فردا ! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فردا !

  نشر في 17 أكتوبر 2016 .

لقاء عابر:

تقابل صديقاً قديماً بادلته حباً بحب ووفاءً بوفاء. دامت صحبتكما لأعوام تشاركتما فيها أحوال الحياة المختلفة بين مدها وجزرها.. ثم لاحقاً فرقتكما الدنيا لسنوات تغيرت فيها أحوالكما وأفكاركما وأمور أخرى.

يخبرك ضيفك/ صديقك العتيق أنه طلق زوجته. تُقطِّب عينيك مندهشاً وتقول: لا والله، أنت تمزح. تتظاهر أنك لو علمت منذ لحظة الطلاق لحُرِمت لذة نوم الليالي الفائتة مشاركةً له وتضامناً معه فيما يواجه من مشكلاته البيتية!.

يسرد لك القصة كاملة وأنت تهمهم: إم إم إم. ثم تقول وماذا فعلت بعدها.. هل تزوجت؟! فيبدأ في إجابة طويلة تستغرق عشرين دقيقة للوصول إلى نهايتها!. تعود مرة أخرى لشاشة جوالك وهو أيضا يفتح بريده أو وسيلته التواصلية المفضلة وتبدأ حالة صمت لمدة دقيقتين ثم يعود الصوت من جديد.

بعد ساعة زمن تدفع فاتورة الحساب، تودعان بعضكما حيث ينتظر الضيف رحلة طيران خلال ساعات، يقول مكررا: إذا نزلت ....... اتصل بي مباشرة، (خلينا نتقابل)!.

هبكَ أثناء اللقاء تعاطفت معه حدَ انهمار الدمع من عينيك. عليك ألّا تنسى أنه صديقك الذي كنت ذات يوم تعتقد أنكما لن تفترقان، وهو اليوم رجل عابر كاؤلئك الذين تجمعك بهم الصدفة على مقاعد الطائرات فتتبادلون الأحاديث والآراء حتى تهبط الطائرة في محطة الوصول!.

ليسوا الأصدقاء وحدهم:

في زمن دولة المركزية والرعاية، انطلق أبناء المناطق الريفية والصغيرة إلى المدن الكبرى بحثاً عن مستقبل آمن. ومع تعدد المدن الحاضنة للمصالح،تفرق أبناء البطن الواحد في الأمصار. وبفعل البعد ومع مرور الوقت تتكلس المشاعر وتقسو. ولا يضير بعد ذلك أن تعلم أن مجموع الأيام التي تعيشها فعلياً بقرب اخيك ليست سوى أسابيع من العمر المديد.

يصبح الأمر اعتيادياً أن تودع أمك لتبتعد عنها أشهراً أو حتى سنوات، في صف منتظم ومتسق من الإجازات السنوية .فإذا انبجس في الضمير ينبوع الاسى والألم على ما فات، ألفيت نفسك وقد عشت مجرد فِضلة من عمرك إلى جوارها!.

وينسحب ما سبق على الأبناء بطبيعة الحال، فكل ابن بما لديه فَرِح، في أربعينات أبي العم الأكبر أمد الله في عمره، شكى بعض الألم في عضلات القلب، كان وجلاً من الموت شفقةً بأبنائه كما حكى لي والدي. كان يبكي خشية فراق أحبته صغاره، واليوم بعد أربعين عاماً أخرى يعيش بصحة ممتازة بالرغم من أن أبناءه كلهم بعيدون عنه لظروف العمل.

أدرك والداي منذ وقت مبكر أن ارتحالنا أمر لا مناص منه، ولذلك كان تحمّل لوعات الفراق عادة متكررة.

إلى أين تفر؟

واللهِ إني جاد كل الجد في هذه الكلمات.. يقول الإنجليز Who cares? من يهتم؟. من يهتم لفرحي فيفرح، ولحزني فيشاركني الحزن، من يستر زلتي ويقيل عثرتي، من يدعمني إن احتجت للعون بلا تردد ولا منة ولا مراقبة. من يبادرني ذات صباح بمكالمة هاتفية ليقول: اشتقت لك يا وداد الروح ولصوتك فاتصلت. من يبكي في جوف الليل قائماً يصلي لأجلي إذا داهمتني خطوب الدنياوجاء وقت الدعاء بإلحاح. من يضرب أكباد الإبل مسافراً ليصلني فيضمني إلى صدره ويقبِّلني بحرارة وهو يتمتم: لم يطفىء لهيب اشتياقي لك إلّا برد النظر في عينيك!. أين رجل إذا ناديته، رد مجلجلاً: لبيك وسعديك، لو كان بحراً لُّجياً لخضته معك، ولو كان قفراً شاسعاً لطويتهُ أحمِلُك!.

لا أحد يا صديقي..

وهنا، أكثر من السجود، أطل النظر في كتابه، سبحه واستغفره أكثر وأكثر.. لا حل إلّا هذا ورب الكعبة. إنك قد تظن أن ثمة فرصة تلوح في الأفق لتعيش حياة إضافية غير هذه المقسومة لك. ذلك ظنك الذي ظننت ووهمك الذي توهمت!، بل هي حياة واحدة وفرصة واحدة يهّونها عليك جميلُ وعد الله بحياة أخرى لائقة تبلغ فيها كمالك المنشود.

ابحث عن تسجيل الراحل الجميل علي الطنطاوي رحمه الله. واستمع له حين وصف علاقاته بأمه وأخوته ثم زوجته وأبناءه. قال إنه لم يتصّور يوماً فراقَ أمه، أو انفصال عن إخوانه، أو ابتعاد عن ابناءه.

أولئك الذين تمنيت وصالهم، تفّطرَ قلبك لاتصال أو زيارة أو مبادرة منهم تشعرك بالدفء والسعادة، لم يأتوك ولم ترَ منهم ما تمنيته.. هذا في الدنيا، فكيف بك هناك؟ هناك!.

يقول الروائي والشاعر الأمريكي جوزيف هيلر: "كل ما يستحق أن نموت من أجله، يستحق أن نعيش من أجله". وليس شيئاً يستحق أن نموت من أجله إلّا حياةً أبديةً سرمدية، فلمَ لا نعمل من أجلها الآن.

امنح نفسك هدوءاً تستحقه، بوِردكَ اليومي من كتاب الله، إنه يمنحك الشجاعة والحكمة لتواجه قضاياك المُـــلّحة. يقول تشارلز إيتون الدبلوماسي والصحفي البريطاني المسلم: "من أهم المشكلات التي يعالجها القرآن، الهروب من الحقيقة".

هل هناك حقيقة تستحق المواجهة أكثر من " وَكُلٌّهُمْ آتْيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ فَرْدْا"!. 



   نشر في 17 أكتوبر 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا