سلعة "الموت الرخيص".. متوفرة بالأسواق! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سلعة "الموت الرخيص".. متوفرة بالأسواق!

  نشر في 09 يناير 2022  وآخر تعديل بتاريخ 27 فبراير 2022 .

- "مش هكمل الحياة".. الطريق إلى النهاية يبدأ بـ"إيد الإنسان"!

تعتبر حالات الانتحار بمختلف قصصها هي القضية الأكثر تناولًا في مجتمعاتنا العربية؛ لما بها من "حكايات" تسلب العقل وتطيح بإتزان المنطق!، فكثيرًا ما سمعنا عن حالات أنهت حياتها عن طريق القفز من الطابق العاشر، ولكن الأمر تطور حتى وصل ذروته، فأصبح "برج القاهرة" هو المقصد الأمثل لتسطير الصفحة الأخيرة في حياة أحدهم!، ومن 187 مترًا تسقط الأحلام جثة هامدة!

2019

شهدت القاهرة يومًا مأساويًا حينما أنهى طالب الهندسة حياته بالقفز من أعلى "البرج" وسط العشرات ممن شهدوا الحادثة بقلب ينفطر من الألم وعقل ينتفض من صدمة ما رآه!، وحتى يومنا هذا تعتبر هذه الحادثة من أكثر الحوادث تأثيرًا في الشارع المصري بل العربي بأسره؛ فقد ذهب الشاب وكأنه "ريشة" في مهب الريح دون أن يتمكن أحد باللحاق به ليعود به إلى الحياة من جديد حتى وإن بغض العيش بها، فراح ضحيتها شاب "زي الورد" نتيجة ألم كابده في صمت ولم يشعر به أحد.

ولم تتوقف قضايا الانتحار عند هذا الحد فحسب، بل زادت وتطورت في أساليبها وطرقها التي يقف الإنسان الإنسان في ذهول ودهشة!، يتساءل في قرارة نفسه: " كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من الضيق والمُعاناة؟!".

فمنهم من ينهي رحلته على أرض الحياة بـ "شنق نفسه"، والبعض الآخر يلقي بجسده في النيل ليذوب به وكأنه لم يكن!، فبحسب بعض أُسر الراحلين أكدوا بأنهم شهدوا أوقات عصيبة حتى تغيرت تصرفاتهم عن المعتاد في فتراتهم الأخيرة، لتختلف الأسباب التي دفعتهم إلى ارتكاب هذه الجريمة، منها يعود إلى الانفصال عن الحبيب وهو الأمر الذي أغرقهم في موت من نوع آخر، فكان الرحيل عن الدنيا أهون من العيش على قيدها جسد بلا روح، ومنها في الخوف من مواجهة الأهل بفشل ما مثل الرسوب في امتحان أو عدم تحقيق الدرجات الكافية للالتحاق بجامعة بعينها، خلافات بين الزوجين تنتهي بـ"وداع وعويل"، أو نتيجة قضية أخرى لا تقل أهمية عن غيرها وهي قضية "الابتزاز الالكتروني" الذي تتعرض له فتياتنا اليوم، وهو ما انتشر في الآونة الأخيرة بين فئة الشباب "المراهقين"، حتى أصبحت طريقة الانتحار الناجمة عنه هو الأمر الذي يستحق أن نتحدث عنه نظرًا لعدم وجود وعي كاف به.

-"حبوب الغلة".. بطل الحدوتة الجديد!

الموت بأرخص ثمن .. سلعة العصر!

تعتبر "حبة الغلة" من الحبوب المستخدمة في عمليات حماية المحاصيل ومكافحة آفات الحبوب المخزونة، فهي الطريقة المُثلى في الحفاظ على محاصيل القمح من عمليات التسوس وهجوم الحشرات عليه ومن ثم تخريبه، حيث أنها تطلق غاز "الفوسفين" الناتج من التفاعل مع رطوبة الجو والذي يتخلل الشقوق والصوامع ليقوم بدوره الوقائي، تعتبر "حبة الغلة" قاتلة إن تناولها أي إنسان، كان عمدًا بقصد الانتحار أو بالخطأ في حال وجودها بقرب الأطفال دون رقابة، ولكن النتيجة واحدة في نهاية المطاف!، فلن يصل بها الإنسان إلى نتيجة تُرضيه بعد تناولها، فيُكتب عليه الموت في غمضة عين وتفشل جميع محاولات إنقاذه مهما تعددت!، والمؤسف أنها مُهملة "إعلاميًا" حتى أن الكثير منكم قد يكون جاهلًا بها ولم يسمع عنها من قبل!، ولكن اليوم وبعد حالات انتحار لا تُعد ولا تُحصى كانت هي بطلة المشهد فيه يكفي أن نُهشم مقاعدنا كمتفرجين والانضمام إلى صفوف المغيرين، في محاولة للتوعية بمخاطرها وإلقاء الضوء على حلول الأزمة.

تنتشر هذه الحبوب "السامة" في القرى المصرية التي تعتمد على الزراعة، حيث أنها معروفة بين المزارعين وتوجد في منازلهم؛ وذلك لأنها تعتبر سلاحهم الأول في الحفاظ على محاصيلهم بشكل آمن في تخزينها حتى إتمام توزيعها وبيعها.

ويعود سبب انتشارها أن بدائل استخدامها تعتبر مُكلفة وتحتاج إلى تمويل كبير بالمقارنة بها، ولكنه الأمر الذي كلفهم في المقابل الكثير والكثير برغم زهد ثمنها!

فما هو ثمن روح إنسان؟

تتصدر عناوين الصحف بشكل يومي أخبار ذات مضمون واحد:

"حبة الغلة قتلت فلان"، "المسشفيات تمتلئ بحالات انتحار بحبة الغلة"، "انقذوا الأبناء من قبضة حبة الغلة القاتلة".. لتستمر القصص وتنتصر "حبة الغلة" في كتابة نهاية لها، ولكنها نهاية مُفجعة!

"حبوب الغلة" تتصدر المشهد الإخباري.

توجد هذه الحبوب في الأسواق الخاصة بالمبيدات الحشرية بأسعار رخيصة؛ وهو الأمر الذي جعلها في متناول الجميع، الكبير والصغير، حتى من يحصل على قوت يومه "بطلوع الروح" يمكنه الحصول عليها ولكن للتخلص من حياته الشاقة التي لم يجد بها سوى العناء والظلم، ويكمن الحل لإنهاء هذه الحوادث في رفعها من الأسواق وخاصةً بعد زيادة حالات الانتحار بها، فقد أصبحت هي أسهل الأساليب لكل من ينظر إلى الانتحار نظرة الخلاص من أزمته مهما كانت "تافهة" في نظر الكثير، فتبدأ حيل وألاعيب الشيطان في تزيين الفكرة له ولكن الطريقة تقف عائقًا أمامه، فلا يعرف ما هي الطريقة الأنسب لتنفيذ مهمته الأخيرة دون أن يعلم بها الأهل أو يظهر عليه علامات الانتحار بعد رحيله، فالكثير من المنتحرين يرغبون في إنهاء حياتهم دون أن تظهر عليهم آثاره، يبحثون هنا وهناك على ما يُحقق لهم المعادلة الصعبة، التخلص من الدنيا دون ترك دليل خلفهم.

"عملية نضيفة زي الفل"

أن يكون رحيلهم "موت طبيعي" خوفًا على سيرة الأسرة من بعدهم وألسنة البشر التي لا ترحم، ووحدها "حبة الموت" القادرة على الأمر في هدوء تام، حيث يذهب الإنسان في صمت تام دون أن تُحدث جلبة ولذلك سُميت بـ"حبة الموت الصامت"، فما أن يبتلعها الإنسان حتى تتفاعل مع عصارة ورطوبة المعدة وهو الأمر الذي بدوره يُحدث تسمم سريع نتيجة خروج غاز "الفوسفين"، وهو الغاز الذي لا يوجد مصل مضاد له حتى اليوم!، ليقتنص الجهاز الهضمي ومن ثم فشل أجهزة الجسم الأخرى تباعًا كالجهاز التنفسي والكبد والكلى وأخيرًا القلب، لينتهي الأمر بالوفاة خلال ساعات قليلة يفشل فيها العلم في إنقاذ الحالة!

- "أنا متربية أحسن تربية".. فتاة تحمي شرفها بالموت!

انتشرت في الأسابيع القليلة الماضية قصة جديدة أعتبرها المُحرك الأساسي لفتح ملف قضية "حبوب الغلة القاتلة"، ألا وهي قصة "فتاة محافظة الغربية"، صاحبة الـ 17 عامًا والطالبة بالصف الثاني الثانوي، التي تعرضت لشكل من أشكال الابتزاز الإلكتروني، حيث ساومها بعض الشباب بـ"صور وفيديوهات مفبركة" لها مقابل تنفيذ طلبه بإقامة علاقة مُحرمة معه، وما أن واجهته بالرفض حتى نشر الصور على مواقع التواصل الإجتماعي، لتنتشر بعدها في الحي الذي تسكنه حتى وصل للأسرة، في تهديد صريح لها:"هجيب مناخيرك الأرض"، وهو الأمر الذي أشعل غضب الأهل والأقارب ولم تجد الفتاة إلا أن تحاول بكل الطرق إثبات براءتها مما نُسب إليها، وتفاقمت الأزمة بعد أن شهدت الفتاة تنمر أحد مُعلميها بأنها أصبحت "تريند رقم 1 في البلد" بما أسموه "فضيحة"، لتترك رسالتها إلى الأسرة:"مش أنا"، حتى وصل بها الحال إلى الانتحار بـ"حبوب الغلة" التي تسببت في إعياء شديد لها وأنهت حياتها بعد فترة قصيرة.

لم تكن القصة الأخيرة التي شهدناها الأيام الماضية، بل هناك المزيد والمزيد، فقد سبقها قصة لشاب من محافظة "الإسماعيلية" قرر أن تكون "حبة الغلة" هي الشاهد على نهاية لحظات حياته، حيث تناولها بعد أن رفضت أسرته الزواج بإحدى الفتيات فلم يجد إلا أن يرحل مُتغاضيًا عن كل شيء، وسرعان ما فقد حياته بعد أن تسببت الحبة في تلوث دمه، ليفقد وجوده أمام الحب مُنفذًا بمقولة:"ومن الحب ما قتل!".

وطالت محافظة "الدقهلية" نصيبها في تصدر أخبار الحوادث؛ حيث أقدم مزارع على الانتحار بعد أن نشبت خلافات مع زوجته، فكسبت "حبة الغلة" الرهان بينما خسر هو الحياة بما فيها.

وفي "المنيا"، ابتلع أحد الشباب حديث الزواج حبة ظن أنها "فياغرا"، ولكنه وقع ضحية "الحبة القاتلة"، حيث خرجت الزوجة تصرخ في محاولة للحاق بزوجها الذي أُصيب بإعياء شديد وفقد توازنه ووعيه، وبعد فحص الحبوب التي كانت برفقته تبين أنه تناول "حبة الغلة" بدلًا منها!، وهو الأمر الذي أودى بحياته في الحال.

وغيرها من القصص المؤسفة التي اُسند دور البطولة لـ"حبة الضياع" وأصبح الإنسان فيها "كومبارس صامت"!

- مطالبات برلمانية بمنعها.. فهل نسدل الستار على المأساة؟

اليوم بعد أن حصدت "الحبة القاتلة" أرواح العديد من ابناء الوطن، توجهت الأنظار إليها في حذر وترقب، حيث تقدم أحد أعضاء مجلس النواب المصري بطلب إحاطة إلى رئيس المجلس، في تحذير واضح من استخدام المواد الحافظة للغلال دون ضوابط لها، والمطالبة بتقييد تداولها من أجل تنفيذ الغرض منها فقط، حيث جاء ذلك بعد انتشار حوادث الانتحار التي نتجت عن تناولها ووجودها في الأسواق دون رادع.

السؤال هُنا:

هل نكتب النهاية لهذه القضية أم أن هناك المزيد من ضحايا حبة سعرها "2 جنية" ؟


  • 5

   نشر في 09 يناير 2022  وآخر تعديل بتاريخ 27 فبراير 2022 .

التعليقات

ياسر السيد منذ 3 شهر
احسنت والله ما زلنا نعاني
1
نورا محمد
على أمل أن نتخلص من هذا الكابوس.
هل نكتب النهاية لهذه القضية أم أن هناك المزيد من ضحايا حبة سعرها "2 جنية"/
و هل يوجد غيرك نورا من يملك الشجاعة ليضع حدا لهذه القضية ام سيكون هناك المزيد؟ ثم ماذا عن ضحايا الدول العربية الشبيهة لضحايا مصر؟لماذا لا يتكلمون بمثل جرأتك و يفضحون مافيا الدواء؟ هل كان كافيا اقالة الوزيرة السابقة هالة زايد لايهام المصريين أن محاربة الفساد على قدم وساق؟باختصار : من يغير الصحة في العالم العربي و يبني بنى تحتية سليمة من ملوثات الفساد.
أحسنت على شجاعتك.
2
نورا محمد
أستاذتي الغالية ومُعلمتي المبدعة، تعلمت الشجاعة من نبض قلمك وجرأة حروفك، قد تكون الكلمة هي سلاحنا الوحيد لنواجه سلسلة الفساد في جميع المجالات، قد لا نحتاج إلا للخروج عن صمت الخضوع، فهل لنا لقاء مع الحق؟، محاولات ومحاولات والسر حرف قد نصل به إلى بر الأمان..
أشكرك على كلماتك التي تقذف السعادة في قلبي وتلهمني وتدفعني للأمام، أنتِ لي مفتاح الإرادة والتصميم :)
د.سميرة بيطام
هل ترين نورا أن الجهر بالحق آلية لاسترجاعه أم أنك ترين في منح الزمن افرصة ليدير الأيام فتدور الدوائر على من طغى ..و بالتالي يعود الحق تلقائيا ..أيهما أصح ؟
نورا محمد
قد يكون الصمت في انتظار عودة الحقوق لأصحابها مهلة كافية لتحكم وهيمنة الظالم، قد يجدها علامة تسليم ورضا وقبول، فلم يخرج أمامه إنسان يعلن نكرانه لما يفعل ويحارب بأقل القليل وإن كان بالرفض القاطع له ولسيطرته.
السكوت عن الحق سلاح يدمرنا، كفيل بأن يسحق الأرض في غمضة عين؛ ليطغى الظالم في ظلمه دون رادع له، أجد أن الخروج عن النص يُحدث التغيير في كثير من الأحيان، وإن لم نجد المقابل الذي يشفي صدورنا من طعنات الظالم واستبداده يكفينا شرف المحاولة وشجاعة القول، وحينها يُترك الأمر لعدالة الزمن.
د.سميرة بيطام
أحسنت..كان سؤالا اختباريا لرجاحة عقلك..أؤكد ان لك مستقبل واعد باذن الله ..استمري

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا