع شيء من الفوضى، ما يجعله يشبهني أكثر.. هو حديث داخلي بصوت مرتفع، تقليدٌ دأبت عليه ، كنوع من الاحتفاء بتجربتي الإنسانية، بكل عيوبها ومزاياها.


المجد للمزاج وعلى الفوضى السلام



  • 3

   نشر في 23 ماي 2019  وآخر تعديل بتاريخ 23 ماي 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا