إله شعب شُبرا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

إله شعب شُبرا

فيكتوريا

  نشر في 17 ديسمبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 18 ديسمبر 2020 .

" الرب أشياء كثيرة للكثير من البشر؛ ضوء الشمس الدافئ؛ صوت موسيقي هادئة؛ وفي صوت يدفعنا قُدما.. خليل.

إن سألتموني من هو الرب؟ فسأقول إن في كل منا شيء إلهي؛ فهناك إله في داخلك وإله في داخلي.. الإله الذي في داخلي هو ما أنا عليه في جوهري؛ هو النسخة الأفضل مني؛ هو ما سعيت أنا أكونه.. ما عنيت أن أكونه "


كلماتٌ صدرت من داخل تلفاز أحد منازل حي شبرا بالقاهرة؛ قيلت تلك العبارات بصوتٍ قوي لممثل امريكي يدعي "مورجان فريمان" في برنامج أشبه بالفيلم الوثائقي اسمه " قصة الإله ".


كانت "فيكتوريا" تُشاهد الحلقةباهتمام  غير متقطع؛ تحب كثيرا قناة "ناشونال جيوجرافيك" وتتابع معظم برامجها؛ فهي لا تمتلك هاتف محمول ذكي ولا جهاز كمبيوتر مثل باقي الفتيات في عمرها.


تمتلك "فيكتوريا" عقلا اكبر من سنها؛ هكذا تقول صديقات أمها والجيران دوما.

حفظك الله من أعين تلك النسوة وبارك فيكِ؛ هكذا كانت تقول أمها دوما تعليقا علي العبارات سالفة الذكر.

"فيكتوريا" فتاة حالمة؛ لم تتجاوز التاسعة بعد؛ تعلمت في المدرسة بالقدر الذي يجعلها مؤهلة للقراءة واجراء العمليات الحسابية البسيطة؛ ثم رأي والدها أن ذلك يكفي وأن  تنقطع عن الدراسة ليبدا اعدادها لما سينفعها حقا ويجعلها ربة منزل وأما ماهرة.


لم يزعج ذلك الامرُ الفتاةَ كثيرا؛ فرغم براعتها وتفوقها في سنوات الدراسة؛ الا ان ذلك النوع من التعلم بطريقته المألوفة لم يكن يروقها؛ فنيّةٌ هي؛ تحب الخيال.. الرسم.. الدراما.. الاغاني؛ ترسم حياتها كما تشاء في خيالاتها للدرجة التي تجعبها لا تأبه للأمر الواقع كثيرا.


كانت تلك هي الحلقة الثالثة من "قصة الإله" ومضمونها كيف يري البشر من الديانات والثقافات المختلفة "الإله" من وجهة نظرهم.


ما جذب الفتاة حقا من بين كل تلك القصص هو رواية "شعب النافاهو"  عن الإله والتجربة العملية لتحول الطفلة "ميسن" إلي فتاة تتجسد فيها روح الإله.


دعني أوضح لك شيئا قبل ان نتعمق في تفاصيل قصة الفتاة؛ أظن أنك استنتجته بالفعل من السرد السابق؛ فتاة كفيكتوريا نشأت في ظروف فقيرة في حي شعبي بمستوي ثقافي متدنٍ نوعا ما لم يجعلها تحصل علي القدر الكاف من التعليم والتنشئة الدينية التي تجعلها تميز الأشياء علي منطق شرعي بشكل سليم.. حتي لا تصدر الاحكام.


لنكمل إذا.

قررت "فيكتوريا" أن تكون هي "ميسن" شبرا؛ لتكن هي وجهة أهل حيها المتواضع في التبريكات والامنيات والتضرع.


ولم لا؛ فدائما عندما كانت صغيرة وتسأل أمها عن سبب تسمية نفق فيكتوريا بهذا الاسم؛ تقول أمها أنهم استيقظوا في الصباح يوم ولادتها فوجودا هذا النفق قد شُق في الطريق لييسر عليهم تنقلاتهم؛ وعندها قرروا تسمية النفق علي اسم الفتاة لأن قدومها جاء بالنفق. قصة مُختلقة بالطبع كالكثير التي يُسكت بها الامهات اطفالهن.


انها تري التفاصيل سهلة للغاية لكي تتحول مثل ميسن؛ حتي في ذلك الطقس المسمي "الكوناختا" والذي يتمثل في احضار كعكة كبيرة تحمل أمنيات شعبها .. علي أن تُسوي تحت الرمال؛ وجدت فيكتوريا بديلا بأن تستبدل ذلك بعمل كعكة صغيرة في البيت بعد أن تسأل جيرانها ومعارفها بشكل ودي عن امنياتهم.


هنا كل شيء جاهز للتنفيذ.

علي الفتاة الآن أن تركض كل يوم صباحا وتكرر ذلك لمدة أربعة ايام كي تقوي الشمس جسدها وعضلاتها وتصبح فتاة راشدة قادرة علي التواصل مع الاله ومباركة شعب شبرا.


بدت الأمور علي ما يرام في اليوم الاول والثان والثالث والرابع تركض وتعود وتخبز الكعكة المباركة؛ دون ان يشعر احد ممن حولها؛ نفذت المهمة ببراعة.

الصغيرة كانت تظن ان اهل شبرا بالقياس علي رواية تسمية نفق فيكتوريا وانهم علموا ببركتها وحدهم؛ أنهم سيعلمون من تلقاء نفسهم ايضا انها الآن أصبحت ذات طبيعة إلهية ويأتون إليها للبركة والامنيات.


ولكن شيئا لم يحدث؛ مر يوم .. يومان.. أسبوع.. شهر.  لا شيء جديد.

عليها فعل شيء الآن لإنقاذ الموقف!!

قررت فيكتوريا أن تخبر صديقتها المقربة "ميرڤت" أو كما يُطلق عليها في تلك الأحياء "مرفت".


مرفت فتاة عندما تقع عينك عليها للمرة الأولي تقل في نفسك أنها أخذت جمال  نساء العالم كله فلم تترك منه لبقيتهن شيء؛ وعندما تتحدث معها من الكلمة الأولي تقل لنفسك أنها سُلبت من ذكائها بمقدار ما سَلبت من الجمال فهي لا تملك منه شيء.

عندما سمعت مرفت قصة فيكتوريا انطلقت الي امها وأخبرتها أن صديقتها فكتوريا قد أصابها المسّ وأنها تتحدث إلي العفاريت.

انتشر الخبر كالنار في الهشيم داخل الحارة ومن الحارة للحارة للحارة ان فكتوريا ممسوسة وجُنّت وارجعوا ذلك إلي الحسد؛ فلم يكن في حيها او الاحياء المجاورة فتاة في مثل سنها تملك فطنتها وذكاءها؛ الأمر الذي يثير الغيرة في مثيلات مرفت بكل تأكيد ولا اخفيكن سرا في نفوس أمهاتهن أيضا.

أتوا لها بكبار المشايخ والدجالين ليقرأوا عليها؛ لم يتحدث معها أحد؛ هي معزولة في غرفتها لا تخرج أبدا؛ المذياع وسورة البقرة لا تنطفيء. الطعام والشراب يقدم لها من علي الباب وبه الكثير من الملح حتي لا يشاركها الاسياد طعامها.

مر شهر علي تلك الحال؛ بالتاكيد الفتاة لم تعد كما هي؛ مذهولة من موقف أكبر منها بكثير؛ لم يسألها أحد عن أي شيء.


الآن هي فيكتوريا الممسوسة المنبوذة؛ اشار بعض العقلاء علي والدها انا يأخذها الي طبيب نفسي مشهور في وسط البلد فأجاب قطعا بأن ابنته ليست "مجنونة".


مرت الايام تلو الايام ليستيقظ أهل الحي علي خبر سقوط فيكتوريا من شرفة منزلها  حيث اختل توازنها اثناء وقوفها وأنها لاقت ربها.

لم يخبر والدها احدا عن تلك الورقة التي وجدها مكتوبة بخط فيكتوريا والتي تحمل الكثير من التفاصيل والعتاب واللوم والاعتذار .. الورقة التي انتهت بجملة لن يصدق احد ان نكتبها فتاة في التاسعة:

" كنت أظن أن الناس يحققون أحلامهم عندما تتجسد فيهم روح الإله وهم بين البشر؛ لكن تحقيق الحلم حقيقةً يأتيك فقط عندما ترقي إلي جوار الإله فوق كل البشر"


أغلق الدكتور سامح رضوان شاشة هاتفه ونزع سماعة الهاند فري عندما اقترب القطار من المحطة؛ كان قد أنهي مشاهدة الحلقة الثالثة من برنامج "قصة الإله"؛ ولكونه يمر بظروف نفسية قاسية نوعا ما؛ ولكونه يعلم أن ما يخرج تلك الشحنة بداخله شيء من اثنين: أحدهما "الكتابة".


قرر سامح أن يكتب قصة بطلتها فتاة وعندما كان في القاهرة منذ ساعات سمع احدهم يقول للسائق قف عند نفق "فيكتوريا" فقرر الدكتور أن يجعل اسم بطلته فيكتوريا ويناقش قضية خفية في تلك القصة مفادها " أن أفضل ما تقدمه لإنسان علي وجه الارض هو ليس ان تسمعه ولكن ذلك الاتصال الخفي بينكما وأنت تستمع اليه بفهم واحساس".


أظن أن سامح الآن في أفضل حال بعد افراغ الشحنة في كتابة قصة.. والتي اثق كالعادة أنها ستكون رائعة.



تمت بحمد الله.






   نشر في 17 ديسمبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 18 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا