من أجلكِ جدّتي... - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

من أجلكِ جدّتي...

  نشر في 10 يونيو 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

نادرون هم المؤلّفون الذين أنصفوا الجدّة في مآثرهم وكتبوا عنها، على عكس الأمّ التي استحوذ الحديث عنها صفحات متتالية في أعمال لا تحصى ولا تُعدّ. ومع أنّ الجدّةَ أمٌّ أوّلاً، ربّت وتعبت وعلّمت، إلاّ أنّ الأمَّ غالبًا ما تأخذ حصّة الأسد. ولكن، إذا كان قلب الأمّ من الذهب الخالص، فلا شكّ في أنّ قلبَ الجدّة ذهبٌ ثمينٌ مرصّعٌ بأفخر حبّات الألماس. إنّها أمٌّ تضحّي بنفسها من أجل أبنائها، ومدرسةٌ تنقل خبرات الأجيال السابقة إلى أحفادها.

من أجلكِ جدّتي أردتُ أن أكتب اليوم. رحمكِ الله وأسكنك فسيح جنّاته.

ماذا عسايَ أخبر عنك يا جدّتي؟ أيُّ فضائل عسايَ أتحدّث عنها يا حبيبة قلبي؟ أنتِ مَن ذكرها تيطس في الفصل 2 الآيات 3-5 لأنّكِ طبّقتِ ما أوصانا به وهو "أَن تَكونَ العَجائِزُ في سِيرةٍ تَليقُ بِالقِدِّيسات، غَيرَ نمَّاماتٍ ولا مُدمِناتٍ لِلخَمْر، هادِياتٍ لِلخَير، فيُعَلِّمْنَ الشَّابَّاتِ حُبَّ أَزْواجِهِنَّ وأَولادِهِنَّ، وأَن يَكُنَّ قَنوعاتٍ عَفيفات، مُهتَمَّاتٍ بِشُؤُونِ البَيت، صالِحاتٍ خاضِعاتٍ لأَزْواجِهِنَّ، لِئَلاَّ يُجَدَّفَ على كَلِمَةِ الله." وهل من وصفٍ لكِ يفوق وصف تيطس صدقًا وجمالاً؟

في إيطاليا مَثلٌ مأثور شاع في العالم أجمع: "Quando niente sta andando bene, chiama la nonna"، ومعناه أنّ الدنيا، إن أغلقت أبوابها في وجهك، لا بدّ لك من أن تتّصل بجدّتك، فهي وحدها مَن تبثّ الراحة في قلبك. وكم من مرّةٍ يا جدّتي لجأتُ إليكِ، وأمطرتِ عليّ حنانًا غزيرًا وحبًّا وفيرًا! فيضٌ من الذكريات أحاول أن أديرها في رأسي بوعيٍ وإدراك، خوفًا من الاستسلام لها والانهيار لزوال واقعها. كم من مرّةٍ كنتِ تدافعين عنّي أمام أمّي، برجاحة عقلك وطول صبرك وذكائك وحكمتك! كنت أحترمك كثيرًا وهكذا سأظلّ، كيف لا وكان وجودك في حياة كلّ مَن عرفك وقابلك نعمةً إلهيّة؟

لن يغيبَ عن بالي لحظةً كيف كنتِ تجمعيننا كلَّنا: بناتِك الخمس وأزواجَهنّ، أبناءَكِ الأربعة وزوجاتِهم، أحفادك السبعة والعشرين في منزلك، وتشاركيننا ثمارَ خبراتِك وتجاربَك، وتسدين إلينا النصائح، لأنّ حياتَك كنزٌ للأزواج، ووجودَك بركةٌ للأحفاد.

جدّتي، أنتِ قدوةٌ لنا، تقيّة، مُحبّة، حنونة، متفهّمة، مؤمنة، قدّيسة! منكِ تعلّمت المثابرة على الصلاة، والالتزام بالمواعيد، والكرم والوفاء حتّى لمَن غادروا هذه الدنيا. وكم كنتُ أحسدك على نشاطك وحيويّتك على الرغم من سنّك، فأنا نفسي لم أتمتّع يومًا بهذه الطاقة التي تغذّي عروقَك.

منطقيًّا، أستطيع أن أفهم السبب المحتجب وراء المحبّة التي تكنّها الجدّة لأحفادها، خصوصًا إذا كانت منبع العواطف الصادقة التي تنساب إلى قلوبنا بسلاسة مثلك أنت يا جدّتي. فالجدّة تجدّد شبابها مع أحفادها، تمنحهم الحنان، وتغدق عليهم المحبّة، وتنصحهم أكثر ممّا تعاقبهم، وتلبّي رغباتهم الجامحة، وتفرط في تدليلهم من دون أن تفسدهم، فيتقبّل منها الحفيد كلّ شيء، ويحبّها بقدر ما تحبّه (إن لم أقُلْ أكثر!).

أنت يا جدّتي رمزٌ لكلّ امرأة مسيحيّة مؤمنة، ترسّخت صورتك في ذهننا وأنت تصلّين، لا بل وأنتِ تبعديننا عن المنزل لحين انتهائك من الصلاة، فاختزنَت ذاكرتُنا صورتَك وأنت تسبّحين الله وترتّلين الترانيم، وتدعين لنا بطول العمر والفرح المديد.

أنا لا أخبر عن امرأةٍ مثاليّةٍ من نسج خيالي، إنّها حقًّا جدّتي التي أجادت فنَّ الحبّ، وأطعمت الفقراء، وزارت المتعبين، وتحدّثت إلى الوحيدين، وتعاطفت مع الغرباء، وكرّمت الضيوف، واستذكرت جدّي وأخبرتنا عنه، وأحبّت... أحبّت بقوّة من قلبها النابض بعضلةٍ ضعيفة! أنا لا أقتبس حديثًا عن بطلة أسطوريّة سمعنا عنها، إنّها حقًّا جدّتي التي اختصرَت بتجاعيد وجهها الملائكيّ سنوات من العطاء وعقودًا من المحبّة، بقلبٍ نقيّ ملتحفٍ بالفضيلة، والقيم، والشيَم، والصدق، والصداقة، والتضحية، والوفاء.

جوهرةٌ نادرة أنتِ، جوهرةٌ خبّأها الله في منزلنا، فكنّا نتأمّلها يوميًّا، ونغتني بوجودها، ونستفيد من بريقها، ونفتخر بها، ونعتني بها، وتعكس نقاوتها على وجوهنا، فنرى أنفسنا فيها. قد حان الوقت لكي يستردَّها الله، ونشكره على هذه النعمة التي لا تقدَّر بثمن والتي خصّصنا بها.

جدّتي رحلت مع طرقها باب الثمانين. صحيحٌ أنّها رحلت من دون أن تودّعنا، ولكنّها أمضت ساعاتها الأخيرة متفائلة، ومغمورة بدفء أولادها وحنان أحفادها، وعبّرت لنا بملامح وجهها ونظراتها عن فائق الرضى، لدرجة أنّ قلبها الذي يسع الجميع أبى أن يتوقّف عن الخفقان قبل إتمامها الواجبات الدينيّة.

جدّتي روت لنا أروع القصائد وحكت لنا أجمل الحوادث عن زمنٍ عتيق لا يموت فيه الحقّ ولا يضيع. وفي الواقع، لو لم تكن جدّتي كلّ ما سبق أن ذكرت، ما كانت عيناي سحابتين تمطران دمعًا مرًّا على غيابها، وأذناي مخزنًا لحصاد كلماتها، وابتسامتي حنينًا لنظرتها الدافئة، ويداي تشعران حتّى الآن ببرودة أصابعها، وما كنت لأمتلك الكون وأنا أكتب عنها! إشتقت إليك يا جدّتي الحبيبة...

الجدّة والأحفاد عقد حبّ لا يفسخه الزمان ولا يُبطله الموت. كيف بالحريّ إذا كنتِ أنتِ جدّتي، وأنا حفيدتك البكر؟ سلامٌ إليكِ يا حبيبتي، وقبلاتي الحارّة لكِ أرسلُ من قلبٍ بركانيّ تغلي فيه حمم الشوق والحنين والمحبّة...

كلير بو ناصيف


  • 13

   نشر في 10 يونيو 2015  وآخر تعديل بتاريخ 08 يناير 2016 .

التعليقات

شكرا على التدوينة و المقال الرائع أستاذتي
أحس بالكلمات النابعة من القلب في وصف و تكريم الجدة
0
مقال رائع سيدي أخذتنا من خلاله على جناح صلة الرحم مع إنسانة كرّمها الله من أجلنا .. دام قلمك .
0
كلير بو ناصيف
شكرًا لك، المقال نابع من القلب!

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا