بيانست (4) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

بيانست (4)

عندما نقتل البراءة بكل حب ..

  نشر في 12 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 13 يونيو 2019 .

            لا تقبع في الماضي و لا تحلم بالمستقبل، إجعل عقلك يركز في اللحظة الحالية

                                                                    (بوذا)

Do not dwell in the past, do not dream of the future, concentrate the mind on the present moment ..

                                                        (Buddha)

                                                                  -الظلال-

                            ثمانية آلاف و سبعمائة و أربع و سبعون يوما على الأرض ..

1) أختها ..

وقفت (رهف) عند سماعها لكلمات (فرح) الأخيرة و إقتربت منها متحاشية حركات يد (فرح) العصبية و هي تحاول إبعادها عنها وسط بكائها حتى استطاعت أن تحتضنها فتريح رأسها على كتفها و تربت بيدها على شعرها و ظهرها .. لم تقل كلمة لمعرفتها أن (فرح) لن تسمع حرفا و لن تعرف ما تقول إن لم تقرأ شفتيها .. إستمرت في التربيت على ظهرها حتى هدأت حركات (فرح) فرفعت رأسها بكفيها برقة قبل أن تمسك بجانبي خديها و هي تنظر لعيني (فرح) الناظرتين لشفتيها و تقول:

- ماحدش هنا فاكر اي حاجة وحشة يا )فروحة( .. انتي عارفة أنا مسحوبة من لساني و عقلي لاسع .. أنا اللي الظاهر خيالي واسع و قلقي بزيادة .. و عامة دي علامة حب مش علامة حاجة تانية .. لكن انتي عارفة .. يخرب جمالك حتى و انتي زعلانة قمر .. عينيك بيلمعوا وسط الدموع محسساني إني بتفرج على قرصين عسل

ضحكت (فرح) رغما عنها و لا زالت دموعها تنساب من عينيها قبل أن تكمل (رهف):

- و كمان مع بياضك اللي عامل زي القشطة ده ما شاء الله حاسة نفسي في فطيرة و أغمس

ضحكت (فرح) بشدة هذه المرة و قالت و هي في حالة الضحك .. بكاء .. قهقهة .. دموع:

- مش هتبطلي فجعنة ..

- ما أنتم قلبتموها دراما على الصبح و قومتوني من على الفطار يا عيلة مجانييييين..

قالتها و قربت رأس (فرح) إليها لتقبلها على وجنتيها في حب جعلا (فرح) تحتضنها بشدة و هي تقول دامعة:

- ربنا يخليكي ليا يا أختي .. و الله ما عارفة من غيرك أنا كان ممكن أعمل أيه ..

أعادتها (رهف) أمامها لترى شفتيها قبل أن تقول:

- كنتي هاتقومي غصب عنك تفتحي الباب كل ما الباب يخبط .. أو تقومي تغسلي المواعين كل ما الحوض يتملي

- -بإبتسامة باهتة- طيب ما أنا اللي بغسل المواعين

- و انتي اللي بتفتحي الباب عادي يعني

قالتها و هي تضحك و تحرك حاجبيها أعلى و أسفل في حركة تغزل مرحة ضحكت على أثرها (فرح) و لكمتها في كتفها قبل أن ينظرا معا إلى أمهما التي جلست ناظرة إليها و على وجهها إبتسامة تحمل حزنا و نظرة هائمة

- أماما بلاش النظرة دي وحياة المحروسة دي عندك .. أنا مش هافوق واحدة عشان التانية تكتئب .. هو في حد باصصلنا في الفطار ده و لا إيه .. يالا يا بنانيت عايزة أكل حاجة قبل التمرين .. أنا عندي بطولة كمان شهرين الله يكرمكم .. يالا يا حاجة كدة صلي على النبي و قومي معانا عايزين ناكل اللقمة اللي أنا حاسة ان الولية الكهن ام زكروتة جارتنا بصالنا في اللقمة دي ..

إتسعت ابتسامة أمها و ضحكت مرة أخري (فرح) قبل أن تقول أمها:

- عيب يا بت .. ما تقوليش على الست كدة .. عيب ..

قالت (رهف) و هي تشد يد أمها لتدفعها إلى القيام من على المقعد ليجلسوا إلى مائدة الافطار:

- هي فعلا ست ستات في بعض .. عندك حق ولية دي تتقال لواحدة بس .. الستة أوقع .. بس عارفة أنا حاسة أنها بصالك إكمنك كدة ما شاء الله ملفوفة و زي القمر كدة .. لو حد شافنا يفتكرك اختنا الكبيرة مش أمنا .. بصراحة انتي و البت الِّي هناك دي عقدتوني .. أنا حاسة إني ناقصلي شنب و هابقى راجل جنبيكم

ضحكت (فرح) و أمها رغما عنها قبل أن تقول مغاضبة:

- بس يا كلبة انتي .. ابتدا شغل النصب بتاعك .. يالا بينا ناكل عشان تروحي التمرين و نرتاح من الدوشة بتاعتك

جلسوا جميعا إلى المائدة يأكلون و ضاعفت (رهف) مزاحها و مرحها لتزيل أثار الدقائق الماضية من على وجهي أمها و اختها .. جعلتهما يضحكتان حتى سعلتا و دمعتا و طالبتاها بالتوقف .. أما (رهف) ففي داخلها كانت تشعر بمشاعر مختلطة من الرضا عن ضحكهما و التعب و الارهاق من لعب دور الأب طوال الوقت .. قبل أن ينهوا إفطارهم و تقوم قائلة:

- أنا لازم أجري أحضر حاجتي و أطلع عالتمرين .. إتاخرت .. منك لله يا أم زكروتة !

ضحكت امها و أختها في مرح و قذفتها (فرح) بمنديلها و هي تقول:

- بس روحي على التمرين يا دوشة

أسرعت (رهف) تجري إلى الحمام تغسل يديها قبل أن تلتقط حقيبتها و تقبل أمها و أختها على خدودهن و تترك البيت.


2) الزلزال ..

فرغت (فرح) من إرتداء ملابسها ثم وقفت أمام المرآة تمرر المشط بين خصلات شعرها قبل أن تتوقف و تمرر يدها اليمنى بشرود على خط برز بشذوذ في جغرافية مؤخرة رأسها و يتدارى ببراءة تحت خصلات شعرها .. خط إلتئم ظاهريا فوق فروة الرأس تاركا صدع داخلي لم يلتئم من تحته .. زلزال تسونامي الذي ضرب بجذوره في حياتها محدثا شقا قسم عالمها كله إلى نصفين غير متماثلين .. عالم قبل الحادثة الذي إقترب من الكمال و عالم ما بعد الحادثة المشوه قبيح المنظر .. نزفت ذرات سمعها خلال الزلزال حتى أخر قطرة منه قبل أن يفيض الصدع و تعلو أمواج من السكون و الصمت و الصمم جرفت قلبها في طريقها و إبتلعت بداخلها من أسلمته دفة قلبها و أشرعته و مرساته .. إبتلعت حبيبها و خطيبها (عمر) تاركة قلبها سفينة تائهة في قلب بحر الظلمات بلا ربان .. فسدت بوصلتها و تاهت في اللامكان .. و قبل أن تسترد أنفاسها و تحاول إستيعاب الخراب و الدمار الذي حدث بدأت بسادية توابع الزلزال في مهاجمتها في صورة نوبات صداع نصفي مصمما على ألا تنسى يوما ظهوره في حياتها.. فجأة .. رأتها في المرآة واقفة خلفها و تصرخ عليها صرختها الصامتة .. التفتت خلفها في فزع فلم تجدها كالمعتاد .. أنفاسها المتسارعة في جنون تعاونت مع نبضات قلبها في جعل الهواء شحيح .. هذه المرة بدأت توقن أنها تفقد عقلها .. يبدو أن قلق امها و أختها يتحول إلى حقيقة .. تنهدت و هي تحاول السيطرة على أعصابها و غددها الدمعية قبل أن تتراجع عن المرآة قليلا و تراجع على هندامها و تغادر حجرتها .. بحثت عن أمها لتجدها جالسة على مقعد تقرأ القرآن .. ودعتها بكلمات سريعة و خرجت متجهة إلى المعهد .. خرجت من مدخل المنزل و وقفت تتأمل السماء قليلا .. الجو منعش بارد قليلا في هذا الوقت من العام .. شعرت بالنشاط فقررت أن تمشي إلى المعهد بدلا من إستقلال سيارة أجرة .. ملأت ضلوعها قدر إمكانها بنفس عميق بارد أنعشها قبل أن تطلقه و تبدأ السير .. ملامح الصهباء المصمتة الصارخة تتسلل إلى مخيلتها فلم تجد مفرا من إيقاف تسربها إلى عقلها سوى بإشغاله بخواطرها .. كم هو غريب هذا العالم .. بعد ما يقرب العامين مازالت لا تستطيع التكيف عليه بدون موسيقى الأصوات التي إعتادتها .. لازالت تستطيع تذكر كل صوت و لازالت تستطيع الربط بين كل شخص حولها تعرفه و صوته .. عندما تقرأ الشفاه تسمع في عقلها صوت كل منهم يحدثها .. عندما تضرب على مفاتيح الپيانو لازالت تستطيع ربط النغمات بكل واحد فيهم .. لكن إلى متى ستستطيع الربط بين كل الأصوات و قراءة الشفاه ؟؟ .. إلى متى ستستطيع إجادة ما تعزفه على الپيانو .. هي لم تعد تسمع النغمة الشاذة من النغمة الصحيحة .. موهبتها في دمج الأصوات حولها و تحويلها إلى موسيقى إنتهت مع إنتهاء سمعها .. نظرت حولها أثناء سيرها فوجدت رجلان يمران بجانبها و يديرا رأسهما نحوها .. الإنبهار و الإعجاب المعتاد الذي تراه في أعين الرجال حين يلمحونها قبل أن يقول أحدهما شيئا لم تستطيع أن تقرأه .. إلا أن تعابير وجهه و نظراته دلتها أنه يقول عبارة غزل و إن لم تدري إن كانت بريئة أم مما يعتبر تحرشا .. نظرت إلى الأرض بخجل و أبطأت في مشيتها و هي تشعر بداخلها بالحنق .. لم تشعر يوما بالفخر أو بالإطراء من عبارات الغزل و الإعجاب السطحية التي كانت و لا زالت تنهمر عليها كالسيل .. بالنسبة لها هي عبارات جوفاء لا تهتم إلا بشكلها الظاهري الذي يراه الكثير أو الكل مبهرا جذابا و تتغافل عن كينونتها و روحها .. الوحيد الذي لم يسمعها ما كان يسكبه الجميع في أذنيها كان (عمر) .. إيقاع كلماته و طريقته كانت مدرسة موسيقية جديدة لم يطرق أبوابها أحد من قبل .. مشاعره كانت كالبحر لا تستطيع سبر أغواره أو أن تبلغ نهايته .. أمواج وراء أمواج أبقت شاطئها حيّا ينبض بحبه .. مشاعره كانت نقية كثلوج القطبين و أفكاره كانت بريئة كأفكار الطفل الرضيع .. و لكن للحق شعورها بالحنق لم يكن بسبب العبارة التي أدركت معناها .. شعورها بالحنق كان لأنها لم تسمع الإيقاع في كلمات ذلك الرجل .. قراءة الشفاه و التعبيرات تجعلها تعرف ما يريد الأخرون قوله و لكنها فقدت إيجاد الإيقاعات المحببة التي كانت النبع الذي لا ينضب لموسيقاها .. كان إيجاد الإيقاع لا يهتم بلغة أو لهجة بل كان سحرا ينساب مع طريقة تحدث كل شخص و لحن من كل شيء يصدر صوتا أو يتحرك حولها .. كان ذلك في عالمها المثالي الأول .. أما ذلك العالم الساكن الكئيب الذي تعيشه مؤخرا فكل شيء يغلفه الصمت .. سيارات صامتة تمر بجانبها و طيور بكماء تحلق من فوقها و أرض تبتلع صوت خطواتها أينما كانت.

كيف تخيلت أمها و أختها أنها قد تعود لتغيب عما حولها في ذلك العالم ؟؟ .. نعم هي حاولت .. حاولت أن تتمسك بما بقى من عالمها القديم .. حاولت أن تعود للغوص في حضنه الآمن الدافئ الحصين .. لكنها وجدت صمتا بدلا منه .. لم تعد تستطيع إستقبال موجات عالمها القديم بسبب عيب في المُستَقبِل .. الخلل الذي أصاب أذنيها جعلها كسفينة فضائية تائهة في قلب ثقب أسود فاقدة الأمل في الإتصال أو الرجوع إلى كوكب الأرض.

مضى عامان منذ أفاقت من غيبوبتها و أدركت أنها فقدت الكثير خلال فترة غيابها .. شعرت أنها أفاقت في أرض أخرى و زمن أخر و عالم أخر .. نفس الوجوه التي كانت في عالمها الأول و لكنها بكماء .. الهواء في هذا العالم الجديد دسم ثقيل يعجز الصوت عن إختراق قوامه .. ثلاثة أشهر .. ثلاثة أشهر قضتهم في الفراش و الإنهيار و جلسات و إختبارات مع أطباء و أخصائيين نسيت أعدادهم و أشكالهم و ألوانهم يتحاورون معها بالكتابة ثم يبتسمون و يصرون بحماسة أنها ستعود إلى عالمها المثالي فقط عليها أن تتحلى بالأمل و الصبر .. ثلاثة شهور عاشت متعلقة بكلمات تقرأها مكتوبة بمئات الأيدي تتحدث عن التفاؤل و الحلم .. ثلاثة شهور .. ثلاثة شهور بعدها بدأت تقرأ كلمات أخرى في العيون و تعبيرات الوجوه .. كلمات لا علاقة لها بحروف الصاد و الباء و الراء .. أو حروف الألف و الميم و اللام .. و إن ظلت كلماتهم المكتوبة على الأوراق و الألواح تتحدث عن الغد المشرق .. ثلاثة شهور ثم كف من حولها أنفسهم عن التحلي بالأمل و التحمل و لم يعودوا يستطيعون معها صبرا .. ذهبت وعودهم و كلماتهم الباسمة و حماستهم المعدية إلى نفس الشق الذي نزفت فيه سمعها و فقدت فيه حبيبها .. تغيرت الكلمات من الأمل و الصبر إلى تقبل عالمها الجديد المشوه و التعامل مع سماته الجديدة لكن مع الإصرار على أنها لم تفقد شيئا .. لم تفقد شيئا !!؟؟ .. لا أحد يعلم ما فقدت .. لا أحد يشعر بخسارتها أو مآساتها .. لا أحد عانى معها من الزلزال الذي هدم عالمها المثالي و تركه أنقاضا غير قابلة للإصلاح ..

(يا لشدة ألمي عندما يسمع أحد بجانبي صوت ناي لا أستطيع سماعه أو يسمع آخر غناء أحد الرعاة بينما أنا لا أسمع شيئا) لوفدج فان بيتهوفن

شعرت بكلماته و هي تقرأها لاحقا .. هو الوحيد الذي شعرت أنه يشعر ما فقدته حقا لكنه لم يشعر معها بفقد حبيب .. لم يصاحب صممه إنتزاع قلبه من بين ضلوعه ثم سحقه أمام عينيه .. لماذا عادت من غيبوبتها بل لماذا سقطت من قوائم الموتى ؟؟ عذبها هذا السؤال أياما و شهورا قبل أن تستسلم لإرادة من حولها و هم يجرونها جرا لتواصل حياتها .. جلسات نفسية مكتوبة .. تدريبات الإشارات و قراءة الشفاه .. بحماس علاقة ملابس (شماعة) لحمل ملابس الأخرين إستمرت .. بعزيمة ورقة في مهب الريح تابعت .. قضت باقي العامين كالسجين الذي يقضي فترة عقوبة مدى الحياة بلا أمل في إطلاق سراحها يوما .. لم يخفف من شعورها بالسجن الأبدي إلا وجود (رهف) حولها .. (رهف) حبيبتها الصغرى بروحها المرحة و حبها الأخوي البرئ .. لم تتركها تنهار منذ الحادث و دأبت على دفعها من أحزانها و ألامها .. تدربت على إكتشاف جوانب جديدة في ذلك العالم الساكن الصامت الكئيب .. قراءة الشفاه لم تكن المهارة الوحيدة التي إكتسبتها .. أضافت إلى قراءة الشفاه معرفة كيف تقرأ الوجوه و الأجساد .. على الرغم من الصمت الدائم إلا أنها أصبحت تعرف عمن حولها ما لم تلاحظه من قبل أثناء إنشغالها باللحن في أصواتهم .. أصبحت تعرف أن الألحان كانت تداري نفاقا و كذبا و حقدا .. النغمات كانت تخبئ قروحا صدئة مقززة و الإيقاعات كانت تخفي عوالم سوداء خلفها .. العالم الذي كان أبيضاً نقياً كثلوج القطبين أصطبغ بسماج حريق أسود .. كرهت العالم الجديد أكثر عندما رأت تلك الأمور و ودت لو تغمض عينيها عمن حولها كي لا ترى صديد أرواحهم الذي ينضح من أفكارهم و عيونهم .. و كلما عرفت أكثر كلما شعرت بالإشمئزاز و الرغبة في العزلة أكثر ..

لفترة كانت مستعدة لدفع أي ثمن للهروب من ذلك العالم و العودة إلي ماضيها الجميل .. تبقى لها من عالمها القديم ثروة من حفلاتها و مقابلاتها .. تبقى لها ثروة مادية من موهبتها .. هي تزهد المال بطبيعتها .. تزهد المظاهر الزائفة التي يشتريها و المتع الفارغة التي يوفرها .. و حتى الآن عالمها الجديد لم يوفر لها شيئا حقيقيا ترغبه .. كانت مستعدة لإعطاء ثروتها لأي أحد يدلها على الطريق إلى عالمها القديم .. لكن لم تجد من تدفع له الثمن ليعيدها إلى ماضيها .. أين شيطان دكتور (فاوست) عندما تكون مستعدا لبيع روحك مقابل العودة إلى حياتك الرائعة السابقة في الماضي ..فقط لتكتشف أنه حتى الشيطان لا يستطيع مساعدتها في ذلك .. الماضي غرفة محكمة يمكنك أن تغادرها مرة واحدة فقط لكنك لا تستطيع العودة لها أبدا .. يمكنك الإحتفاظ بأشياء منها أو لحظات منها لكنك لا تستطيع الإحتفاظ بها كلها .. ما يمكنك الإحتفاظ به الآن .. هو الآن .. على هذا النحو خُلِقَ العالم فلا تحاول تغيره الآن .. لأنك لن تستطيع.

أفاقت من خواطرها و هي تقف أمام بوابة المعهد فأخذت نفسا عميقا قبل أن تخطو بداخله.


3) البداية ..

سارت (فرح) في طرقات المعهد مبتسمة إبتسامة دبلوماسية و محييه برأسها من تمر بهم قبل أن تصل إلى قاعة الپيانو .. دخلت إلى قاعتها الحبيبة واضعة نصب عينيها الپيانو الذي إعتادت العزف عليه حتى وقفت أمامه و لامست سطحه الأملس في حب و إفتنان .. منعت نفسها بالكاد من أن تأخذه في أحضانها و تقبله و تستشعر سطحه بخدها .. ضربت على مفاتيحه بأصابعها متجاهلة أنها لا تسمع شيئا من نغماته ... تنهدت و جلست أمامه قبل أن تقلب نوتة موسيقية موضوعة عليه و تبدأ في ضرب المفاتيح متتبعة الحروف الموسيقية على النوتة قبل أن تجفل و هي تشعر بيد توضع على كتفها فإلتفتت خلفها لتجد إحدى العاملات في المعهد تبتسم لها و هي تقول بتأني و بطء:

- صباح الخير أستاذة (فرح) .. المديرة تبي تشوفك الحين

إستغرقت (فرح) ثانية تتأملها و هي تومئ برأسها لها و في عقلها تشعر بالحنق لتباطئها في الكلام معها و من عينيها اللتان إمتلئتا شفقة و حركة جسدها و يديها اللتان دلتاها علي عدم راحتها في التحدث إليها كأن التحدث معها مهمة ثقيلة على كاهلها !!

قامت من مقعدها قاطعة إتصالها البصري عمدا بالعاملة رحمة بأعصابها من نظرات الشفقة .. سارت في الممرات متجهة إلى مكتب المديرة و هي تحاول أن تستنتج سبب الإستدعاء لها قبل أن تقف أمام مكتب سكرتيرها المتحمس الذي قفز من على مقعده لرؤيتها و يتحرك دون أن يعطيها ظهره نحو باب حجرة المديرة محركا شفتيه بكلمات كثيرة لم تهتم لقرائتها أو قراءة حركة جسده .. خطت بداخل مكتبها الأنيق الفاخر عندما فتح الباب لها و هي تبتسم له إبتسامة باردة قبل أن تواجه المديرة بعبائتها السوداء و أطنان مساحيق التجميل على وجهها و عدستين لاصقتين برز لونهما الأخضر تحت ظلال عينيها و إبتسامتها الدافئة .. تعابير وجهها و راحتي يديها الموضوعتين على المكتب أمامها عكسا حماسا زائدا ما .. كان يجلس أمامها رجل حليق ذو ملامح طفولية و ممتلئ الجسد قليلا .. يرتدي نظارة ذات إطار أسود يغطي بهما عينان عسليتان ضيقتان .. -هل رأته من قبل ؟؟ لماذا ملامحه مألوفة هكذا؟؟- شعر أسود قصير تخللته شعيرات بيضاء دلتها أنه في الثلاثينات من عمره و يرتدي بذلة رمادية اللون و ينظر لها في إهتمام -دون إعجاب- قبل أن ينظر إلى الأرض بخجل!! .. دعتها المديرة إلى الجلوس فجلست أمامه ضامة كفيها فوق ساقيها و إلتفتت مواجهة المديرة

- إشلونك (فرح) ؟؟

اللهجة الخليجية و مخارج الحروف المفتوحة كان من أصعب ما تعلمته لكنها الآن لا تجد صعوبة في معرفة ما يقال لها ..

- الحمد لله .. بخير .. حضرتك كنتي عايزاني ؟؟

- أه .. الأول أبي تجابلي دكتور (مصطفى يحي) .. مصري

نظرت إلى الرجل الجالس أمامها و كذلك نظرت (فرح) .. إبتسمت و هي تومئ برأسها محيية في حين رد (مصطفى) إبتسامتها بإبتسامة خجول أثارت دهشتها و إن لم تبدها له

- دكتور (مصطفى) جادم من كندا و يبي يسوي تجربة معك

- معايا أنا ؟؟ -قالتها بدهشة لم تستطيع كتمانها هذه المرة-

تنحنح (مصطفى) ليشارك في الحديث قبل أن يقول في صوت خفيض

- إسمحي لي أكمل أنا بعد إذنك

أومأت إليه المديرة برأسها قبل يستأنف كلامه

- أنا عارف أنك بتقري حركة الشفايف أنسة (فرح) .. صح ؟؟

أومأت (فرح) برأسها إيجابيا و بدأت تشعر بالتوتر و جفاف ريقها .. نظر (مصطفى) إلى الأرض و هو يلمس طرف نظارته قبل أن يرفع وجهه إليها و ينظر إلى نقطة وراء ظهرها مستأنفا كلامه

- أنا بشتغل في جامعة في كندا و تخصصي هو الفيزياء الحيوية (Biophysics) .. تعرفي حاجة عن المجال ده ؟؟

هزت (فرح) رأسها نفيا و هي تدرس حركات يديه و وجهه و نظرات عينيه و تقرأ شفتيه معا .. هز هو رأسه متفهما ، متوقعا أنها لا تعرف شيء عن مجاله .. لمس طرف نظارته مرة أخرى قبل أن يعاود النظر خلفها و يعاود كلامه .

خجول إلى حد كبير .. (بيتكسف من خياله) يكاد يكون هذا التعبير مناسبا له .. يلمس طرف نظارته كل دقيقة و بالذات عند بدء حديث .. تحديقه خلفها عند حديثه معها يدل على أنه متوتر و خجول أيضا من تبادل الحديث .. الخجل عادة يدل على الشخصية القوية التي تخشى أن تتعرض للإحراج .. شكرت له في سرها عدم تباطؤه في الكلام معها كعادة معظم الغرباء عنها .. توقفت (فرح) عن تحليل جسده و بدأت في قراءة شفتيه سريعا

- الفيزياء الحيوية بإختصار هو العلم اللي بيحاول يحل مشاكل في علم الأحياء عن طريق الفيزياء .. أنا عارف إنه مش منتشر بالنسبة للعامة لكن مجالات تطبيقه حاليا كتير في العالم .. العلم ده بدأه الدكتور (كارل بيرسون) (Karl Pearson) سنة 1892 على الرغم ...

قاطعته المديرة و هي تتنحنح فنظر لها مما جعل (فرح) تنظر لها بالمثل

- دكتور (مصطفى) .. أفتكر (فرح) ناطرة تعرف عن تجربتك .. يا ليت لو تحجي بلا مجدمات

إحمرت أذناه و أومأ برأسه موافقا قبل أن يعاود حديثه مواجها (فرح)

- أنسة (فرح) .. أنا بقالي أكثر من سنة بشتغل على موضوع أعتقد إنه متعلق بحالتك إلى حد كبير .. الموسيقى عن طريق الإهتزازات

شدت كلمة الموسيقى (فرح) و جعلتها تعدل في جلستها و هي تقول:

- يعني إيه .. مش فاهمة ؟؟

- أكيد درستي فيزياء .. الصوت عامة ما هو إلا عبارة عن موجات بتنتقل عبر وسط مساعد زي الهواء أو الأجسام الصلبة .. الموجات دي لو لأي سبب من الأسباب ماتنقلتش يبقى مش هتسمعي صوت .. سواء كان السبب في مصدر الصوت أو الوسط أو ال(Reciever) .. الفكرة اللي شغال عليها هي إن الموجات دي تقدر تتحول ل(Vibrations) أو بالعربي إهتزازات .. و زي ما كل صوت له نغمته اللي بتختلف حسب طول الموجة أو عرضها برضه الإهتزازات تقدر تتغير حسب نغمة كل صوت .. و الإهتزازات ..

- -مقاطعة بلهفة- دكتور (مصطفى) أسفة على المقاطعة .. أنا فاهمة اللي حضرتك بتقوله .. لكن عاوزة أعرف أنا هقدر أسمع الأصوات مرة تانية ؟؟

لمس (مصطفى) طرف نظارته و إبتلع ريقه قبل أن يقول و هو ينظر في عينيها مباشرة هذه المرة

- أنا مش دكتور بشري عشان أقدر أرد على سؤال زي ده .. أنا جيتلك مخصوص من كندا عشان أنا ما سمعتش حد في حياتي بيعزف زيك أو كان بيألف ألحان زيك .. إحساسك بالموسيقى مش مجرد سمع بس .. إحساسك طبيعي و جاي من عقلك .. عروض تحويل كلام الناس لموسيقى كانت مبهرة بالنسبة لي و بالنسبة لكل الناس .. و هو ده اللي شجعني إني أجي هنا مخصوص عشانك

تابعت شفتاه بعينين متسعتين يملأ حدقتيهما الحماسة قبل أن تخبو الحماسة تدريجيا مع كلماته و تجيب بكلمات بطيئة حائرة:

- دكتور (مصطفى) .. أسفة .. مش فاهمة حضرتك عاوز مني إيه بالضبط ؟؟

- أنا في الجامعة اللي شغال فيها بحاول مع فريق إننا نوصل لطريقة جديدة للتعامل مع .. إحمم .. الحالات اللي زي حضرتك ب..

- -مقاطعة في تحدي- الصُمْ .. مش محتاج تزوق الكلام ..

إحمرت وجنتيه و نظر إلى الأرض في حرج قبل أن يعاود ملامسة نظارته و النظر لها و هو يقول:

- أنا مش بزوق الكلام .. أنا مؤمن إن كل شيء و له علاج بس إحنا مش عارفينه لسة .. حاجات كتير قبل كدة كانت مالهاش علاج و لا طريقة لإصلاحها لكن دلوقتي في أكثر من طريقة و طريقة .. العلم كل يوم بيتقدم و بيفتح باب جديد بيساعد ناس كانوا متخيلين إن حياتهم إنتهت أو إنهم خسروا حاجات لا يمكن تتعوض ..

راحة يداه مبسوطتان أمامه و هو يتكلم كناية عن صدقه و إيمانه بما يقول لكن إيمانه لم يكن من النوع المعدي حتى ينتقل إليها .. بعد عامان تعلمت ألا تتعلق بأي أمل حتى يكون حقيقة واقعية .. لم تجبه فقط هزت رأسها متفقة معه و عيناها تكذبانها .. إن كان يقرأ العيون فسيعرف مدى إقتناعها بكلماته .. أو بالأصح عدم إقتناعها ..

- الفريق و أنا كنا بنشتغل على نظريات و إكتشافات بتقول إن الجلد فيه خلايا إستشعار بتتسمى (mechanoreceptors) تقدر إلى حد ما إنها تأدي نفس وظيفة الخلايا السمعية اللي في الودان .. لكن إستجابتها لإهتزازات الصوت أعلى من إستجابتها للصوت نفسه .. و على الأساس ده إحنا كنا بنحاول إننا ننشط و نحفز الخلايا دي للموجات و الإهتزازات بتاعة النغمات و نشوف تأثيرها و مدى إستجابتها .. و النتيجة إننا لاقينا إن الناس ممكن تحس بالصوت و الموسيقى بنسبة مش بطالة .. طبعا التجربة دي كان لا يمكن تكمل من غير وجود شخصية متميزة في إحساسها بالموسيقى زيك .. و ده سبب وجودي هنا ..

لم تستطيع أن تمسح خيبة الأمل من على وجهها أو بالأصح لم تهتم بأن تخفيها عنه .. كلماته المرسومة على شفتيه ذكرتها بالوعود و الأساطير التي قرأتها على أوراق الأطباء في إنجلترا .. تراجعت في جلستها حتى لامس ظهرها ظهر المقعد و عقدت يديها إمامها في تعبير إغلاق صريح له و لكلماته و هي تجيب:

- دكتور .. ما أفتكرش إني أقدر أفيد حضرتك كتير .. أنا إن كنت متأكدة من حاجة حاليا فمتأكدة إني مش الشخص المناسب لده .. أسفة على رفض طلب حضرتك.

نظرة دهشة ممزوجة بحرج إرتسمت على وجهه قبل أن ينظر إلى المديرة مستغيثا أن تساعده كي تغير رأيها .. نظرت (فرح) إليها لتجدها تقول:

- (فرح) انتي خابرة إني بحبك وايد .. و أنا مشان هادا حبيت إنك تشاركي و تجربي..

- -مقاطعة- مع إني متأكدة من نية حضرتك بس حابة أعرف دي تجربة إختيارية و لا إجبارية ؟؟

- شفيك (فرح) .. طبعا إختياري ..

قامت من مقعدها و هي تقول في ثبات ناظرة لكليهما:

- يبقى أنا مش موافقة على التجربة دي بعد إذن حضرتك .. أنا أسفة يا دكتور (مصطفى) لمجي حضرتك مخصوص من كندا علفاضي .. بس أنا خلاص بتكيف علي وضعي و مش عاوزة أجرب حاجة جديدة .. أستأذنكم أرجع لقاعة الپيانو ..

قالتها و هي تلتفت ناحية الباب قاطعة أي فرصة من ناحيتهم لإكمال الحوار و التواصل .. هزت المديرة رأسها في ضيق في حين طرق (مصطفى) برأسه نحو الأرض مفكرا.

في طريقها للقاعة أخذت اللحظات الماضية الصامتة تتوالى على رأسها .. لم تعلم لماذا كانت بهذا العناد و التصلب ضد تلك الفكرة و التجربة .. هل لأنها ملت من المحاولات التي لا نفع منها أم لأنها فعلا تحاول تهيئة عقليتها و نفسها لأن تعيش هذا العالم الجديد البارد الكئيب ؟؟ .. أم لأنها لم تسمع صوت الدكتور فكانت كلماته بالنسبة لها كرسائل الموبيل الإعلانية الصامتة الرتيبة التي تعلمت أن تتجاهل محتواها عندما تهز هاتفها .. لم تعتاد أن تكون عنيدة أو فظة مع الأخرين .. لكن هذا كان من عاداتها الجديدة المكتسبة في هذا العالم .. لقد توقفت على أن تكون منقادة و ملبية لرغبات الأخرين .. لقد تأخر عامين عن موعده معها .. منذ عامين كانت لتستمع له و لطلب المديرة بصدر رحب أما الآن فلم يعد لديها ما تقدمه سوى روح صماء عن طلبات الأخرين.

وصلت إلى القاعة و ألقت بجسدها أمام الپيانو تداعب مفاتيحه محاولة دمج خيالات نغمات قديمة في رأسها قبل أن تتوقف شاعرة بالعجز لعدم سماعها أي من النغمات الصادرة .. ضربت بقبضتيها مفاتيح الپيانو في إحباط و ألم .. دقائق مرت فيهم حياتها السابقة أمام عينيها على مفاتيح الپيانو قبل أن تلمح ظل غريب يدخل نطاق رؤيتها و شاشة أفكارها فرفعت عينيها لتجد أمامها دكتور (مصطفى) واقفا بجانبها مبتسما في خجل و يستند في وقفته على عكازين معدنين .. عكازين !!؟؟ .. كيف لم تلمحهما عندما دخلت إلى الحجرة .. قامت واقفة مصعوقة

- تسمحيلي أقاطعك شوية كمان ؟؟

نظرت إليه مصدومة .. عجز عقلها عن الإجابة للحظات قبل أن تهز رأسها و تسرع لإحضار مقعد إليه .. وضعت المقعد خلفه و في تلقائية مدت إليه يديها لتساعده على الجلوس لكنه أوقفها بإشارة من كف يده و جلس لوحده معتمدا على عكازيه و مسند المقعد قبل أن ينظر لها مبتسما و يسألها أن تجلس .. جلست أمامه و وجهها يفضح صدمتها

- أناااا .. أنا أسفة ..

- على إيه ؟؟

لم تجب و إن أجابت عيناها اللتان خانتاها و حدقتا بقدميه لوهلة لمحها فإبتسم في خجل و أسند العكازيين إلى مسند المقعد و لمس طرف نظارته كعادته قبل أن يشد طرفي ساقي بنطاله كاشفا عن ساقين معدنيتين أثارتا القشعريرة في عمودها الفقري لمرآهما قبل أن يخفض طرفي ساقي بنطاله مرة أخرى و يلمس طرف نظارته و ينظر لها و هو يقول:

- حادثة من خمستاشر سنة .. كان عندي سبعتاشر سنة وقتها .. كنت في سنة أولى كلية علوم و كنت بلعب كرة يد في بطولة الجامعات و فزت مع فريق الكلية .. راجعين مبسوطين و عمالين نغني و نرقص في أتوبيس الكلية قبل ما الأتوبيس يخبط في قطر عند مزلقان .. كنت من اللي ربنا كتبلهم إنهم يعيشوا .. لكن خسرت رجليا الإتنين .. يا فرحة ما تمت زي ما بنقول في مصر ..

قالها باسما كأنه يلقى نكتة سخيفة في حين وضعت (فرح) كف يدها على فمها و إتسعت عيناها ذعرا

- بعد ما عديت بمراحل الصدمة النفسية الأربعة الأولي زي ما بيقول دكاترة علم النفس .. الإنكار و الغضب و المساومة و الإكتئاب وصلت لمرحلة التقبل .. أعيش بقية حياتي برجلين صناعيتين و أشوف إيه اللي أقدر أعمله عشان ما أرجعش أعيش المراحل الأولى تاني من الأول .. ركزت في مذاكرتي و دراستي و قدرت أطلع بمنحة ماجستير لكندا بعد ما خلصت و نجحت و عرضوا عليا أكمل الدكتوراه و أشتغل باحث معاهم و أخدت الدكتوراه و بقيت بدرس و أعمل أبحاث .. لو كنت وقفت عند أي مرحلة من المراحل الأولى من الصدمة كان زماني لسة في مصر بندب حظي أو الله أعلم كنت فين دلوقتي .. لكن الفضل بعد الله سبحانه و تعالى لوالدي الله يرحمه اللي شجعني و وقف جنبي لغاية ما وقفت على رجليا من تاني .. مش وقفت بالمعنى الحرفي طبعا -إبتسامة باهتة- .. يمكن عشان كدة أنا فاهم و عارف يعني إيه إنك تقولي إنك بتتكيفي على وضعك .. و إنك بتفضلي الوحدة .. لكن برضه بطلب منك برجاء إنك تجربي معايا التجربة دي .. أنا مش بوعد بحاجة معينة .. لكن اللي بأكده إنك لو ما استفدتيش حاجة من التجربة فأكيد مش هتخسري

نظرت (فرح) إليه و عقلها يعمل في إتجاهات عدة .. قراءة شفتيه و وجهه و عينيه الصادقين .. تحليل كلماته .. شعورها بالإعجاب الذي غمرها عندما علمت ما واجهه و فعله .. تلك الإلهاءات التي تأتيها من حين لأخر لتخرجها من التناغم الذي تحاول أن تعيشه مع واقعها الجديد .. طوق نجاة يلقى إلى غريق بعد أن مات و شبع غرقا -من قائل هذه العبارة ؟؟- لكن هل يعلم حقا ما تشعر به ؟؟ هل يعلم كيف كانت معالم ماضيها .. هل يعلم كم كانت تعيش في سلام و سعادة .. هل يعلم كم كان عالمها بسيطا جدا من قبل .. الموسيقى و الپيانو .. كانت لا تعيش أكثر من ذلك .. هل يعلم كيف كان الصوت يشكل لها كل شئ .. كل شئ .. حتى إرتباطها بمن حولها .. (خلود) .. (رهف) .. (عمر) .. كل من هؤلاء إرتبط معها بصوته قبل أي شئ أخر ..

- دكتور (مصطفى) .. -صمتت حائرة تنظر إليه-

- ممكن نخليها (مصطفى) بس .. نعم ؟؟

أغمضت عينيها لدقيقة قاطعة الإتصال قبل أن تفتحهما و تقول بنغمة مترددة:

- إزاي هتكون التجربة ؟؟

إبتسم في إنتصار قبل أن يلمس طرف نظارته مرة أخرى و يقول:

- الأول حابب إنك تجربي حاجة قبل التجربة نفسها ؟؟

هزت رأسها موافقة

- دلوقتي ؟؟

- كمان ساعتين .. محتاج أطلب من الفريق يحضروا الحاجة دي الأول ...

- حضرتك مش هتفهمني إيه هي ؟؟

- أفضل .. بعد إذنك .. إنك ما تكونيش مستعدة بأي أفكار إيجابية أو سلبية عنها قبل ما نبتدي .. ممكن ؟؟؟

هزت رأسها موافقة بعد ثوان من التردد و هي تتنهد .. أخذ عكازيه و نهض عن المقعد بشئ من العسر قبل أن يلتقط هاتفه من جيبه و يتركها في القاعة .. جلست و حاولت مداعبة مفاتيح الپيانو مرة أخرى لكن عقلها كان مشتتا بالكامل .. ساعتين مرتا و هي تحاول مرة بعد مرة أن تضع عقلها و تركيزها في الپيانو بلا فائدة قبل أن يقطعها دخول بعض الناس غربي البشرة و الشكل مع المديرة و (مصطفى) و بعض العاملين في المعهد يحملون مقعدا يشبه مقاعد البحر (شيزلونج) (chiase lounge) و به ما يشبه العديد من السماعات الصغيرة عنكبوتية الشكل برزت على سطحه بالكامل .. وقفت تراقبهم مشدودة و المديرة تتحدث و ظهرها لها .. إنهم متحمسون و يشعرون بالتفائل .. عرفت ذلك من وجوههم المتطلعة إليها و ضحكاتهم .. مازال هناك صوت قوي بداخلها ينهاها على أن تنصاع لهم و لتفائلهم و أحلامهم .. شردت ببصرها بينما إنشغل البعض و بينهم (مصطفى) بتوصيل عشرات الأسلاك إلى المقعد من جهاز يشبه الستيريو (Stereo) به العديد من الأزرار التي تعمل بالدوران حول محورها .. نظر (مصطفى) إلى المقعد نظرة أخيرة قبل أن ينظر لها

- أنسة (فرح) .. ممكن تتفضلي هنا لو سمحتي ؟؟

متوترة إتجهت نحوه و هي تتأمل العيون التي تركزت عليها .. نظرت لها المديرة مبتسمة و مطمئنة و متحمسة .. وقفت بجانبها منتظرة دورها

- الكرسي ده يعتبر البداية و في هيئة بدائية شوية عشان تتعودي الأول .. إسمه (Emoti-Chair) .. دلوقتي ممكن تقعدي عليه لو سمحتي ؟؟

جلست بحذر كل لا تفسد الأسلاك و السماعات الصغيرة .. متوترة كقطة خائفة .. عشرات الأفكار تدور في رأسها .. إقترب منها (مصطفى) و في يده غطاء للعينين (Blind folding) فنظرت إليه حائرة

- ممكن تحطي ده على عينيك لو سمحتي ؟؟

- بس .. بس أنا مش هعرف أعرف بتقولوا إيه

- مش محتاجين ده حاليا .. أرجوكي ..

تنهدت مرة أخرى و ضغطت على أسنانها ثم أخذت منه غطاء العين .. وضعته على عينيها و إنقطع إتصالها بالعالم كله .. إستمرت بعض خيالات الضوء في عينها الثالثة معها للحظات قبل أن تختفي هي أيضا تاركة محلها ظلام دامس صامت .. هذه المرة عقلها هو من أرسل إليها صورة الصهباء الصارخة فتمسكت بالمقعد بيديها و قلبها ينبض بقوة أشعرتها أنها تتأرجح في ذلك الظلام .. ضغطت على أسنانها و هي تحرر عقلها من تلك الصورة فبدأت في داخل عقلها تنبعثت موسيقى لا تزال تتذكر لحنها .. (الوقت) (Time) رائعة (هانز زيمر) (Hans Zimmer) .. تتناسب إيقاعاته مع حالة اللامكان التي تشعر بها الآن .. -هل هذه هي التجربة ؟؟- .. قرأت من قبل عن الثقب الأسود في الفضاء (Black hole) .. لا وجود للزمان و لا للمكان و لا للضوء و لا للصوت .. هل هذا شعور من يجذبه الثقب الأسود .. لولا المقعد الذي يستكين جسدها عليه لأقسمت أنها لا تعرف الاتجاهات الست .. بدأت صورة الفتاة تتلاشى تدريجيا و بدأت تشعر فجأة بذبذبات في المقعد جعلها تجفل و تتوتر لكنها أستقرت في مكانها .. ذبذبات تتحرك من أعلى ظهرها لأسفل و العكس .. تتنوع بين القوة و النعومة .. الذبذبات تداعب ظهرها و تجعلها تشعر بشعور غريب .. نزعتها الذبذبات من طيرانها الحر في الثقب الأسود و جذبتها نحو الأرض مرة أخرى .. بدأت تشعر بأريحية مع الذبذبات كأنها تطفو على سطح حوض استحمام مياهه تحمل جسدها برفق و هدوء و تداعب ظهرها بلين .. شعرت بدغدغة ناعمة مريحة في أعصابها تجعلها ترغب بالاسترخاء أكثر قبل أن تشعر بأن الذبذبات تترابط على مسار عمودها الفقري و تتحرك بهدوء رويدا نحو رأسها الذبذبات تتشكل داخل عقلها بصورة مختلفة لا تستوعبها جيدا .. لا تجد تعريفا أو وصفا لها .. لكنها تتناغم على هيئة مألوفة لم تحددها بعد و إن أنارت ركن في عقلها إنضوى لعامين كاملين قابعا يائسا مستسلما للسكون من حوله .. هل هي حقا تشعر بهذا ؟؟ .. لعبتها الصغيرة السابقة .. نهضت فجأة من الركن المظلم في غياهب عقلها و نفضت عنها التراب الذي غلفها جراء الأسر المفاجئ لعامين كاملين قبل أن تتحرر من قيودها و تتلمس الذبذبات في ألفة و أريحية .. بدء يتشكل في عقلها اللحن كاملا مع إستمرار الذبذبات !!.. هي تعرف هذا اللحن الذي كونه عقلها .. ليس غريبا عنها .. عقلها أدركه و إن لم يصله عن طريق أذنيها .. مهلا .. هذا اللحن الأخير الذي عزفته علي المسرح الملكي في لندن .. ليس لحنا معروفا كألحان المشاهير .. إنه لحنها هي .. لحنها الذي ألهمها به (عمر) نفسه دون أن يدري .. هل هو حقا أم أنه خيالات عقلها ؟؟ .. نزعت غطاء العينين و قطبت عينيها لثانيتين لتعتادا على الضوء و هي تقول في لهفة:

- دي السيمفونية الأخيرة اللي عزفتها على المسرح الملكي ؟؟

نظرة ظفر في عين (مصطفى) قبل أن يلتفت إلى فريقه يترجم لهم ما قالته .. ضحكت المديرة و صفقت بيديها جزلا قبل أن تنقض عليها تقبل خديها .. نظرة ذاهلة في عيني (فرح) .. إلتفت إليها (مصطفى) قائلا:

- حسيتي بإيه ؟؟

صمتت حائرة لا تدري ما تقوله .. إبتلعت ريقها و ذهولها .. ثوان قبل أن تجيب ببطء:

- حسّيت بالموسيقى ..!!

إبتسامة على وجهه قبل أن يلتفت لفريقه قائلا شيئا لم تره و إن تحرك أحدهم نحو الستريو قبل أن يلتفت لها و يقول:

- طيب .. من فضلك حطي غطا العين تاني ..

أومأت برأسها وهذه المرة كانت على وجهها إبتسامة و قلبها ينبض كذبذبات الجهاز .. وضعت غطاء العين و أغمضت عينيها .


                    سبعة آلاف و ثمانمائة و ثمانية و تسعون يوما على الأرض ..

4) البعث ..

فتحت (فرح) عينيها ببطء و ضعف .. الرؤية مهتزة .. غلالات على عينيها .. الضوء يؤلم عينيها بشدة .. كل ما حولها يدور بإستمرار كأنها في لعبة الساقية في الملاهي .. أغمضت عينيها و فتحتهما عشرات المرات .. قبل أن تبقيهما مفتوحتين .. صداع يحاول شق رأسها بكل جدية .. حركة الموجودات الدائرية هدأت نسبيا .. لدقائق لم تعرف من هي ؟؟ .. أين هي ؟؟ .. دوى إسم (فرح) في رأسها .. أنا (فرح) ؟؟ .. ثوان و بدأت تستعيد ذاكرة إسمها و كينونتها .. حلقها جاف كصحراء قاحلة في شهر أغسطس .. حاولت إبتلاع ريقها إلا أن شيئا في فمها منعها .. الصداع يواصل مهمته في تحطيم رأسها بحماس .. كل جزء في جسدها يزن طنين على الأقل .. أبسط حركة لإصبعها مستحيلة .. حركت حدقة عينيها دون رأسها يميناً و يسارا .. لماذا ليست في حجرة نومها .. ما هذه الأشياء المتصلة بجسدها و الأجهزة المجاورة لها ؟؟ .. أين أمها و أختها ؟؟ .. هل تحلم ؟؟ أم هل مازالت تحلم ؟؟ أغمضت عينيها ألما من الصداع .. فتحتهما لتجد كل شيء كما هو .. دخلت فتاة ما لا تعرفها في نطاق رؤيتها بملامح غربية ترتدي زيا و غطاء رأس أبيض اللون و يختفي نصف وجهها خلف قناع أبيض .. شعرت بالهلع وو حاولت التحرك أو الصراخ إلا أن الذي في فمها كتم صوتها و أطرافها الحجرية أبت أن تتحرك .. نظرت الفتاة على أوراق بيدها قبل أن تقترب من الأجهزة المحيطة و أخذت تتأملها و هي تكتب أشياء على الأوراق قبل أن تحدق فجأة في إحداها و تنظر بعدها إليها .. نظرت إليها (فرح) بذعر إلا أن الفتاة إتسعت عيناها بدهشة و تراجعت قبل أن تخرج من مجال رؤيتها مرة أخرى ..

دقائق مرت كدهر بالنسبة إليها قبل أن تجد أن الفتاة تعود و معها إمرأة أخرى ترتدي معطفا أبيض اللون و الإثنين يقفان عند رأسها نظرت لهما بضعف و فزع قبل أن تغمض عينيها بقوة عندما وجهت المرأة ضوء مصباح إلى عينيها .. فتحت بعده عينيها مرة أخرى لتجدها تحرك شفتيها بكلمات لا تسمعها .. حاولت مرة أخرى الحركة أو الكلام لكن كأن أحدهم أبدل جسدها بأطنان من الحديد المصبوب .. رجل إنضم إلي المرأتين و أخذ يتلمس ذراعيها و كفها .. شعرت بملمس يديه عليها من على بعد ملايين السنوات الضوئية .. الإثنين يبتسمان لها و يحركان شفاهما لكنها لا تسمع شيئا .. إستمر العديد بالقدوم حتى إمتلئت الحجرة بوجوه لا تعرفها تبتسم لها و تحرك شفاها في عرض صامت مستمر .. نحلة ما لا تكف عن الطنين داخل رأسها .. -أين أمي و أختي و (عمر)؟؟؟- .. دار السؤال في رأسها قبل أن تشعر بوخزة في قدمها اليمنى جعلها تسحبها نحوها .. تسحبها !! .. نعم أخيرا إستجاب محرك قدمها اليمنى لها و طاوعها و تحرك .. إستمر العرض الحصري يذيع على الهواء مباشرة أمام الواقفين حولها تحركاتها و إستعادتها السيطرة على مقود جسدها المتيبس رويدا رويدا .. رأت عشرات الوجوه الغريبة و مئات الشفاه المتحركة و آلاف الإبتسامات و لكن لم ترى أحداً تعرفه .. لا تعلم لكم من الوقت إستمر ذلك العرض .. ساعات أم أياما أم سنوات .. لكنه إنتهى بتحرر فمها من ذلك الخرطوم الذي كان محشور حشرا بداخله و إزالة أشياء أخرى من أنفها و برؤيتها أخيرا لعائلتها ..

رأتهم في بادئ الأمر من وراء نافذة زجاجية فصلت بينهم كسد ذو القرنين.. رأت الدموع و الإبتسامات في عيونهم .. تكلمت بصوت لم تسمعه و لم يتعد همهمات من شفتيها .. مدت إليهم يديها في الهواء مستنجدة بهم .. قرون مرت قبل أن يعبروا جميعا البرزخ الزجاجي إليها لتجدهم فوق رأسها يقبلون وجهها و يبللونه بدموعهم و ابتساماتهم تغرقها بفرح .. شفاهم تتحرك بلا صوت .. أمها و أختها و (عمر) و .. شخص لا تعرفه و إن كانت ملامحه مألوفة .. و إمرأة أجنبية جميلة لا تعرفها ..

- إيه اللي حصل ؟؟

لم تسمع صوتها حين تكلمت بصعوبة و لم تسمعهم حين تحركت شفاههم .. إبتلعت ريقها قبل أن تجاهد جهاد (أودسيوس) (Odysseus) في العودة إلي مملكته لتقول لهم في ضعف

- أنا مش سامعاكم ..

لم تسمع صوتها و لا صوت أمها و أختها حين حركوا شفاههم

- ايه اللي بيحصل أنا مش سامعاكم !!

كأنها تتأمل صورة متحركة بلا صوت .. -من وضع الصوت في وضع صامت ؟؟- .. نظرة قلق في أعين أمها و أختها و (عمر) و حتى ذلك الغريب الذي أخذ يتكلم بلا صوت مع الأجنبية .. الشفاه تتحرك و لا شئ يلامس أذنيها !!

- أنا مش سامعة حاجة .. أنا مش سامعة حاجة .. في إيه ؟؟؟ أنا مش سامعة صوتي ؟؟ في إيه ؟؟

جرت الأجنبية خارج الحجرة و وضعت أمها كف يدها المفتوح أمام فمها في حين اتسعت عينا (رهف) في ترقب و تراجع (عمر) للخلف قبل أن يلحق بالأجنبية خارج الحجرة

- في إيه يا ماما .. أنا مش سامعة نفسي و مش سامعاكم ليه ؟؟ في إيه يا (رهف) .. إيه اللي حصل ؟؟ إيه اللي حصل ؟؟

حتى في السينما الصامتة كانت هناك بعض موسيقى !!

ما بعده مر كأنه حلم بالنسبة إليها .. قيامها من الفراش .. سيرها بصعوبة في بادئ الأمر .. أعداد لوحات الأشعة التي التُقِطَت لها يمكن أن تغلف العالم مرتين .. ألم كاسح يشق رأسها نصفين .. نظرات ملتاعة .. نظرات مشفقة .. نظرات متسائلة و خائفة .. عالم من النظرات أحاط بها إقتحم جدران عقلها بوقاحة .. و في النهاية أعلنوا الأمر .. إصابتها في رأسها أفقدتها سمعها .. تلف في العصب السمعي .. لا يمكن علاجه حاليا!! .. كتبتها لها (رهف) على ورقة قبل أن تضعها أمام وجهها و غلالة دمعية تغلف مقلتي عينيها .. صرخت صرخة لم تعبر طبلة أذنيها و إن آلمت حنجرتها .. أمها تحتضن رأسها باكية .. (رهف) تدفن وجهها في كفي يديها .. (عمر) ينظر لها بنظرة باهتة ذاهلة .. خالها الذي قرأت إسمه و صفته لم يستطيع الوقوف فجلس على مقعد قريب .. خطيبته الأجنبية تتحدث مع طبيب ..

أسبوعان مرا منذ أفاقت من غيبوبتها و هي تعيش بداخل أجهزة الأشعة و بين أجهزة علاج طبيعي و فوق أسرة تحمل عطر المطهرات الدائم .. رافقتها النحلة الطنانة طوال الأسبوعين قبل أن تتحول إلى حفار يشق رأسها نصفين جعلها تتأوه في صمت .. أو لنقل صمتا بالنسبة لها فقط

كانت في حجرتها بعد أن غادرتها ممرضة من العشرات اللاتي شاهدتهم طوال الأسبوعين .. آلام رأسها و الصمت القاتل الذي تعيش فيه منذ أفاقت جعلا روحها مثقلة بهموم أهل الأرض جميعا .. لا تذكر كثيرا مما حدث .. كانت تحدث (رهف) على الهاتف و تبكي لعدم عثورها على (عمر) في حجرته ثم سمعت صوت اصطدام من خلفها جعلها تجفل و تلتفت لتجد .. لا تتذكر ماذا رأت .. فقط تذكر أنها كانت تهتف بإسم (عمر) و هي تطير في الهواء قبل أن يظلم كل شئ أمامها .. لم تهتف في لحظاتها الأخيرة تلك قبل الغيبوبة إلا بإسم (عمر) .. (عمر) .. ذلك الملاك الذي يمشي علي قدمين على الأرض بجوارها و حولها .. لم تشعر بالإنتماء في حياتها سوى ل(خلود) ثم (رهف) و الآن (عمر) .. دخل حياتها و قلبها رأسا على عقب .. فجأة سبق الجميع و صار الأقرب إليها .. لا تستطيع أن تتصور الحياة بدونه الآن .. ما الذي رأته فيه مختلفا عن باقي الرجال ؟؟ هو الوحيد الذي يفهم مشاعرها حقا و يقرأ أفكارها .. هو الوحيد الذي يعرف ما تحبه حقا .. حتى (خلود) و أختها لم يصلا إلى هذا المستوى من فهمها كما فعل (عمر) .. لكنها تعرف أنها لا تستحقه الآن .. كم تتمنى أن تستعيد سمعها فقط كي تسمع صوته مرة أخرى .. دخل (عمر) عليها فجأة و هي في وسط خواطرها ينير غرفتها حرفيا بإبتسامته -حتى رؤيته فقط كفيلة بأن تنسيها كل همومها- جلس بجانب فراشها و أمسك بيدها مرسلا لها نبضات حانية جعلتها رغم همومها و آلامها تبتسم .. ربت على يدها قبل أن يمسك بلوح بلاستيكي موضوع على المنضدة بجانبها -وسيلة اتصالها بالعالم مؤخرا- و خط عليها بعض الكلمات قبل أن يعطيها اللوح لتقرأه

- أخبارك ايه دلوقتي يا حبيبتي ؟؟

قرأتها قبل أن تجيب بإبتسامة صغيرة

- لما بشوفك بحس إني أحسن كتير

أخذ اللوح و خط عليه مرة أخرى

- أرسملك صورتي على علب الدوا عشان تخفي بسرعة

ضحكت بشدة حتى قطع ضحكتها آلام رأسها فتأوهت و أمسكت رأسها قبل أن تقول

- أنا خايفة يا (عمر)

- من إيه ؟؟

- ما قدرش أسمعك تاني .. و لا أسمع أختي .. ولا ماما .. و لا الپيانو .. أنا كنت بعيش على الأصوات اللي حواليا يا (عمر) و بجد مش عارفة هقدر أكمل إزاي لو ماسمعتش تاني

- إن شاء الله كل شئ هيتحسن و يرجع زي ما كان .. ما تبالغيش

- أنا مش ببالغ السكوت ده بيجنني .. و بيخوفني

- بيخوفك و أنا جنبك ؟؟

- طول ما إنت جنبي لأ .. بس هخاف لو مابقتش جنبي

- خلاص .. إيه رأيك أول ما تقومي بالسلامة .. ننقل الدبل لإيدينا الشمال ؟؟

قرأت العبارات و رغم آلامها ابتسمت في حزن و قالت

- عمر .. إنت متأكد إنك عاوز تكمل معايا ؟؟

- أنا لو متأكد إني قدامي في الدنيا ١٠٠ سنة كمان يبقى عاوز أقضيها معاكي

إتسعت إبتسامتها حتى آلمتها و لم تتمالك نزول قطرات من عينيها آلمتها أكثر

- أعتبر ده معناه أه ؟؟

هزت رأسها مبتسمة فأمسك بيدها و احنى رأسه طابعا على ظهر يدها قبلة طويلة .. دخلت (رهف) و خالها و أمها عليهم فجأة و (عمر) ممسك بيدها فلم تطيق كتمان الخبر بداخلها فقالت بصوتها الذي توقف عند حدود أذنيها

- أنا و (عمر) هنتجوز بعد ما أخرج من المستشفى إن شاء الله

ضحكت أمها و تجهمت (رهف) و توتر خالها .. رأت (فرح) كلمات متبادلة بينهم و بين (عمر) فأحنقها أنها لا تعرف ماذا يقولون

- حد يكتبلي بتقولوا ايه !!!

أخذت (رهف) اللوح و خطت عليه

- كنت بقول إننا نستنى لحد ما نطمئن تماما على كل شئ

- ما أنا بقول لما أخرج من المستشفى

قالت أمها شئ فكتبت (رهف)

- ماما بتقول نسيب كل شئ لأوانه و إنها متفائلة

قال خالها شئ بعدها ل(عمر) فخرجا بعدها خارج الحجرة .. نظرت (فرح) إليهم متعجبة ثم سألت

- هو خالو و (عمر) خرجوا ليه ؟؟

- خالو عاوز (عمر) يروح معاه الكافتيريا يجيبوا قهوة

هزت (فرح) رأسها و إن بداخلها أحست بتوتر لم تعرف له سببا .. جلست مع أمها و (رهف) يحادثونها بالكتابة و تحادثهم بصوتها حتي عاد خالها و (عمر) إلى الحجرة يحملان ثلاثة أكواب من القهوة (عمر) مبتسما كعادته جلس بجانبها و أخذ اللوح و خط عليه

- حبيبتي .. أنا كدة بقالي شهر و نص هنا في إنجلترا و لازم أرجع مصر عشان الشغل

حدقت في وجهه بخوف قبل أن تخط هذه المرة على اللوح بدل من الكلام

- هتسيبني دلوقتي ؟؟ في حاجة خالو قالهالك

- لا أبدا زميل ليا بعتلي رسالة إني خلصت كل أجازاتي و لازم أرجع أضبط أموري

إبتسمت و هزت رأسها قبل أن تسأل بصوتها هذه المرة

- هستناك تبعتلي كل يوم لغاية ما أشوفك تاني برة المستشفى

- ده هيكون يوم فرحنا

إتسعت إبتسامتها و هو يأخذ بيدها و يودع عليها قبلة أخرى .. رغما عنها أحست بقلق لم تدري له سببا .. خرج (عمر) بعدها من الحجرة بعدما سلم على أمها مودعا قبل أن يهز برأسه ل(رهف) و خالها .. سرعان ما خرجت (رهف) و خالها من الحجرة بعده بدقيقة و تركوها و أمها لوحدهما .. جلست أمها بجانبها و أمسكت بيدها و قالت شئ لم تسمعه (فرح) لكنها إستنتجت أنها تبث لها بكلمات حب فنظرت إلي أسفل مبتسمة .. دقيقة أخرى مرت قبل أن تترك أمها يدها و تقوم فتنظر (فرح) إليها لتجدها مبتسمة بشدة و هي تنظر إلى باب الحجرة فنظرت معها لتجد مفاجأة جعلت قلبها يخفق .. الشعر الأصفر و العينين الزرقاوتان .. (خلود) .. 


                           ثمانية آلاف و سبعمائة و أربع و سبعون يوما على الأرض ..

5) الظلال ..

نزعت (فرح) العصابة من على عينيها فإستعادت تواصلها مع الأخرين فقالت و هي تبادلهم الإبتسام

- (شوبان) نوكتورن (Chopin – Nocturne) ..

أحست بإهتزاز القاعة بالتصفيق من كل من فيها مرة أخرى دون أن تسمع لهم صوتا و سجل (مصطفى) بعض الملاحظات في دفتر بيده قبل أن يواجهها و يقول

- انتي الوحيدة اللي قدرت تعرف ١٠٠٪ من الألحان .. ٤ ألحان مختلفة لحد دلوقتي و كلهم عرفتيهم ..

- أنا مش عارفة أقول ايه .. إنت مش متخيل أنت عملت ايه .. أنا .. أنا حسّيت بكل لحن كأني بسمعه .. مش مصدقة نفسي إني قادرة أحس بكل نغمة من غير ما أسمعها ..

رغما عنها ملأت غلالة من الدموع عينيها فقامت من مكانها و بعفوية احتضنت (مصطفى) الذي وقف مستندا على عكازيه مرتبكا حتى نافس إحمرار وجهه الطماطم الناضجة .. ربتت المديرة على كتفها لتعود (فرح) إلى إدراكها فتتراجع في حرج و هي تقول

- أنا أسفة .. ما كنتش أقصد .. أنا ماحستش بنفسي ..

نظر (مصطفى) إلى الأرض بخجل و هو يحرك فمه بتمتمات غير مفهومة أو مقرؤة بالنسبة إليها .. قبل أن يرفع رأسه ليواجهها و و يلمس طرف نظارته و هو ما زال ينظر في اللامكان متجنبا عينيها

- أفتكر النهاردة إحنا أخدنا من وقتك كتير .. يمكن نحتاج نكرر التجربة دي لمدة تلات أو أربع آيام كمان عشان نتأكد من إننا على الطريق .. و بعد كدة هنشترك مع بعض في التجربة الرئيسيّة اللي يمكن تساعدك إنك ترجعي تلحني تاني

- بجد ؟؟

قالتها (فرح) و هي تشعر بأن قلبها يقفز بداخلها بدلا من أن ينبض .. لأول مرة منذ قابلت (مصطفى) تتأمله جيدا .. خجله الشديد الذي يظهر في كل حركة و كلمة بدا لها فاتنا .. صدقه في تعبيراته تسللت إلى قلبها بهدوء .. لمس (مصطفى) طرف نظارته و أومأ برأسه قبل أن يلتفت إلى الفريق من حوله و يحدثهم فيبدأ الفريق في حمل أجهزتهم و معداتهم قبل أن يلتفت إليها

- أنا متشكر جدا تعاونك النهاردة معانا .. أشوفك بكرة إن شاء الله ؟؟

أومأت (فرح) برأسها إيجابا .. فإبتسم لها إبتسامة هادئة قبل أن يبدأ بالتحرك على عكازيه نحو الخارج .. وقفت تراقبه و هو يغادر مع فريقه قبل أن تشعر مرة أخري بلمسة على كتفها الأيمن جعلها تلتفت لتجد المديرة تواجهها

- كيفك الحين يا (فرح)

- -بإبتسامة- أنا متشكرة جدا لحضرتك إنك أصريتي على إني أجرب مع دكتور (مصطفى) ..

- أي إشي يرجعلنا (فرح) ما أبخل فيه

أحتضنتها (فرح) بعد جملتها الأخيرة قبل أن تقبلها المديرة على خديها بحب ..

                                                             **********

إستمرت التجارب على الألحان المختلفة لمدة أربعة أيام عرفتهم جميعا (فرح) .. إستمعت -إذا كان الوصف صحيحا- خلالهم إلي إثنتي و عشرين لحنا تنوعها ما بين موسيقاها و موسيقات عزفتها و موسيقات سمعتها .. في النهاية جلست مع (مصطفى) في حديقة المعهد لوحدهما على إحدى المقاعد .. كان قد أسند العكازيين على جانب المقعد و أراح قدمه أمامه و فك قليلا رباطة عنقه .. جلست (فرح) علي مقربة منه واضعة ساق على ساق تتأمل الحديقة حولها .. لأول مرة منذ سنتين تشعر بأن الحديقة رائعة الجمال .. مداعبة الريح لشعرها .. رائحة الزهور في هذا الوقت من العام .. حركة الطيور حولها .. ثياب الأشجار الأخضر الزاهي .. لأول مرة لا يمثل السكون لها مانع لتستمتع بجمال ما حولها .. لقد غيرتها تلك الأيام الأربع .. عصفور مقطوع الجناحين وقع أسيرا للظلام لعامين قبل أن تشرق عليه الشمس فينبت له جناحان من نور يطير بهما فوق السحاب .. نهر كف نبعه حتى صار قاحلا فأصابه السيل فعاد يجري بين الضفاف حرا .. سفينة ضلت أشرعتها فتاهت في البحر سنين حتى وجدت الطريق إلى أرضها و مينائها .. و الأهم أنها لم ترى الفتاة منذ بدأت تلك التجارب!! .. نظرت إلى (مصطفى) فوجدته مغمض العينين و على وجهه إبتسامة هادئة .. بدت لها ملامحه وسيمة و جذابة و هو يجلس هادئا هكذا .. شئ بداخلها يشعر بأنها رأته من قبل لكنها لا تتذكر متي و لا أين .. و لأول مرة تعترف لنفسها بأنها تشعر بالإرتياح في رفقته على الرغم من خجله و قلة كلامه معها في غير التجربة .. شعرت بفضول لأن تتكلم معه في غير التجربة

- (مصطفى) ..

قالتها و هي مبتسمة و تنظر إليه ففتح عينيه و نظر لها و تبدلت إبتسامتها إلى الخجل عندما إلتقت عيناهما ..

- ممكن أسألك سؤال ؟؟

- طبعا .. اتفضلي

قالها و لامس طرف نظارته كعادته التي أصبحت تحفظها

- إنت متجوز ؟؟

إبتسامة باهتة علت شفتيه و نظر للأرض و هو يقول

- مطلق ..

إرتبكت هي هذه المرة من رده قبل أن تقول

- أنا أسفة ..

هز رأسه بمعنى لا حاجة للأسف قبل أن يقول

- قصة و تقريبا نسيتها .. واحدة قابلتها أول ما رحت كندا في الجامعة .. كانت كندية .. كنت قليل الخبرة .. إتجوزنا عشان بعدها أبدأ أحس بالاختلافات اللي ما بينا و ما كنتش شايفها .. عاداتها اللي ما رضيتش تغير أي حاجة منها عشاني و أنا ما قدرتش أستحملها .. بقينا بنتخانق أكثر ما بنتكلم مع بعض و في النهاية قررنا إننا ما ينفعش نكمل .. فانفصلنا بهدوء .. و من ساعتها و أنا مركز بس في شغلي

- كنت بتحبها ؟؟

تنهد و رفع رأسه للسماء قبل أن ينظر إليها مرة أخري

- إفتكرت إني بحبها لكن إتضح إني كنت معجب بالحضارة الغربية أكثر ما كنت معجب بيها هي نفسها .. يمكن عشان كنت منبهر بكل حاجة حواليا ده أثر على حكمي و خلاني أفتكر إني بحبها .. بس في النهاية أنا إرتحت أكتر لما إنفصلنا

إبتلع ريقه و لامس طرف نظارته فعرفت أنه يريد أن يسألها و محرج فبادرته بالإجابة عن سؤاله الذي في عقله

- كنت مخطوبة .. كنت بحبه و بيحبني .. كان أجمل إنسان ممكن تخيله أو تقابله .. ماعرفتش حد عرفه و محبوش .. الله يرحمه

نظر لها في ذهول لثانية قبل أن يبتلع ريقه و يقول

- أنا أسف .. الله يرحمه .. أكيد في حادثة ..

ترقرقت عيناها بالدموع و نظرت إلي الأرض قاطعة إتصال الأعين

- (عمر) خطيبي .. إتقتل …..

                                                             *********

أصابها القلق حين كف عن الرد على رسائلها لمدة يوم كامل .. منذ سافر إلى مصر و هو يراسلها يوميا على الأقل أربع أو خمس مرات .. توقفه عن الرد ليوم كامل أقلقها .. نظرت حولها في الغرفة فلم تجد سوى أمها تقرأ في مصحف صغير و شفتاها تتحركان حركات بسيطة .. الغريب أن الجميع ذهبوا إلى مصر فجأة .. (رهف) .. خالها .. حتى (خلود) ذهبت إلى مصر بعد زيارتها .. لا تجد أحد حولها سوى أمها و التي -رغما عنها- لم تكن يوما في حياتها ممن تستطيع أن تتعامل معها بأريحية ك(رهف) أو (خلود) .. نظرت مرة أخرى لشاشة المحمول آملة أن يتغير (Last Seen) إلي (Online) فتطمئن مرة أخرى .. من قبل كان يكفيها أن تضع سماعتها فتسمع لحنا أو إثنين مما لحنتهم على نغمات صوت (عمر) و إيقاع صوته و طريقته فتطمئن و تشعر بأنه معها .. أما الآن مع ذلك السكون المقبض فلا تستطيع سوى أن تراقب شاشة صماء مثلها لم تقدم إليها معلومة جديدة منذ الأمس!!

لم يمر وقت حتى دخلت عليهم (أليساندرا) خطيبة خالها كما قالوا لها مبتسمة دائما ك(Smile Face Emoji) و منتعشة كعادتها .. سلمت عليها أمها في فتور لا تفهمه في كل مرة .. ربما لعدم مقدرة أمها على التحدث بالإنجليزية أو الإيطالية و عدم مقدرة (أليساندرا) على التحدث بالعربية ..

جلست بجانب فراشها و رفعت قبضتها المضمومة أمامها بطريقة عرفتها (فرح) فرفعت قبضتها المضمومة و صدمتها في رفق بقبضة (أليساندرا) و هي تبتسم لطريقتها البسيطة العفوية قبل أن تمسك بلوح التخاطب و تكتب عليه بالإنجليزية

- كيف حالك اليوم يا حلوتي (Sweetie)

قرأتها (فرح) فأجابت كتابة

- أشعر بتحسن جسدي و أستطيع أن أسير أكثر

- أخبار جيدة .. أشعر أنك ستغادرين الفراش قريبا جدا

- أتمنى ذلك .. أريد أن أذهب إلى مصر الآن قبل الغد

- إشتقت لها أم لأحد هناك ؟؟

كتبتها (أليساندرا) و علي وجهها إبتسامة لعوب فضحكت (فرح) بخجل قبل أن تكتب على اللوح

- للإثنين .. كما أن (عمر) في إنتظاري لإتمام زفافنا

- ربما سيطلب منك الأطباء إذا غادرت المستشفى أن تظلي في الجوار لمتابعة أذنيك

- هل تعتقدين أني سأسمع مرة أخرى ؟؟

- أثناء عملي كممرضة رأيت العجب العجاب و أعرف أن الأمل موجود طوال الوقت و لكننا نمل سريعا

أومأت (فرح) برأسها بعد أن قرأت كلمات (أليساندرا) الأخيرة بإبتسامة خفيفة قبل أن تقع عينيها على المحمول الذي ما زال يظهر (عمر) كغائب

- (أليساندرا) هل تتحدثين مع خالي و هو في مصر ؟؟

- نعم كل يوم .. هل تريدين أن أبلغه أي شئ ؟؟

- نعم أريده أن يذهب و يرى (عمر) و يطمئنني عليه لأنه مختف منذ أمس

- حالا حبوبة قلبي (My Sweetheart)

أخرجت (أليساندرا) هاتفها و وضعته على أذنها قبل أن تتحرك شفتاها متحدثة و على وجهها إبتسامة عرفتها (فرح) إبتسامة حب .. دقيقة مرت و هي تتحدث قبل أن تضع يدها على فمها في تعبير فزع و تتسع عيناها قليلا .. صدرها يعلو و يهبط في تنفس سريع قبل أن تضع الهاتف جانبا و تنظر ألى (فرح) بوجوم لم تفهمه .. أمسكت (فرح) باللوح و كتبت عليه سريعا

- ما الأمر ؟؟ هل خالي بخير ؟؟

تنهدت (أليساندرا) و بدا أنها تعاني أمرا ما و هي تأخذ اللوح و تكتب عليه

- (فرح) … لا أريد أن أكون نذير شؤم .. و لكن …

توترت (فرح) فإرتجف جفنيها ..

- ماذا (أليساندرا) ؟؟ .. ماذا ؟؟

لم تجب (أليساندرا) و و وضعت كف يدها على فمها .. إنتبهت أمها على صوتها المتعالي فنظرت لهما متعجبة و هي تغلق المصحف أمامها

- أجيبي (أليساندرا) هل هو خالي ؟؟

ظهرت دمعتان على مقلتي (أليساندرا) لم تهجران عينيها بعد قبل أن تخط بالقلم على اللوح

- خالك بخير .. و لكني أحمل منه أخبار فظيعة ..

شعرت (فرح) بقبضة تعتصر قلبها فلهثت و هي تنظر لها متسألة قبل أن تقول هذه المرة بالانجليزية

- ماذا ؟؟

- كوني قوية .. (عمر) خطيبك .. وُجِدَ مقتولا في شقته اليوم

صرخت (فرح) قبل أن تشتد القبضة إحكاما على قلبها و تفقد الوعي

                                                                *****

إتسعت عينا (مصطفى) على أقصاها عندما سمع ما قالته (فرح) نظر إلى الأرض في وجوم و ذهول و لم يتكلم حتى نظرت إليه (فرح) مرة أخرى و عيناها مليئتان بالدموع و ظلال تتراقص أمام عينيها تحمل جميعها ملامح (عمر) قبل أن تقول

- و لغاية دلوقتي الفاعل مجهول ..


  • 1

   نشر في 12 يونيو 2019  وآخر تعديل بتاريخ 13 يونيو 2019 .

التعليقات

Menna Mohamed منذ 4 شهر
روووعة قرأت اربعة اجزاء قمة في الابداع واصل الكتابة متشوقة جدا لمتابعة الاحداث موفق
0
Mohamad Emam
شكرا جزيلا .. التعليق أثلج صدري
Menna Mohamed
العفو منتظرة متابعة الاجزاء القادمة موفق

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا