سموه ما شئتم... إلا الحب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

سموه ما شئتم... إلا الحب

أي نوع من الحب هذا الذي يفسد و لا يصلح؟ يفرق و لا يجمع؟ يقتل و لا يحيي؟ يضعف و لا يقوي؟...

  نشر في 09 فبراير 2019 .

لم تكن أول مرة أقف فيها حائرة أمام دموع القلب و أوجاعه، لم تكن أول فتاة تصطدم بالحقيقة الموجعة فتتبخر كل الأحلام التي كانت تنسجها... هي الأميرة فيها و كان دائما هو بطلها، نعم هي تلك الأحلام الوردية الشهية التي تقرب البعيد و تحقق المستحيل، تأسرنا طويلا و تصبح جزءا منا...فلا نعود نرى بأعيننا و لا نسمع بآذاننا و لا نفكر بعقولنا.

لم أكن أعرف عن علاقتها بذلك الشاب الكثير، سوى أنها كانت تعيش مرحلة تعارف- ما قبل الخطبة- حسب تسميتها، على أية حال، كان الواضح أنها تعلقت به حد الجنون و أنها واقفة على أعتابه تنتظره... تنتظر اعترافا أو ربما مفاجأة لها بطلب يدها مباشرة منها أو من والدها... نسجت ألف قصة و رواية في مخيلتها عن طريقة اعترافه و عن يوم الزفاف و عن شهر العسل و عدد الأبناء. و ظلت تروي انتظارها بحديث إليه كل يوم تبحث في كلماته عن حجم تعلقه بها، فكان ذلك ترياقا يخفف ألم الانتظار.

و في لحظة، تغير كل شيء، فبعد أن ظنت أن الربيع قد حل و أن الأزهار قد تفتحت، جاءت العاصفة تدمر كل الأحلام و اختفى دفئ الكلمات فجأة ليمطر القلب دموعه بغزارة.

إنه لا يرد على اتصالاتها، و لا يجيب عن رسائلها... كان سبب الخلاف تافها بصدق – على الأقل بالنسبة لي- و بدا كأنهما يبحثان عن دراما لمحاربة الملل الذي يسود علاقتهما الغير الواضحة... لكنها كانت خائفة... تراه لن يعود حقا؟

أردت التخفيف عنها فقلت بحزم... إن الأمر لا يستحق كل هذا القلق و البكاء عزيزتي، امسحي دموعك و قرري قضاء يوم جميل... هناك بعض المواقف تخبرك بمعادن الناس... أعطه مساحة ليفكر، و أنت أيضا تحتاجين لحظة للاتخاذ قراراتك بشكل صحيح بعيدا عن الانفعال.

رمقتني بنظرة حادة، و كأنني أطلب منها إعلان العصيان، أو الكفر بكل الأديان.... و لربما كان هذا عليها أهون.

كانت نظرتها أبلغ من كل الكلمات، وصلتني الرسالة واضحة: أريده و فقط...

تراجعت، لأنه كان واضحا أن القلب قد تمرد على العقل، و لن تجدي مخاطبة العقل شيئا.

ترى... أهو الحب يظلمنا؟ أم أننا من نظلمه؟

أهو الحب أصلا من يعمي بصائرنا و يلغي تفكير عقولنا؟

كيف يكون الحب ذلك الإحساس الذي يرتقي بنا إلى عوالم من خيال، ثم يكون نفسه الذي ينزل بنا تحت أنقاض قلوب مكسورة؟ كيف يكون في نفس الوقت تلك الشعلة التي تدفئنا ثم يتحول إلى نار تحرق كل جميل فينا؟

أهو الحب حقا؟ أم أنه شيء آخر يتنكر في شكل الحب و يخدعنا؟

أي نوع من الحب هذا الذي يفسد و لا يصلح؟ يفرق و لا يجمع؟ يقتل و لا يحيي؟ يضعف و لا يقوي؟

هناك حلقة مفقودة في رؤيتنا للحب... فمن أين استقينا معانيه يا ترى؟ أتم تدريسنا إياها في المنزل؟ في المدرسة؟ أمام شاشة التلفاز؟ من الأفلام و المسلسلات الغرامية؟ أم من الروايات الرومانسية؟ ... أم من كلام الناس و همساتهم في آذاننا؟

لقد ارتبطت كلمة الحب عندنا بفارس الأحلام... ذاك الذي يختارك من بين جميع الفتيات... و يخطفك من بين أحضان أسرتك... سيعلن للعالم أنه يحبك... ثم سيتزوجك...

إنها النظرة الخرافية للحب... التي روجتها وسائل الإعلام فكانت مجالا خصبا للأرباح من وراء الأفلام و المسلسلات الدرامية ليومنا، لكنها دمرت العديد من الأشخاص و الأسر الذين اصطدموا بواقع مأساوي في الغالب لعلاقات كانوا يرون فيها النموذج للحب.

فأصبح الجميع يكتب عن الحب و علاقته بالزواج... منهم من يقول تزوج عن حب... لكن الواقع أثبت أن كثيرا من علاقات الحب تستمر قبل الزواج... و تحطم بعد الزواج بمدة قصيرة.

ثم كتب آخرون متشائمون بأنه لا وجود للحب أصلا... و ذهب آخرون إلى أن أنجح علاقات الحب تلك التي تبنى بعد الزواج معتمدين على نموذج الأجداد الذين استمروا في زواجهم سنينا...

قد أكذب إن قلت أنني أملك الإجابة...لكن كل ما أنا متأكدة منه أن المنبع الذي يستقي منه أغلبنا مفهوم الحب هو ليس منبع الحب الأصلي...

ماذا لو عدنا لأصل الحب؟

الله سبحانه أصل كل حب... نعم ربما تخبرني بأن حب الله و الوالدين و ..و ..و شيء... و الحب الذي نتحدث عنه شيء...

أظن أن للحب معنى واحدا... تطبق مبادئه في أي اتجاه أردت...

هل سبق و أن شعرت بحب الله لك؟ هل سبق و أن رأيت تجلياته عليك؟ نعم... تلك النعم التي تغرقك و أنت في غفلة عنه... تلك الدروس و العبر التي وضعها بين يديك كي يلهمك إلى الصواب.. إلى الجنة... إنه يواسيك حين تكون حزينا... و يعلمك كيف تصبر و كيف ترتقي بإنسانيتك و علمك و أخلاقك... ألم تشعر يوما أن القرآن مليء بالحب؟... إنه كذلك حقا...

ماذا عن أمك؟ تلك التي تحبك دون شرط، دون قيد، تعطيك دون أن تسأل، تشجعك للوصول إلى أهدافك، توجهك و تصارحك بعيوبك و تساعدك على الرقي بنفسك... تسامحك على هفوات لسانك... و لا تحاسبك عن أخطائك... ألم تشعر يوما بحجم الحب الذي تحمله والدتك؟

كذلك الأب، و حجم تضحياته دون مقابل...مساندته لك و تشجيعه...فقط كي تكون أنت ذلك المستقبل الجميل.

الحب يحيطنا من كل جانب... لكن لا أحد يعترف لنا به قولا... إنما نعيشه و نراه في كل حركاتهم و سكناتهم...

إنه الحب الذي يدفعنا للأمام... يحيينا و يقوينا... يجمعنا و لا يفرقنا... يبنينا و لا يهدمنا... إنه حاجة ضرورية لنستمر في الحياة...." الحب ضروري لمواجهة الخراب" كما قال الكاتب فيصل عثمان.

إن كان هذا هو الحب؟ فما هو إذن ذاك الشعور الذي يجعلنا متعلقين بشخص دون آخر حتى و إن لم نكن نعرف عنه شيئا؟ أو نعلم حق العلم أنه لن يكون إلى جانبنا و لن يصبر على هفواتنا... لن يخلص و لن يفي؟

ما هو ذلك المارد الذي يوقفنا عند باب الانتظار، لتمر الحياة بئيسة بين أيدينا؟ ما هو هذا الشيء الذي يترك وجعا بقلوبنا الضعيفة؟ و يحطمها حتى قبل أن تسعد بالفرح... الأكيد أنه ليس الحب.... و أنه أي شيء آخر...إلا الحب.

سميه وهما صدقه القلب... سميه إعجابا أو عشقا جاء في صورة حب... سميه تمردا أو نزوة... هوى أو ضعفا ... سميه ما شئت ... لكن لا تظلموا الحب.

أخيرا... لست أعرف عن الحب سوى ما يحيطني... وأراه الأصل الذي ستنجح به أية علاقة إنسانية.

إنه لا يرتبط بالنظرة و لا بالشكل لا بالمال و لا بالأصل...

الحب ينشأ حيث وجدت الرحمة و المودة ، حيث وجد الاهتمام و المساندة حيث وجد الأمن و الدفء و الطمأنينة، لا ينشأ برسائل عبر النت أو باتصالات عبر الهاتف و لا عند طاولة عشاء.

لذلك لا يجب أن نغالط أنفسنا عند تعلقنا بسراب أو وهم ولا يجب أن نحمل الحب كل آلامنا... الحب حقا بريء و كل أوهامنا نسج لخيالنا، فمتى حكمنا العقل، أدركنا الحب من الوهم... و حيث أدركنا الحب... سنجده بالتأكيد.


  • 7

   نشر في 09 فبراير 2019 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 3 يوم
مقال حضرتك رائع فى استعراض الحب وقيمه وقيمته فى الحياة ولن أجد ماأضيفه بعد كلمات وتعليقات الزملاء والزميلات الأفاضل هو باختصار المودة والرحمة تحياتى لكم وللجميع ولى اجتهادات فى هذا الموضوع القيم على صفحتى هنا مقال بعنوان " مملكة الحب" وكذلك على الرابط التالى مقال بعنوان " عمر الشريك" اتشرف بدعوة الجميع للقراءة وابداء الرأى https://www.rqiim.com/agwad
فعلا استفيد واتعلم من كل رأى وأرجو لكم كل التوفيق
0
زينب بروحو
شكرا لمرورك أستاذ عبد الجواد... متشوقة لقراءة مقالاتك المميزة على مدونتك.
لقد وضعتى زينب.. معظم النقاط على الحروف فيما يتعلق بالحب الحقيقي ( الذى ينشأ حيث وجدت الرحمة و المودة ، حيث وجد الاهتمام و المساندة حيث وجد الأمن و الدفء و الطمأنينة و الذي يدفعنا للأمام... يحيينا و يقوينا... يجمعنا و لا يفرقنا... يبنينا و لا يهدمنا... إنه حاجة ضرورية لنستمر في الحياة....) .وذاك الآخر الذي لا يعد حبا ( إذا كان يفسد و لا يصلح يفرق و لا يجمع يقتل و لا يحيي يضعف و لا يقوي ).. إبداع بامتياز مقالك زينب..
2
زينب بروحو
شكرا لتشجيعك المتواصل أستاذ إبراهيم. سعيدة بمرورك دائما.
مقال رائع
3
زينب بروحو
و الأروع مرورك العطر ... شكرا لك
Salsabil Djaou منذ 6 يوم
فعلا الحب هو الرحمة و المودة و الإحترام ، لم يكن أبدا ألما و خداعا و تعلقا بوهم ، مقالك رائع طبيبتنا الموهوبة .
4
زينب بروحو
شكرا لمرورك العطر صديقتي
وصال الخمتاني منذ 1 أسبوع
أنت رائعة و مقالك هذا أروع الفكرة راقت لي كثيرا فاستمري وفقك الله
4
زينب بروحو
سعدت بمرورك المميز دائما عزيزتي ^-^
yasaminsabah منذ 1 أسبوع
مقال رائع
5
زينب بروحو
شكرا لك عزيزتي :)

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا