عندما تسافر بمفردك للمرة الأولى .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عندما تسافر بمفردك للمرة الأولى ..

  نشر في 15 غشت 2017 .

دارت كل هذه الأفكار في ذهني في طريقي من المنزل إلى البحر الذي اشتقت إليه كثيراَ كعادتي ، كانت المرة الأولى التي أحظى فيها بتجربة السفر بمفردي ، دون وجود الأهل والعائلة ، وإزعاج الأطفال الصغار ، على الرغم من أن كل تجربة لها ما يميزها ويجعلها فريدة عن غيرها ، وأن كل فاكهة لها مذاقها الخاص الذي نشتاق له على اختلاف أنواعها ، ما جعل التجربة ذات سحر خاص هو أن السفر كان ليلاً ، و شعرت أنه ينقصني وجود إحدى الصديقات تلك اللواتي يمتلكن حساً فلسفياً في تفسير الأمور واللاتي يقدرن على استيعاب أكبر قدر من التفكير الذي أخوضه يومياً وأغرق بداخله حتى أنني لا أجد لنفسي مخرجاً ، ولكن اعتبرت أن هذه هدية من القدر لأستمتع بالهدوء وأسترخي قليلاً كمحاولة لترتيب الفوضى العارمة في رأسي منذ وقت طويل ..

بدأت الرحلة ، وبدأت أتابع الطريق ليلاً في مثل هذه الساعة المتأخرة ، تأكدت من قطع الاتصال بشبكة الإنترنت عن هاتفي حتى يتثني لي التعمق في كل ما أراه ، كنت أحدق في ملامح جميع من أراهم يتجولون في الشوارع والأطفال الذين يستمتعون باللعب دون اكتراث لتأخر الوقت ، ورجال أنستهم الرفقة والأنس أن يسألوا عن الساعة غير مهتمين بمرور الوقت بهم ، شعرت بسلام نفسي وهدوء لمجرد التفكير بأنني على أعتاب شئ جديد أعيشه للمرة الأولى ، وعقدت النية على أن أستغل هذه الفرصة جيداً متغلبة على كل المخاوف التي تسيطر عليّ في مثل هذه المواقف ، عاهدت نفسي على أن أعثر على السلام في ذاتي ، أن أبتسم أكثر مما أستطيع وألا أعطي للحزن مساحة في قلبي وألا أعيره الكثير من الاهتمام ..

كانت الساعات الأولى مليئة بشيء من الرهبة لتغيير المكان ولحاجتي الماسة في تكوين صداقات تجعل لهذه الرحلة ذكريات سعيدة ترسم البسمة على شفتاي حينما أتذكرها بعد مرور أعوام عدة ، بدأت بالتجول في المكان بعد أن قضيت ما يقرب من النصف ساعة في تأمل أمواج البحر الهادئة بمجرد وصولي ، على الرغم من شدة الحرارة والشمس التي كانت ترحب بي ترحيباً حاراً إلا أنني كنت مثل طفلة صغيرة لأول مرة ترى البحر في حياتها ، تحملني البهجة من مكان إلى آخر بعد أن زاد الاشتياق لرؤية البحر عن الحد القابل للاحتمال ، كنت حريصة على انتقاء رفقة جيدة تبادلني الأنس والضحكات وبدأت في محاولة بدء حوارات معهن بدت جيدة إلى حد كبير ، بالنسبة لشخصية لا تهوى الاختلاط بالناس ولا يكسبوا ثقتها سريعاً .

استلمنا الغرف وبدأنا بالاستعداد لقضاء أول أيام الرحلة ، فمرت الأيام دون أن أميز بعضها بعضاً ، ولكني كنت متيقظة لأدق تغيير يطرأ على نفسي ، فلاحظت في نفسي قوة وبهجة لم أعتدها ، وفخر بذاتي لأنها للمرة الأولى قادرة على ألا تعتمد على أحد سواها ، استمتعت بوجودي بمفردي على بُعد مئات من الكيلومترات تفصلني عن المقربين لقلبي ، وشعرت بالنشوة والانتصار لتغلبي على جميع أحزاني والآلام التي عايشتها لفترة لا بأس بها ، وأنني مازلت قادرة على أن أطلب من ذاتي أن تضع كل شيء جانباً وتسلط كل تركيزها على أن تكون سعيدة فقط ..

قضيت يوماً كاملاً في باخرة تجوب البحر الأحمر بأكمله ، وكان هذا اليوم من الأيام التي حُفرت في ذاكرتي حفراً لأنني على ثقة تامة بأنني لن أنساه أبداً ، قضيت معظم الوقت في تأمل أمواج البحر ، والتركيز على الإحساس بقطرات الماء وهي تتصادم مع قدماي ، واختلاط الشعور بالمياه الباردة التي تشعر بها أصابع قدماي ، والشمس الحارقة التي تلهب وجهي ، كان شعوراً مختلفاً والأهم منه أنني كنت شديدة الحرص على أن أغرق بداخله ..

 زارتني تلك الأفكار محدثة نفسي بأن هناك على هذه الأرض ما يستحق الحياة ، وبأن كيف يجرؤ المرء على أن يتمنى الموت من أعماق قلبه ، ظناً منه أن لا شيء يستحق عنائه ، فهمت جيداً أن أحياناً تضيق بي الأرض بما رحبت ، وأنظر تحت قدماي فقط ، غير عابئة بما ينتظرني على الضفة الأخرى من العالم ، ماذا لو كان انتصر ضعفي و انتهت حياتي عند تلك النقطة السوداء من عمري ، بكل يقين لم أكن لأستمتع بتلك اللحظات التي أعيشها الآن ، ولضاعت الكثير من السعادة التي لم أتذوقها من قبل ، أحمل الآن في قلبي معنى راسخاً أن الحياة خليطاً معقداً من الحزن الممتزج بالأمل ، والفرح المرتبط بالخوف من المستقبل ، وأنه مهما ازدادت اللحظات شدة وقسوة ، لابد أن تمر وتنتهي .. لأن هناك دائماً لحظات شديدة اللذة تمحي بداخلنا آثار المعاناة والحروب التي لا يسمع عنها أحد ، سنتألم كثيراً لأننا مازلنا على قيد الحياة ، متمسكين بأحلامنا صعبة المنال ، ولكن حتماً سنصل يوماً إلى درب لا نذوق فيه ألماً أو يأساً ، طريق تزين الزهور جانبيه ، ونستنشق فيه أريج متصل لا انقطاع له ، وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا..


  • 5

  • نادين عبد الحميد
    ربما لا أتمكن من الكتابة بالشكل الذي أرجوه لكنني على ثقة أن الكتابة تمكنت مني .. فإنني لا أمارسها فعلاً وإنما أتنفسها هواءً هو المعين لي كي أستمر على قيد الحياة ..
   نشر في 15 غشت 2017 .

التعليقات

creator writer منذ 3 شهر

"هناك دائماً لحظات شديدة اللذة تمحي بداخلنا آثار المعاناة "

رائعة بكل ما تحمله الكلمة من معنى .
0
Amin Almitwaliy منذ 3 شهر
وصف رائع حقا
0

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا