رحيل يدمي الحجر - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

رحيل يدمي الحجر

...نحن الضعفاء...

  نشر في 25 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 28 غشت 2019 .

لم أعد أجد بعد اليوم التباسا عن الموت، أو أجهل هذا الإحساس، الأجدر القول الفقدان بسبب الموت...

ظلت فكرة الموت و الذبول و الأفول تطرق أكواخ تفكيري من دون عياء و لا استسلام ...أن تكون...

و فجأة تصير رفاثا، هواء منسيا ربما، لكن قد تظل عبقا يلون صفحات الأيام، قديما أو لأقل؛ الأيام الخوالي على كل حال، لم تظفر فكرة الموت بمقعد بين تفكيري و لم يجد الذعر و الجزع مرتعا بين حواف دماغي، لم يكن يتعبني التفكير فيه أو ترتابني فوبيا التوجس منه...على الإطلاق، بل كنتُ مرحبا دوما بفكرة الموت، ما دمتُ سألاقي ربي و أرافق حبيبي المصطفى في روض الكوثر، فأكون من الزمرة المصطفاة...لكني كبرت اللحظة، فحدث ما لم يكن في الحسبان، اعترض عقلي على ما سبق، و أبدى قراءات منافية تماما على ما كان عليه الأمر في الماضي، في الشهور الماضية آلمتني كثيرا تجربة موت بلال الطفل الأسود في رواية شيفرة بلال، لكنها كانت حقيقة مصدر قوة و إلهام لكلينا، فقد أعاد موته ترتيب أوراق الاعتبارات التي تصطف متكدسة داخلي، استشعرت، بل أيقنت أن حقيقة الموت موجودة و لا يمكن مغالبة عقولنا على طردها، و ما دامت هناك حياة فالوفاة مرتبطة ارتباطا عرضيا بها، لكل بداية نهاية، لكن بين الأولى و الآخرة هناك حينها يفرق الأمر. بين سندان البداية و مطرقة اللحد يستطيع الإنسان أن يجابه تيارات، يضحي من أجل قيم، يسعى لتغيير العالم، يسعد الناس حوله، يقتصر الأمر على الأثر الذي تترك خلفك، الإرث الذي سيظل شامخا متجذرا بعدما تغادر هذه الدنيا...مهما تكابلت عليك المعارك و اصطفت أمامك الحروب، و مهما كان عتاد العدو، فالفوز كل الفوز كل ما خلفته في دنياك و الحرب الحقيقية أن تحارب نفسك حتى تجعلها تترك أثرا جميلا في هذا الكون الفسيح... و بالنسبة لي كان أن أكون أيقونة في مجالي، أن أخلف مرجعا يذكرني الناس به...

تمضي و تمضي، و تحل أيام و تنسى أيام، فيقابلني الموت و يخطف من لم أعتقد يوما يمكن أن يأخذه، ليس الآن على الأقل، الموت ليس سيئا على الضنين بالطبع، فلربما هو راحة مؤقتة له، و لا يعدو أن يكون الأمر سوى رحلة مرور بين الدارين لا غير لكن الجاني "الموت" يعذب البقية، التركة أو العائلة، كأن تألف صورة جميلة في حائط دنياك و تستفيق كل يوم على جمالها الأخاذ......فإذ تمضي و تغيب ببساطة، هكذا...أن لا تستطيع بعد ذلك رؤيتها أو تمد عينيك لسبر أغوارها، أن لا تتمكن مطلقا من النظر إليها، و لا تمتع عينيك بجمالها و رونقها العذب، كان الأمر استعارة، لتخفيف وقع الشجن، لكن ما من طريق غير الحقيقة لتعرية الواقع، كانت هذه لوحة فقط....ماذا إن تعلق الأمر بشخص تكن له الاحترام؟ تتقاسم وجودك و إياه تشاركه حياتك و انفعالاتك، صمتك، و بوحك إصرارك و توقفك، و كل ما يصطبغ دواخلك، أن تستفيق في يوم من الأيام فلا تجده....

ببساطة هكذا لن تستطيع مداعبته بعد اليوم، أن يغادر في صمت بدون سبب، فقط لأنه كان فجائيا، أن تغادر بصمت كأن يُسحب البساط من تحتك فتصير تمشي دون خطوات لا أحد يبدي اهتماما لهذا الشخص، تاركا ورائك عشا بدون جناح عائل، لكن كما للبيت رب يحميه للدنيا مدبر حكيم عادل يعلم بحق دلالات الصورة و له كل القدرة على رؤية الصورة كاملة دون أن تشوبها خربشة أو نقصان.

أما آن للفكرة "فكرة الموت" أن تتغير بديهيا اللحظة؟ لم أكن قديما أنا الضنين بل كنت الشاهد و المراقب الذي ينظر للأمور بمنطق النأي بالنفس لكني لما توغلت بين أجمات المفاهيم الوجودية، أدركت بخيبة أننا كلنا مخطئون ببعض الأفكار، ببعض الأحكام و أحيانا بعض التصرفات، كدت أن أنسى مؤخرا صار يرهبني الموت بل أرقتني فكرته طويلا، يعزى ذلك ربما للبعد عن الخالق، عن الرحمان الرحيم، لكني أدركت حينما جالستها و حاورتها "نفسي" أن الأمر أكبر بذلك بكثير، أرتعب أن أأفل قبل موعدي أن يخطفني الموت قبل أن أعيد ترتيب ما يمكن إعادة ترميمه و إصلاحه، أن يجيء الموعد قبل موعده، الخيبة في أن لا أترك أثرا خفيفا يواري الناس و يشعرهم بالراحة بعد رحيلي، لم أعد أنتظر بتاتا تقييم الناس حولي أو أن يهيمون علي بعبارات الشوق و الحب لأن لذلك وقع زائل و آني فقط و لأن كذلك قد لا يوافق الجميع و يصل مداه إلى نسبة أكبر من الناس، توالت الأيام كما قلت و صرت أكنّ الاحترام للموت لأنه مسير و ليس من الجيد سبه فهو يقوم بمهامه لا غير كأن يذكرنا بمن نحن، نحن الضعفاء، لا شك أنه اعترضنا أو قبلنا، تسخطنا أو رضينا أحدثنا جلبة أو تركنا الأمور تمر بسلام لن يحدث ذلك أي تغيير لن يعود الأموات لما كانوا عليه، ضرورة الحزن بديهية و لا محيد عنها و التحسر على الأموات و الترحم عليهم و الدعاء لهم مسألة لا جدال فيها لكن أن نعترض على المصاب الجلل فلن يحدث هذا زحزحة و لو ضئيلة.

ليس سيئا أن تموت لكن أن تغادر بلا مبالاة ألا تتخيل ما ستسفر عنه الأيام المقبلة، عائلتك، و تركتك التي ستلهم الناس بعد ذلك.

الحياة جميلة عادية و الموت مسألة حتمية، لكن الأسوء أن لا تترك نفسا و قيما تلهم الآخرين، ليس مهما أن تجد تصفيق و استحسان الناس أن تحتل مكانا في قلوبهم لكن الأقوم هو أن تبشر نفوسا أهلكها الضجر و المرض و العبث و المأساة و أن تفتح أمامهم أبواب الفأل و الإنشراح. 



   نشر في 25 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 28 غشت 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا