الرأسمالية الحديثة وتدميرها لنظام الأسرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الرأسمالية الحديثة وتدميرها لنظام الأسرة

هيام فؤاد ضمرة

  نشر في 22 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 25 يناير 2019 .

الرأسمالية الحديثة وتدميرها لنظام الأسرة..

هيام فؤاد ضمرة..

هناك معاناة أسرية عظيمة سادت خلال القرن العشرين، تُعانيها الأسرة بسبب خروج الأم للعمل وغيابها عن أطفالها الوقت الطويل، وتأخر الأب عن أسرته في العمل إلى وقت متأخر يستنزف قواه وذهنه، ووصوله إلى حالة من الإجهاد التام القريب من الإنهيار في نهاية دوام العمل، مقابل أجر شهري لا يفي بمستلزمات بيته لو كان هو المنفق الوحيد في الأسرة، فقد باتت المرأة مُلزمة بالعمل، وبات الشاب يشترط الزواج من زوجة عاملة تُعينه على نفقات العيش، مما انعكس سلباً على حياة أفراد الأسرة بالكامل، وفتت الروابط والعلاقة بين الوالدين والأبناء بصورة جلفة، وبين الزوجين أنفسهما وقد أصبحا في حالة من الارهاق الجسدي والنفسي حدود قصوى حين عودتهما إلى بيتهما، وبين الأسرة وأقربائهم من والدين وأعمام وأخوال إلى الامتداد الأوسع، بمعنى تفكك العلاقات الأسرية الممتدة وبرودها، وافتقاد الأبناء لحنان ورعاية الأم التي هي العماد التربوي في التنشئة الايجابية للأبناء، وافتقادهم للتغذية الصحية السليمة مما يحتاجونه مع غياب الأم، مما ولد حالة من القهر النفسي لدي الأبناء وأفقدهم المشاعر الطبيعية السليمة التي يحتاجونها.

فالأم تعيش معاناة نفسية شديدة مع نفسها من تأنيب ضميرها، ولوم نفسها على تقصير تحسه بداخلها، هي مشاعر سلبية تحدّ من عملية إطلاق عقلها بالإبداع في عملها، وبنفس الوقت يُشعرها ذلك بالذنب لتقصيرها بالإبداع بتربيتها لأبنائها، وإعطاءهم حقهم الطبيعي في احتضانهم، ومنحهم الحنان الذي يُشبع نفوسهم ويهدئ من روعهم مما يقابلونه خلال غيابها، خاصة أنه ثبت عملياً أنَّ الخادمات والمُربيات وحتى مراكز الحضانة لم تكن الجهة البديلة الأمينة بالتعامل مع الأطفال واحتوائهم بالصورة السليمة، ورعايتهم الرعاية الصحية والنفسية المناسبة، فليس من أحد قادر على أن يمنح الأطفال ما تمنحه عادة الأمهات بفطرتهن السليمة.

فالقوام الأسري اليوم بات رخواُ ومعقداً في حضور التكنولوجيا التي اقتحمت الحياة بكل مفاصلها وباتت تشكل مجالات خطيرة أمام تربية الأبناء وسلامتهم على الرغم من حسناتها وايجابياتها، واختراق المخدرات حصون الأسرة إلى أطفالها الصفار، فقد كثرت المنافذ إلى حصون الأسرة، وباتت جدرانها عرضة للتخريب والنكث من أصحاب النفوس المريضة في غياب حاميها من كلا الوالدين المرهقين في العمل لتأمين متطلبات أمن أسرتهما.

فنظام العولمة الذي اعتمد نظام الرأسمالية، والتسهيلات الحدودية البينية، وسهولة حركة التنقل بين دول العالم، وانفتاح العالم على بعضه البعض، ودخول التكنولوجيا الحديثة في العلاقات والصناعات والتجارة وحركة الأموال، كلها مجتمعة أوجدت إشكاليات لا حصر لها، أشدها صعوبة على الاطلاق، هو الانهيارات المتعددة والمتتالية للأسواق العالمية، وتجمع الأرباح بين أيدي فئات بعينها ملكت زمام الاقتصاد العالمي بيد قوية، مما أدخل العالم في مأزق تاريخي لهذا النظام الرأسمالي، تسبب في تضييق الفوهة لتوفر فرص العمل، وانخفاض الأجور، وصعوبة دخول أسواق العمل، وصعوبة الثبات فيها إلى وقت طويل، وتلاحق الخسائر، وتبدل الرؤى والتصورات حول سُبل العيش ومجالاتها، وتبدل المستوى المعيشي ذاته داخل الأسرة، ودخول محفزات أوجه الإنفاق، مما أثر على المستوى المعيشي للأسر وبات العمل لكل أفراد الأسرة متطلب أساسي للزومية توفير العيش الكريم.

وبالطبع مثل هذه الظروف كلها التي اشتركت حكومات الدول النامية للترويج لها على مراحل متتابعة، إلى أنْ تمكنت من إخراج المرأة من بيتها، وإحداث التغيير في المفاهيم والقيم وحتى العادات، وبالتالي تمكنت من قلب هذه العادات والرؤى باتجاهات مغايرة لما كانت عليه في سابق عهدها، فالعالم اليوم يواجه نمطاً مغايرا للتفكير والرؤى، يجعل الوالدين في حيرة من أمرهما في كيفية ايجاد أرض ثابته لأسرتهما، وإحداث التوازن بين واجباتهما الأسرية والعملية، وتوفير العدالة تجاه واجبات أبنائهما من ناحية، وبين ظروف العمل التي لا مناص منها لتأمين فرص عيش كريم لأفراد أسرتهما وحصولها على الامتيازات.

فالرأسمالية هي نظام اقتصادي ذو فلسفة اجتماعية وسياسية تقوم على أساس تنموي يهتم بالملكية الفردية على مفهوم الحرية الفردية من أجل تعزيز الملكيات العامة، بارتباط أسعارها وأرباحها بحركة السوق وتوفر العرض والطلب.

فلولا أن النظام الرأسمالي هو من تمكن من إخراج المرأة من داخل عرين أمانها الإجتماعي، ومن قلب واجباتها الطبيعية، ما كانت حدثت هذه الإشكاليات ولا عانى أفراد الأسرة هذه المعاناة القهرية، ولا دخل الرجل في حيز البحث عن عاطفة جديدة خارج حدود الزواج، ولا تجارأت الإناث العذارى على تقبل حالة خطف الأزواج من أسرهم مع تعاظم نسبة العنوسة وعزوف الشباب عن الزواج بسبب كافة الظروف الاقتصادية والمالية في تدني الأجور وصعوبة الحصول على عمل، والغلاء الفاحش الذي لعبته الآلة المالية الاقتصادية والسياسية مجتمعة لتحقيق مآرب أبعد كثيراً مما يتصوره العقل البشري، فالعالم اليوم يقع بين براثن كائدة وطامعة بتحقيق مآرب التحكم بالعالم وبالدول وسياساتها.. العالم اليوم يعيش بدايات تدميره، وانقلاب المتحكمين به وقلبه إلى عبيد العصر الحديث.

الرأسمالية كانت وراء مطالب المساواة الجندرية، لتدعم مصالحها الاقتصادية، وهي من أحدثت الجلبة القوية لتغيير وجه العالم، وإسقاط كافة الحواجز بين المرأة والرجل، كانت المرأة مخيرة بين البقاء بعملها أو التفرغ لواجبات أسرتها، اليوم ليس هناك من خيار فقد بات دخل رب الأسرة لا يفي بأبسط حاجات الأسرة من تأمين السكن، وفرص التدريس الجيدة، وتأمين متطلبات العيش والعلاج والترفيه.

إذن نحن مدركون اليوم لحالة خروج المرأة للعمل وتأثيره على الأسرة، وبالذات تأثيره على النواحي التربوية للأبناء وحقهم بالرعاية النفسية والصحية والتحصينية والتحصيلية، مما بات يتحوطهم من مخاطر كثيرة دخلت عرين خصوصيتهم وخصوصية المرأة التي كانت محصنة من الاختراقات،

فالنظر إلى المرأة بصفتها الأنثوية يفتح باب التساؤل: حول ماهية واقعية المقاصد التي تتناولها كمؤثر اقتصادي مهم في هذه المرحلة العصيبة، متجاهلة أثرها الاجتماعي الأهم وحالتها النفسية وحاجة أطفالها لوجودها، بل تعمل على حسابها النفسي والبدني.. فاستخدام مصطلح (الفيمنيزم) كتعبير عن الأنثى هي محاولة للتمركز حولها في مقابل إقصاء الرجل في معاداة واضحة بينهما، وهو الذي لا يجب حدوثه بأي شكل من الأشكال، وهو سياق يقلل من قيمتها الأسرية فلا مجال للمفاضلة بين المصلحة الإنسانية والمصلحة المادية بأي حال.

الغريب والعجيب أن يصدر ذلك القول عن إحدى ناشطات الفيمنيزم " إن المرأة سظل مستعبدة حتى يتم القضاء على خرافة الأسرة وخرافة الأمومة" معتبرة أن داخل هذه المنظومتين تتحول المرأة إلى مستعبدة، وهي بذلك تستبعد حالة الاشباع النفسي الإنساني للطبيعة الفطرية التي خلق الله عليها الإنسان، مما يسوق الأمر للاضمحلال الإنساني داخل إطار الجماعة الإنسانية الشاملة.

بهذه الصورة المريضة يتحقق ذلك العداء بين الأسرة والرأسمالية تلك التي تسعى لشيأنة المرأة وتفريغها من محتواها الإنساني وإقصائها عن دورها الطبيعي لصالح المصالح الانتاجية لمطالب الحياة المادية، الأمر الذي تسبب في المجتمع الغربي إلى عدم الرغبة للانتظام تحت مظلة الزواج وولادة أعداد هائلة من الأطفال غير الشرعيين وتدني القيمة الأخلاقية في التعامل مع هؤلاء الأطفال وافتقادهم النسب والعاطفة وربما الأمن الاجتماعي، فالأمر المؤسف أنّ النظام الرأسمالي بُنيّ على أنقاض الأسرة دون أن يقيم عليها صلاة الوداع.


  • 1

  • hiyam damra
    عضو هيئة إدارية في عدد من المنظمات المحلية والدولية
   نشر في 22 يناير 2019  وآخر تعديل بتاريخ 25 يناير 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا