اليسار الفلسطيني وأزمة الخطاب الديني | كريم أبو الروس - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

اليسار الفلسطيني وأزمة الخطاب الديني | كريم أبو الروس

اليسار العربي يلملم حقائبه الآخيرة لسفرٍ غير معلوم

  نشر في 08 فبراير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 19 فبراير 2017 .

لا شك بأن الأحزاب اليسارية في الدول العربية تعدُ أيامها الأخيرة، منها من تحول إلى جمعية عامة تعتمد على العمل المؤسساتي ومنها من يحاول التشبث بأيدي السلطة ومنها من يحمل في جعبته المبادئ المتبقية من الكتب التي لا نزال نقرأها، ونقرأها فقط .

تراجع دور الأحزاب اليسارية العربية بعد دخول الخطاب الديني بقوة إلى الساحة العربية، والجمهور العربي لم يعد يؤمن بأن اليسار العربي يدافع عن الطبقات العمالية الكادحة كما نسمع كثيراً في الحفلات والمهرجانات التي يعدونها، ويمكننا إرجاع تنامي دورها في الساحة العربية إلى سقوط الأم الإتحاد السوفيتي الذي كانت يعتبره اليسار العربي ركيزة أساسية لوجوده وحاضنة سياسية دولية .

فكان للخطاب الديني نتائجه القاسية على حضور الأحزاب اليسارية أو لربما لأكون أكثر وضوحاً على مصير الماركسية في فلسطين، في الحقيقة إن من جعل للماركسية مسرح فارغ من الجمهور هو اليسار نفسه، فدائماً ما كان يتصادم مع الثوابت المجتمعية ألا وهي أنه يريد أن ينتزع العباءات التقليدية ويضع محلها العباءة التي يراها مناسبة للمجتمع، هكذا يمكن إسقاط أي فكرة على مجتمع ما بإختلاف الثقافة السائدة فيه ولكن مع إعتبارات الأسلوب الذي سيتم فيه نشر الفكرة والتأطير الحزبي للفكر الماركسي، فتجد مثلاً أنه يتم تطويع الفكرة بالجماهيرية متخلية تماماً تلك الأحزاب عن خلق كوادر مثقفة ترعى الأيدلوجيا الأم، لذلك اليوم هنالك هوة كبيرة بين التنظير والتطبيق وبين ما يراه الحزب للمستقبل وبين المستقل وتعاطيه مع الحزب .

فضعف الخطاب الموجه للجمهور وبطئ التقدم في كافة المجالات وأهمها تحمل أعباء المواطنين ما هي إلا أسباب حقيقية لضعف فاعليتها ، فاليسار الفلسطيني على سبيل المثال ما زال منقسماً على ذاته، الجبهتان الشعبية والديمقراطية في حالة صراع دائمة على كافة الأصعدة، وحزب الشعب " الحزب الشيوعي سابقاً

" إنتقل بشكل كامل إلى العمل المؤسساتي بعيداً عن السياسة ودوره كحزب سياسي في مجتمع مدني قائم، والأحزاب اليسارية الآخرى التي تعد ضمن منظمة التحرير لا تختلف كثيراً عن غيرها، فظهور المعارضة الإسلامية كحركة حماس والجهاد الإسلامي أخذ النظام السياسي الفلسطيني إلى منحى بعيد عما كان عليه في السابق  وأدخل الخطاب الديني هذه الحركات القبول الشعبي إلى حاضنتها الجماهيرية .

ومن أحد اللافتة للنظر فشل التنسيق بين أحزاب اليسار الفلسطيني ولم شملها في إتحاد كامل يتحدث للجمهور الفلسطيني بما يناسبه وبما يناسب تطلعاته وثوابته الفكرية والثقافية والدينية في خطاب موحد كان سبباً واضحاً لتشتته وضياع خطابه السياسي الذي من المفترض أن يعمل على نشره وترويجه بالطريقة المناسبة، فهنالك الكثير من اليساريين يجهلون ما يمكن أن يحدث وما يحدث الأن في القضية الفلسطينية .

كل هذه الأسباب التي لطالما طرحها المحللون والسياسيون كانت عوامل في تراجع دور اليسار في رسم سياسات الدول العربية، فإن نظرنا بشكل سريع على أنظمة الحكم العربية فإن اليسار بعيد جداً عن دفة الحكم، فاليسار لم يعد يحظى بمقاعد إنتخابية كما كان في السابق ولم يعد الجمهور العربي مستقبل جيد للفكر اليساري الإشتراكي، لربما كان التطبيق خاطئاً مع أنه إتخذ شكلاً مغايراً لما يتم التنظير إليه .

على صعيد النقابات العمالية والطلابية فإن اليسار العربي والفلسطيني على وجه الخصوص بات بعيداً في الحصول على أصوات إنتخابية تؤهله إلى قيادة هذه المرحلة، ففي الجامعات الفلسطينية كتلة اليسار التقدمي لم تحظى إلا بمقعد أو مقعدين من أصل مقاعد كثيرة ذهبت إلى القطبين حماس وفتح، وفي حديث مسؤول طلابي في الجبهة الشعبية عن سبب عدم حصول اليسار على أصواب إنتخابية، قال : إن اليسار ما هي إلا حالة عاطفية نعيشها فقط، وعاجزين عن إرجاعها إلى العقول كفكر حقيقي إنساني يبحث عن الحرية والنضال .

وحين تُحسب الأيدلوجية الفكرية لليسار في الوطن العربي، فإن دخول الأحزاب الإسلامية مستنقع السياسة فإنها تجلب الناس إليها في ظل الأوضاع الراهنة التي تعيشها المنطقة العربية بكل سهولة، هذا الدور البطيئ الذي يقيمه اليسار العربي في توسيع القاعدة الجماهيرية له يعد سبباً حقيقياً تعاني منه كل الأحزاب اليسارية، لربما كان التطبيق خاطئاً وليس كما يشاع على مسامع الناس، ولربما أيضاً فشل الكثير من المنظرين لليسار في إقناع الناس أنهم يعيشون نفس الحياة التي يريدونها جميعاً .

فالكثير من اليساريين الذين يعادون الطبقة البرجوازية والسلطوية يعيشون بنفس الطريقة وبل في أغلب الأحيان أفضل بكثير منهم، المجتمع العربي ليس هذا المجتمع الذي يمكنه أن يرى خارج الإطار ولعل هذه الظاهرة السلبية تؤثر على كل الأحزاب السياسية الليبرالية منها قبل اليسارية .

يرى الكثير من المحللين السياسيين في فلسطين أنه يمكن لليسار أن يُرجع مكانته في الساحة السياسية حين يتحالف مع بعضه البعض، وحين يضع برنامجاً إنتخابياً ورؤية سياسية مقنعة للجمهور لا يراها الجمهور تتناقض مع رؤيته ويراها مناسباً للنظام السياسي المترهل، أما إن ظل اليسار الفلسطيني في حالة من التشتت والإنقسام والتيه فإنه سيسقط ويندثر حاله حال الأحزاب التي تفتقد للرؤية والتصور السياسي الذي يحتاجه الناس .

يمكن القول أن  عدم قدرة الأحزاب اليسارية الفلسطينية إلى الأن على إنهاء الإنقسام الفلسطيني كقطب ثالثٍ على الساحة السياسية، وإن تحدثنا عن وجود اليسار الفلسطيني في حل المشاكل العالقة والتي يعاني منها أهل قطاع غزة من حصار ووضع إقتصادي سيء وإغلاق للمعابر فوجودهم معدوم إلى حد كبير، وهذه الأسباب وجهت الناس إلى عدم الثقة في وجود الحزب اليساري إلى جانب الجماهير والإلتفاف حولهم .

ومن الأسباب التي جعلت اليسار الفلسطيني يعدُ أيامه الأخيرة ويلملم أوراقه للرحيل هي التناقضات الواضحة والعلنية في موقفهم إيزاء  القضايا الداخلية التي تعنى بالشأن الوطني الداخلي فمثلاً، لا نجد اليسار الفلسطيني يحدد موقفاً واضحاً صريحاً ويبدأ بالتعامل معه وفق أبجديات الأحزاب السياسية، تارة نجده منفرداً بقراراته وصياغاته وتارة آخرى يحاول إستجماع الكل الفلسطيني معه ومع ذلك يخالفه في البرنامج السياسي . 

في المجتمع الفلسطيني هنالك تنوع فكري ملحوظ وتنوع ديني ولكن المشكلة لا تتعلق بأسلوب الاحزاب في التعامل مع المجتمع، النظر إلى المشكلة يبدأ من النظر إلى المجتمع، كيف يمكنك إقناع الناس بأن يتبعوك في ظل كل هذه الفوضى التي نعاني منها كفلسطنيين، لم يطرح اليسار الفلسطيني نفسه بما يتناسب مع ما يقوم عليه المجتمع، فمثلاً لم نرى أنه تقرب إلى الناس من الناحية الدينية ولا حتى الفكرية، كان دائماً ما يتصادم مع هذه الأفكار الرجعية وأنه يريد أن يُلبس الناس ثوب الحداثة عنوة دون برنامج للتنشئة لا يتعارض مع القواعد الصلبة التي يجلس عليها الناس فكرياً . 

كان للخطاب الديني المتطرف تقاربٌ واضح مع المجتمع الفلسطيني، فإستثارة الناس دينياً بلهجة عاطفية هي مقربة ومحببة لدى هذا المجتمع، وتطويع الدين والنصوص الدينية في خدمة الأحزاب والقضية أيضاً كان له إستحسان من المجتمع ونظرة مستقبلية هم يعتقدون أنها ستحصل، لم يكن اليسار الفلسطيني بأيدلوجيته يستطيع الدخول للناس من هذه الأبواب، فكان يطرح قضايا بعيدة تماماً عن الأصول الدينية والتاريخية وحتى عن عادات وتقاليد المجتمع الفلسطيني، لا شك بأن هنالك الكثير ممن يعتنقون الفكر اليساري والشيوعي ولكن فكر بدون رؤية مستقبلية لن ينجح في مجابهة الخطاب الديني المتطرف وحتى المعتدل منه . 

إن مواجهة الخطاب الديني ليست عملية كلاميّة أو مناكفة سياسية، هي في الأساس تقوم على التنشئة والتربية والتثقيف، الكثير من الحركات الإسلامية  أزاحت اليسار عن منصات التنشئة ولم تقابلها الاحزاب اليسارية بأية وسيلة آخرى يمكن من خلالها أن تفتح لنفسها بوابة جماهيرية يتقبل الشعب ما جاء في أفكارها، لذلك نراها دائماً تحافظُ على بقائها سليمة وعلى كوادرها وعلى تاريخها الذي حفر لها الكثير ولكنها الأن تدفنه بيدها . 


  • 3

  • كريم أبو الروس
    كريم أبو الروس من قطاع غزة كاتب وناشط مجتمعي وحقوقي، طالب علوم سياسية في جامعة الأزهر .
   نشر في 08 فبراير 2017  وآخر تعديل بتاريخ 19 فبراير 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا