خادم المقبرة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

خادم المقبرة

  نشر في 13 فبراير 2019 .


سألتني احدى الاخوات يوماً بعد ان تجاوزت غربتي العشرين عاماً ( ما اكثر شئ تفتقدينه هنا وتشتاقين له في بلدك ؟؟؟ ) كان سؤالاً ليس عابراً بالنسبة لي وربما اختُصرت في تلك اللحظة سني عشرين عاماً مضت من عمري في حالة شريط متحرك في ذاكرتي ...لم اتردد كثيراً في الاجابة واجبتها والدموع في عيني ( مقبرة الحي عندنا ) نعم اشتاقها شوقي لأهلي وصحبتي وخلاني ...أشتاق هواءها النقي الذي تستطيع ان تميزه عن الهواء خارجها رغم انه لايفصل بينهما الا باب حديدي ولكنه هواءٌ مختلف تتنشق معه عبير الآخرة ورائحة الغائبين الحاضرين هناك ...هواءٌ يتسلل الى اوردة قلبك بكل هدوء ليسرق منه ما اهمه واغمه ويُبدله سكينةً وهدوءً واطمئناناً ....

السلام عليكم اهل ديارٍ مؤمنين انتم السابقون ونحن بكم ان شاء الله لاحقون ....

لم يكن يمر يوم جمعة الا ويجب ان ازور المقبرة لا ادري كيف استطاعت جدتي رحمها الله ان تقنعني ان يوم الجمعة يُستحب فيه زيارة المقابر !!!!! ولعل الله تعالى الهمها ذلك ليجعلني أرتاد ذلك المكان كلما قسى قلبي وضاقت علي نفسي وأُثقلت بهموم الدنيا ....كان شيئاً ما يجذبني اليها لا اعلم ماهو !!!

حتماً ستجد نفسك هناك وانت تنظر الى بيتك الحقيقي ينتظرك لتدخل فيه بشحمك ولحمك وذنوبك واعمالك الصالحة والطالحة وقرآنك واذكارك وحقوق الناس عليك ....

في كل مرة كنت أضيع قبر جدي رحمه الله وابحث عنه بين القبور ولا اجده الا بعد ان يراني خادم المقبرة ( تعالي يابنتي قبر جدك هنا ) ويدلني عليه ...صار خادم المقبرة جزء من حياتي بيديه المغبرتين وسرواله القديم ومخطوطات وجهه الحزين البائس وكأنه كان ينتظرني كل جمعة ويسألني نفس السؤال ( هل تريدي ان اسقي لكي القبر ) وينتظر بعض النقود اضعها في يديه ثم يبتعد ويتركني وحدي .....وهذه المرة جدتي تقبع في القبر المجاور لجدي ...ليتك ياجدتي تستطيعين ان تخبرينني مالذي يحدث تحت هذا التراب !!!!

تُرى متى هو دورنا ليحثو التراب علينا حثواً ثم ينطلقوا وكأن شيئاً لم يكن ....ولتبقى ( انت وربك وعملك ) ...كان البكاء له طعمٌ اخر هناك كنت اشعر ان حدقة عيني تحرقني ثم اجلس على التراب مباشرةً واحاول ان اجعل دموعي تختلط بتراب المقبرة علّ ذلك يكون سبباً لقبول توبتي عند الله تعالى ...مشاعرٌ يشاركك فيها كل من تحت التراب ..نعم كلنا الان بامس الحاجة لرحمته سبحانه وتعالى ...هذا الشعور وحده يغسل باطنك وقلبك ويرفعك الى حيث اراد الله لك ....

كانت اخر زيارة لي لتلك المقبرة قبل سفري بيوم ...يومها ذهبت باكراً جداً وودعت اهلها قبراً قبراً كانت تلك هي عائلتي الثانية التي احبها من كل قلبي وعندما توجهت الى خادم المقبرة لاودعه اغرورقت عيناه بالدموع وقال لي ( يابنتي لعلك تعودي بعد سنين ولاتجدينني فوق الارض فإن لم تجدينني فاسألي عن فلان بن فلان بين اصحاب القبور وقفي عند قبري وقولي يارب عُبيدك الفقير بين يديك يستجير فادعي لي وتصدقي بما كنتي تعطيني اياه على امي المريضة )

بعد سنة واحدة عدت من سفري ثم توجهت الى المقبرة ...استقبلني شاب اربعيني العمر علمت حينها ان خادم المقبرة لم يعد فوق الارض سألت عنه فدلني على قبره وقال لي هذا قبره وهذا قبر امه بجانبه!!!!! ...فعلت ما طلبه مني وبكيت يومها حتى الثمالة ...كم هي قصيرة هذه الدنيا وكم يقطن فيها اولياء لله لا نأبه لهم ولكن مقامهم عند الله عظيم ...هذه المحطات المتميزة في حياة كل منا تصقل فيك شيئاً ما وتغير داخلك اشياء اخرى ولكنك تحتاج لملكة الفهم على الله ......


  • 4

   نشر في 13 فبراير 2019 .

التعليقات

Abdou Abdelgawad منذ 9 شهر
خاطرة جميلة زادها جمالا قدرتك ككاتبة فى جعل قارئك يتعايش لقد شعرت وكأننى أرى تلك المقابر وتعايشت مع خادم المقبرة وكأننى اعرفه شخصيا لديك موهبة جيدة فلاتهمليها استمرى فى ابداعاتك .. تتبعى تعليقاتى على المنصة ستعلمين اننى لست مجاملا فالمجاملة لمن لايملك يضره ، ولاأرضى الضرر لأحد بل النصيحة الطيبة وبلا حرج
تحياتى لحضرتك وارجو لكم التوفيق دائما
1
لينا عبدالله نجمة
اشكر لكم تعليقكم ....لستم من المجاملين بارك الله بكم
مقال مؤثر جدا لينا ... وكيف لا وهو يتحدث عن اكبر حقيقة ويقين في حياتنا ( الموت ) . والقبر .. (حتماً ستجد نفسك هناك وانت تنظر الى بيتك الحقيقي ينتظرك لتدخل فيه بشحمك ولحمك وذنوبك واعمالك الصالحة والطالحة وقرآنك واذكارك وحقوق الناس عليك .) دمتى قلما ناصحا ومذكرا لنا جميعا... تحياتى لكى لينا ... بعد غياب طويل عن المنصة
1
لينا عبدالله نجمة
شكراً لمروركم العطر ...واتمنى ان املك وقتاً أكبر للمنصة

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا