موسم الحصاد وموسم الكساد - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

موسم الحصاد وموسم الكساد

  نشر في 03 يونيو 2022  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2022 .

عندما كنتُ طفلاً صغيراً كان أقصى طموحاتي في موسم حصاد القمح أن أعتليَّ آلة الحصاد الضخمة التي كانت تلتهم سنابل القمح الذهبية التهاماً كوحشٍ كاسر بلا رحمة ولا شفقة، كانت وقتها تسير وسط حقول القمح كسفينة في عرض البحر، جميلٌ جداً ذلك المشهد، الحقول، الناس تنتظر دور الحصاد، قوارير الماء الباردة وسط الجو اللاهب، أكياس القمح الملقاة على الأرض، سنابل القمح الذهبية فارعة الطول التي كانت أطول مني بكثير!.

وقتها لم أكن أعرف هل كانت حقاً أطول مني أم أن قصر قامتي الطفولية جعلتها تبدوا لي وكأنها عملاقاً كبيراً أمام جسدِ طفلٍ صغير؟!

المهم أن ذلك الطموح لم يتحقق في ذاك الوقت فقد كان محرماً على الأطفال إعتلاء تلك الماكنة الضخمة، حقيقةً كنت لا أعرف وقتها سبب ذلك التحريم أكان خوفاً علينا أم أنه كان للأطفال حدوداً يجب أن لا يتعدوها وأن إعتلاؤها حكراً على الكبار فقط للحفاظ على هيبة الحصاد؟!

على أية حال ظل ذلك الطموح يراودني يطاردني حتى في أحلامي وأخيراً وبعد طول إنتظار تحقق ذاك الحلم الجميل، لكنه تحقق بعد فوات الأوان، فالأشياء الجميلة غالباً ما تأتي متأخرة!

تحقق ذلك الحلم بعد أن أصبحت تلك السنابل أقصر مني بكثير وذاك البحر من الحقول أصبح بقعة ماء صغيرة وتلك السفينة أصبحت زورقاً لايكاد يتسع لشخصٍ واحد وتلك الوجوة التي كانت تُقَيِد حركة الأطفال وقت الحصاد رحلت! لم يبقى إلا القليل، بقايا موسم حصاد، قليل من بركة، كثير من شقاء، وجوهٌ متعبة حائرة تبحث عن المبتور من أشلاءِ أمل بعيشِ حياةٍ فيها قليلٌ من كرامة، نفوسٌ معذبةٌ مرهقةٌ تركض وراء عيشٍ حدَ الكفاف، لكن هيهات هيهات!

فما بين الموسمين خسرنا الكثير وفقدنا الكثير، بلدانٌ دمرت وأوطانٌ أبيدت، أقطارٌ هدمت وقيمٌ نسِفت ومبادئٌ تجزأت، كنا سلة غذاء للعالم فأصبحنا مكباً لنفايات العالم، كنا متقدمين فأصبحنا متأخرين، كنا مزدهرين فأصبحنا متقهقرين، ويأتيك بعد كلِّ تلك الهزائم من يحدثنا عن الأمن الغذائي العربي ويحدثنا عن التقدم و التطور والإزدهار!. فكلما تذكرت ما صرنا إليه من هوان تذكرت قصيدة الراحل نزار قباني بزوجته وحبيبته بلقيس الراوي، حين قال:-

"بلقيس .. يا وجعي ..

ويا وجع القصيدة حين تلمسها الأنامل

هل يا ترى ..

من بعد شعرك سوف ترتفع السنابل ؟

يا نينوى الخضراء ..

يا غجريتي الشقراء ..

يا أمواج دجلة . .

تلبس في الربيع بساقها

أحلى الخلاخل ..

قتلوك يا بلقيس ..

أية أمةٍ عربيةٍ ..

تلك التي

تغتال أصوات البلابل ؟

أين السموأل ؟

والمهلهل ؟

والغطاريف الأوائل ؟

فقبائلٌ أكلت قبائل ..

وثعالبٌ قتـلت ثعالب ..

وعناكبٌ قتلت عناكب ..

قسماً بعينيك اللتين إليهما ..

تأوي ملايين الكواكب ..

سأقول ، يا قمري ، عن العرب العجائب

فهل البطولة كذبةٌ عربيةٌ ؟

أم مثلنا التاريخ كاذب ؟"

J.Y.J


  • 5

   نشر في 03 يونيو 2022  وآخر تعديل بتاريخ 07 يونيو 2022 .

التعليقات

ياسر السيد منذ 3 أسبوع
احسنت النشر
0
jjounidy
جزيل الشكر
مريم منذ 3 أسبوع
مقال رائع... وصادق... لامس قلبي وذكريات بعيدة...
لم يعد للأشياء ذات المذاق ونحن صغار...
لنا الله.
0
jjounidy
شكرا جزيلا

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا