فوبيا الفلسفة بين مجتمعات الحداثة و مجتمعات القدامة .. بقلم مهدي جعفر . - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فوبيا الفلسفة بين مجتمعات الحداثة و مجتمعات القدامة .. بقلم مهدي جعفر .

  نشر في 16 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 25 أكتوبر 2017 .


  اختضب التاريخ الإنساني بصراعات دامية رمزية و مادية ، بين قوى الشر و قوى الخير ، بين دعاة الظلام و دعاة النور ، بين دعاة الحرب و دعاة السلم ، بين أهل الكرم و أهل النذالة ... لعل إتيان ذلك من طبيعة في الإنسان ، مرة تميل به نحو الإمتثال و الرضوخ و الإستسلام ، و مرة تنحوا به نحو الشك و التساؤل و عدم التسليم بما تخشب في عقول عوام البشر ، الطبيعة الأولى تؤدي إلى الإتباع ، و الثانية إلى الإبداع ، جلي عن البيان ما يستتبع الإتباع من سهولة انقياد لأفكار و عقائد حتى لو كانت ضد العقل و الأخطر من ذلك ضد الإنسانية ، و جلي عن الحصر ما يتولد عن الإبداع من استقلال و تَفكر و سؤال و إنتاج للمعنى و توليد للقيمة و توظيف للمنطق .

    ذلك إذ يتمتع القياد و الأسياد و الجماهير بالطبيعة الأولى ، و يتمتع المفكرين و الفلاسفة و العلماء و الأنبياء بالطبيعة الثانية ، من هنا جاء صراع الأفكار قبل صراع السيوف قديما -و القنابل حديثا- بين أنصار الطبيعتين ، إذ لم يخفت وهج هذا الصراع إلى يوم الناس هذا و لن ينتهي ، لأنه يشكل ضرورة للإستمرار و دياليكتيك للتاريخ ، لابد أن يخفي بعضهم سبل الطريق إلى الحقيقة و يرسم طرق تغليطية نحوها ، يغبش الرؤية عن طالبيها ، و يُشظي المسالك المؤدية إليها . غير أنه كما قال "اميل فرانسوا زولا" حتى لو أخرست الحقيقة و دفنتها تحت الأرض ، فسوف تنموا و تنبت من جديد . لذلك لابد أيضا -و الغريب- أن يوجد و يخرج من بين ضحايا هؤلاء المضللين من يقول "كفا تدليسا" ، و يحارب و يفدي نفسه لهدم العقبات و إعادة رسم الطرق الصحيحة نحو "الحقيقة" . لعل أبرز من قام بهذه الوظيفة هم "الفلاسفة" أعداء الوهم و الأسطورة و الغباء و استحمار البشر . 

  غير أن الفلسفة موقضة الضمائر و منعشة العقول ، وجودها و فاعليتها تعلوا و تخبوا ، تكثر و تقل ، حسب قواعد و قوانين المدلسين الصعبة الإختراق و الإقتراب من جهة ، و مدى شجاعة و استعداد الفيلسوف إلى درجة الإستشهاد في الطريق نحو تبيين و توضيح الحقائق من جهة أخرى .. كم يحب المدلسين التغطية ، و كم يحب الفلاسفة التعرية ، كم يستهوي المضللين الإستتار ، و كم يعشق الفلاسفة الفضح و الفضيحة .. كم قتل المدلسون من عقل ، و كم أحيى الفلاسفة من ضمير و ذات مفكرة . من هنا استشراء العداء نحو الفلسفة في المحيطات التي يسيطر عليها الدجلة و المضللون ، إذ أن معيار المجتمعات الغير مدلس عليها هو انتشار الفكر الفلسفي ، أما المجتمعات المعادية للفلسفة و المنحصرة روح التفلسف وسطها ، فل يعلم أصحابها أنهم "ضحايا" للتدليس و الدجل .

  كم كال لمجتمعاتنا المدلسون من أسطورة و خرافة ، و شعوذة و وهم ، كم امتلئت مجتمعاتنا بالحمقى و الدجلة و المعاتيه ، و كم انورى العقلاء و الحكماء وراء الستار ، كم طال غياب الفلاسفة و المصلحين و المحررين و الثوار عن مجتمعاتنا العربية و الإسلامية التي امتلئت بكل أسباب الإنتحار واللامعقول ، إذ أن الواقع الكئيب المعاش مخطط له و مهيئ له بأسباب ظاهرة و باطنة ، و لا مصلحة للمدلسين في تداول و تباحث أسباب تضهور المُعاش ، بحيث إن أبرز آليات رصد عوامل انحدار الحياة و تخلف المجتمع هو الفكر الفلسفي و العلمي ، نترك العلم و نسارع للتسائل عن وضعية و قيمة الفلسفة في مجتمعاتنا المتقادمة ، و مجتمعات غيرنا المستحدثة ؟؟

  يمكن القول على سبيل التشبيه , أن الفلسفة تبدو أحيانا على المستوى الرسمي في عالمنا العربي أشبه "بامرأة متحررةدائما ما يُخشى منها على إفساد أخلاق الشباب وعقولهم ، بإغوائهم وتحريضهم على الشك في معتقداتهم و قيمهم ، وإعادة النظر في طرائق تفكيرهم ، و مراجعة آراءهم و وزن أفكارهم بالعقل و المنطق . تبدو الفلسفة في أحيان أخرى أشبه بجدل لا ينتهي إلا ليبدأ من جديد ، طريق لا يُحد مساره إلا ليمتد باستمرار ، وسيلة لتجدد غايات فهم الوجود و استغلاله ... غير أن ملكة التفكير النقدي الحر المنزه عن الغرض - التي تغرسها الفلسفة في نفوس دارسيها و ممارسيها - تصبح إفسادا للعقل و الخلق في نظر المدلسين ، كما أن الشغف بالحكمة التي تسعى إلى استبانة أصل الأشياء و مفارز الحقيقة في كل ما يتبدى لنا - وهو ما يسمى بالتفلسف الذي يمارس في الغرب منذ ألفين وستمائة سنة - يصبح جدلا عقيما عند الإتباعيين ، فضلا عن ترويج معاني للفلسفة و تعريفات سلبية لها عند العوام ، كإقران الفلسفة بالإلحاد أو الجنون أو العدمية . إن هذه الصورة المشوهة وأشباهها عن الفلسفة هي أحد الأسباب الجوهرية لعملية نبذها أو على الأقل تهميشها و الحط من شأنها  بشكل مقصود في عالمنا العربي المتقادم .

  نذكر في هذا السياق أن الباحث "سعيد توفيق" قام  بدراسة حول وضعية الفلسفة في العالم العربي (1) ، و استقصى مستوى ذلك في مجموعة من دول الخليج ، حيث تشير الدراسة إلى أن المملكة العربية السعودية "لا يسمح" فيها للفلسفة بأي مستوى من الحضور في المجال الجامعي ، حتى وإن كان حضورا إسميا ، فيتم تدريس بدلها مادة علمية أو أكثر تحت مسمى "الثقافة العامة" ، وفي صورة محتوى معرفي هش لا علاقة له بالفلسفة ، و حتى إذا ما سمح بتدريس تيار فلسفي في إطار هذا المحتوى المعرفي ، فيتم تدريسه بصورة مبسترة مشوهة بهدف نقده من وجهة نظر دينية (وكأن الفلسفة في صراع مع الدين ) ؛ لهذا الغرض يتم استجلاب غير المتخصصين تخصصا حقيقيا في الفلسفة من كليات الأزهر وما شابهها لتدريس هذه المادة البديلة . أما في البحرين و قطر لا توجد الفلسفة إلا تواجدا شكليا ؛ إذ لا توجد أقسام علمية معنية بالفلسفة ، و إنما توجد مادة أو أكثر من المواد العامة في الفلسفة التي يتم تدريسها على قوة أقسام أخرى ، أي لا وجود للفلسفة بذاتها كتخصص أكاديمي ، و لا يتم الاعتراف بحضورها إلا بشكل خفي غير ملموس . 

    في سلطنة عمان ظلت الفلسفة ممثلة تمثيلا نسبيا جيدا من خلال قسم الفلسفة و الإجتماع مع افتتاح جامعة السلطان قابوس في أواخر الثمانينيات ، خاصة و أن هذا القسم كان يستقبل طلبة كليتي الآداب و التربية ، لكن عندما تم فصل الفلسفة كوحدة مستقلة داخل قسم الاجتماع ثم كقسم مستقل ، سرعان ما تم تجميد قسم الفلسفة وإيقاف الإلتحاق به ، واقتصر دوره على تدريس بضع مواد فلسفية (في نوع من التكرار لنفس الظاهرة الخليجية : وهي أن الفلسفة لا يمكن أن يكون لها حضور بذاتها، ولا يمكن أن يكون لها وجود إلا شكليا أو على قوة أقسام أخرى ) . و ربما يكون أحد الأسباب التي أدت إلى هذا التجميد لوضع الفلسفة إلغاء تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية ، و ربط وجود الفلسفة في نفس الوقت بالحاجة إلى تخريج معلمين لتدريس الفلسفة في تلك المرحلة (2)

  كما حدث سيناريو شبيه بهذا في دولة الإمارات حينما تم إلغاء تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية ؛ إذ واكب ذلك تجميد القسم بتوقف الطلبة عن الالتحاق به و بذلك تم تهميشه ، فالقسم قد أعيد تفعيل دوره في أواخر التسعينيات بفتح أبوابه لاستقبال طلبة جدد ، فإنه لم يستقبل إلا بضع طالبات يتقلص عددهن تدريجيا حتى هبط الآن إلى طالبة واحدة فقط ، ومن المنتظر ألا يقبل عليه أحد في الأعوام القادمة ، وهو ما سيهدد بتجميده مرة أخرى . ويمكن أن نضيف هنا ملاحظة عابرة ولكنها دالة ، و هى أن الطالبات اللاتي التحقن بالقسم - على ضآلة عددهن - لم يلتحقن به عن رغبة في دراسة الفلسفة ؛ وإنما لأنهن لم يجدن قسما آخر يرضى بقبولهن . و هكذا تصبح الفلسفة التي من المفترض أن يتم تدريسها للخواص من الطلبة ، وأكثرهم ذكاء ورغبة في المعرفة و حبا فيها لذاتها ؛ تصبح و كأنها تتسول ممن لا يرغبون فيها ويشيحون بوجوههم عنها ، و لا يقدرون حتى على التعاطف معها . و ربما يكون وضع الفلسفة في الكويت "استثناء" في هذا المشهد المؤساوي ؛ لأن هناك قسما علميا مستقرا لم يمر بمثل هذه التقلبات الدرامية منذ إنشائه في فترة مبكرة نسبيا ، بل تميز هذا القسم بأن استقطب بعضا من رواد الفلسفة في العالم العربي وفي مصر خاصة ، فساهم هذا القسم في أن يجعل الفلسفة ملء السمع والبصر، لا في المجتمع الكويتي وحده ، وإنما أيضا في خارجه . ومع ذلك ، فإن حضور هذا القسم وتأثيره في الواقع الثقافي لم يعد مثلما كان فيما مضى، وهذا يمكن أن يؤدي مستقبلا إلى ضعف جاذبية الدراسة الفلسفية و قلة الاقبال عليها أو الاهتمام بها .

  و حتى إذا كانت هناك أقسام مفتوحة للفلسفة في الدول الأخرى ، مثل دول شمال إفريقيا ، فإن وجودها مثل عدمها ليس لديها أي فاعلية أو دور تثقيفي توعوي يصل صداه إلى أسقاع المجتمع ككل ، بل يبقى حثيثه حبيس الجامعة لا يخرج عن أسوارها ، بل أكثر من ذلك ، خريجي هذا القسم ممن سطعت أسمائهم في الفكر و الكتابة الفلسفية ، أغلبية هذه الشعوب تعتبرهم زنادقة يحاربون الدين . نضيف كذلك أن أقسام الفلسفة في هذه الدول تعاني من نقص حاد في الإنتاج الفلسفي و الفكري إلا قليل ، ما يوضح الوضع الكارثي للتعليم الفلسفي بالمنطقة العربية ، و عليه فإن وضعية الفلسفة و الفكر الفلسفي طبيعي أن يكون جد متخلف و دوني القيمة وفق هذه الظروف التي وصفها "سعيد توفيق" بالمؤساوية ، كل ذلك في مجتمعات القدامة العربية .

   أما في مجتمعات الحداثة -الغربية على وجه التخصيص- فإن للفلسفة فيها قيمة مقدسة لا تضاهيها أي قيمة أخرى ، لأن شعوب هذه الدول أدركت أن الفلسفة هي من حررتتهم و هي من تحميهم من الإستعباد و الخداع ، لأن استعباد الأجساد لابد و أن يسبقه استعباد العقول ، هنا أقتطف جزء من بيان "الجمعية الأمريكية للفلسفة American Philosophical Association" حول دور الفلسفة في المجتمع و التعليم الأمريكيين ، حيث جاء في هذا البيان ما يلي : " تعتبر الفلسفة تخصص أكاديمي مهم في الجامعة الأمريكية ، حيت تساهم في البث في القضايا الفكرية و المجتمعية و السياسية و البيئية ، كما تأسس لمجتمع المعرفة و الديموقراطية .. إذ أن أهداف التعليم العالي للفلسفة هي كالتالي : أولا , تمليك الطالب ملكة التفكيرا النقدي Thinking Critically عبر انفتاحه على الحيرة و الفضول ، و تحريضه على الشك في القناعات و المسلمات ، و حثه على التساؤل و دوام التفكير .. ثانيا ، تضخيم الرغبة في القراءة و المطالعة لدى الطالب ، و تعويده على بسط أفكاره من خلال الكتابة و التأليف ، فضلا عن تمكينه من إكتساب مهارات المحاججة و الإستدلال عبر التواصل اللفظي Reading, Writing, Verbal Communication .. ثالثا ، تناقل التراث الثقافي و الفكري بين الأجيال و الأمم من خلال التلاقح الفكري و التواصل الدائم The Transmission of Cultural Heritage .. رابعا ، Reality, Knowledge, and Value ربط الفكر الفلسفي بالواقع ، و إثراء المعرفة بأفكار و نظريات فلسفية جديدة ، فضلا عن تخليق القيمة و المعنى و إضفاءه على الوجود و الأشياء " (3)

 إذ أن هذه الخطوات و الأهداف أدت إلى تخريج أفواج من المفكرين و الفلاسفة و المصلحين الذين ساعدوا على الدفع بثقافة و فكر و قوة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الأمام ، لعل من بينهم "ألفن توفلر" مستشار الأمن القومي للبيت الأبيض ، و الذي قام بتدريس رؤساء دول مثل "ميخائيل غورباتشوف" رئيس الإتحاد السوفيتي الأخير ، و الرئيس الهندي "أبو بكر زين العابدين عبد الكلام" و رئيس وزراء ماليزيا السابق "مهاتير محمد" . ساعد نفس النظام على تخريج رجل مثل "جون راوز John Rawls " مُنظر فلسفة العدالة و الليبرالية السياسية ، و "ريتشارد رورتي Richard Rorty " ، "مارثا نوسبوم Martha Nussbaum" ، " بيتر سينغر Peter Singer" ، "رونالد دوركين Ronald Dworkin" مُنظر فلسفة القانون الأمريكي ، "كوامي أنتوني أبيا Kwame Anthony Appiah" المتخصص في مبحث الكوزموبوليتانية ، و "آرثر دانتو Arthur Danto" فيلسوف الجمال و النقد الأدبي ، و غيرهم كثير ، فإذا كان المشرق بلد الفقهاء و الدعاة و الحمقى ، فإن الغرب خصوصا الأمريكي فهو بلد الفلاسفة و العلماء و العباقرة .

  أعتقد أن تعريف و تسطير أهداف الفلسفة حسب بيان "الجمعية الأمريكية للفلسفة" لهو أكبر تعبير عن الإقتدار المعرفي و الثقافي و العلمي الراقي لهذا البلد ، الذي يعتبر تعليمه الفلسفة أحد أعمدة الجامعة الرصينة و المرموقة ، و هو التعليم الذي يصنف عالميا في مراتب الصدارة باستمرار ، غير أن أبرز مزية للفكر الفلسفي على المجتمع الأمريكي -كما ذكر البيان- هو التخفيف من الأصولية و التحجر الإتنو-مركزي حول ثقافة أو دين أو قومية ، و نشر ثقافة الإختلاف و التنوع ، و إثراء الساحة الفكرية بجدالات لا تتوقف بين كل أطراف المجتمع ، في تجسيد جلي للنباهة و اليقضة و الوعي الفكري و السياسي و الحقوقي المتقدم لأفراد المجتمع الأمريكي . 


أسباب تخلف الفلسفة على مستوى ثقافة  المجتمعات العربية :

 انتهت عدة شروط مجتمعية و ثقافية و سياسية إلى الوضعية الكارثية للفلسفة و النزعة العقلانية بشكل عام في العالم العربي و الإسلامي ، سنحاول مناقش أهم هذه الأسباب في الفقرات التالية :

1- سياسة التعليم التجهيلي لا التنويري :

   واه من يعتقد أن التعليم هو آلية فقط لنقل المعلومات و الأفكار للتلاميذ من جهة ، و تنشأة الناشئة على ثقافة المجتمع من جهة أخرى ( آدابه - عاداته - لغته - دينه ) ، بل للتعليم دور آخر خطير جدا يتجسد في الحفاظ على الأوضاع القائمة السياسية و الإجتماعية و الثقافية أو تغييرها ، أي أن التعليم من زاوية سوسيولوجية هو إما عامل تغير أو عامل تباث و جمود . يلخص ذلك -ادوارد أفريت- في مقولته " التعليم يحرس البلد أكثر من الجيش " ، يمكن أن نقرأ هذه المقولة على واجهتين ، إما من واجهة الثبات التي تعني أن التعليم يحمي المجتمع من مختلف المخاطر التي قد تنتهي به إلى التفكك أو الزوال مثل الحفاظ على هويته و ثقافته ، كما من واجهة التغيير -الذي يحاربه أنصار التعليم المحافظ-  لأوضاع المجتمع ، هذا المجتمع بما يحمله من تناقضات في السلطة و النفوذ و الثورة و المعرفة بين أفراده ، إذ أن من يتحكمون في هذا الرباعي -أي المهيمنون خصوصا من يحكمون سياسيا و يتحكمون في اقتصاد البلد - دائما ما يحاولون الحفاظ على مقدراتهم الشرعية و اللاشرعية ، بحيث أن التعليم آلية في أيدي هؤلاء للحفاظ على وضعهم الإجتماعي الراقي و محاولة الإبقاء على غيبوبة من يهيمنون عليهم .

  كيف ذلك ؟ هذا يتبدى في محاربة الأفكار السياسية و الثقافية و الفكرية المختلفة عن نسق الأفكار السائدة في بلد/مجتمع معين ، مثال ذلك لا يمكن أن تسمح السلطات الإشتراكية بتعليم ذى طبيعة رأسمالية ديموقراطية في كوريا الشمالية ، لأن الإشتراكية في هذا البلد كسلطة مطلقة ستفقد السند الشرعي لها لو ثم تدريس مبادئ الديموقراطية و الرأسمالية التحررية ، نضيف تجسيد فاقع الدلالة على كون التعليم ماكينة تنسخ copie المجتمع كما هو ، و آلية للمحافظة على مكتسبات المتنفذين و المهيمنين ، تجسيد ذلك ما قامت به السلطات المغربية في السبعينات و الثمانينات من غلق لقسم الفلسفة و علم الإجتماع (4) ، و هو القسم الذي كان يمرر أفكار ماركسية ثورية ساهمت بشكل كبير جدا في ثورات طلابية و عمالية -تقريبا لا نكاد نعلم عنها أي شيء لأنها كانت ضد الملكية بالمغرب - كما غَذَّت انقلابات عسكرية متكررة ، ما جعل الدولة تسارع إلى التحرك على عدة جبهات ، من بينها جبهة التعليم حيث ثم إغلاق هذا القسم الذي يربي على التحرر و الثوران و عدم الرضى على الإستبداد ، إذ عبر الملك الراحل الحسن الثاني عن استيائه من هذه النخبة في إحدى خطاباته بعبارة "ليس أخطر على الدولة من مثقف متصلب ، بل كان أولى أن يبقى هؤلاء جهلة أميين" (5) ، في تعبير صارخ عن خطر المثقف/المتفلسف على مصالح المتنفذين ، بحيث أن يبقى الناس جهلة و غير متعلمين فهذا لصالح المستبدين و المهيمنين . إذن فإن أي شيء يشكل خطر على تغيير موازين القوى السياسية و التنفذية و الإقتصادية في المجتمع عن طريق تعليم حر ، دائما ما يناهضه المهيمنون و الإستبداديون ، ما يجعل التعليم آلية للحفاظ على ما هو قائم أو آلية لقلب هذه الأوضاع و تغييرها .

   لكن ما علاقة هذا بالفلسفة موضوع حديثنا ؟ أعتقد أنه "مَعلُوم عند من يَعلم" أن الفلسفة من أكثر المعارف الإنسانية دعوة للتحرر و الإستقلالية و التمرد و الشك في الواقع و المسلمات ، و هذا ما يتعارض مع ثقافة المجتمعات -خصوصا التقليدية- التي تحض على الإتباعية و التماهي و الإستسلام و بث اليقين و تقبل الأضاع القائمة السلبية إذ تعكسها عبارات مجتمعية مثل (مُكتاب من عند الله - خارج إرادتنا - فوق طاقتنا-لا حول لنا و لا قوة) و هو ما يساهم في الإستقرار حتى و إن كان لصالح فئة صغيرة جدا في المجتمع ، و بذلك تشكل المعارف الفلسفية الثورية خطرا على هذا الإستقرار و الجمود ، و بالتالي يقترب عبرها خطر قلب موازين القوى و تغيير الأوضاع الإجتماعية التي كانت لصالح فقط فئة صغيرة مهيمنة على الأغلبية الضعيفة المخذرة ، و عليه فإن هذا هو مصدر  تخوف و استبعاد الفلسفة من قبل الحواشي السياسية الإستبدادية .

  هذا ما يحدد طبيعة فوبيا الفلسفة من الجانب السياسي ، أما مجتمعيا فيتحدد ذلك انطلاقا من طبيعة و جودة التعليم . حيث أشارت مجموعة من الدراسات و التقارير الوطنية و الدولية إلى قيمة التعليم بالوطن العربي ، نذكر من بين أرقام هذه الدراسات ما يلي : حسب المنظمة العربية للتربية و الثقافة والعلوم (ألكسو) ، فإن عدد الأميين في مجمل الوطن العربي في سنة 2014 بلغ نحو 96 مليون نسمة (6) ، إذ تبلغ نسبة الإناث من الأميين حوالي 60 إلى 80% (7) ، و قد أفاد تقرير الرصد العالمي للتعليم في سنة 2011 بأن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم في البلاد العربية يبلغ 6.188 مليون طفل ، و في دراسات أخرى وصل هذا الرقم إلى 9 مليون (8) ، كما أن 7 إلى 20% من الأطفال الملتحقين بالفعل بالتعليم يهربون منه خلال المرحلة الدراسية الأولى ، بل و تبلغ النسبة في بعض الدول 30% (9) ، نضيف لمحة مهمة حول نسبة إلتحاق الطلبة بالجامعات في الوطن العربي ، حيث تشير الأرقام إلى أن جل الدول العربية لا تبلغ الإشباع في هذا الصدد ، إذ تتراوح هذه النسب بين 56% في كل من ليبيا- لبنان- فلسطين- و الأردن ، و 40% حتى 46% في كل من مصر-البحرين- تونس- السعودية ، و نسبة 35% حتى 29% في كل من الإمارات- الجزائر- قطر- الكويت- عمان- العراق- سوريا ، بينما لا يزال الإلتحاق بهذا المستوى من التعليم ضعيف جدا ، وفق نسبة تقدر ب 11% في كل من اليمن- السودان- المغرب- موريتانيا- جيبوتي- جزرالقمر (10) . لعل هذه الأرقام كافية لرسم صورة جد قاتمة حول قيمة التعليم بجميع شعبه و ليس فقط الفلسفة ، هذا من ناحية استعاب المؤسسات التعليمية للطلبة و التلاميذ فقط ، أما لو تحدثنا عن جودة التعليم و مدى صلاحية مناهجه و مواكبتها للتغيرات ، فإن الصورة تزداد دراماتيكية و مؤساوية . 

  نضيف في ما يخص بيداغوجية تعليم الفلسفة ، التي أعتبرها من بين الأسباب المؤثرة في الحط من قيمة الفلسفة و هو طريقة تدريسها الجد متخلفة ، و المتمثلة في مذاكرة و استعراض تاريخ الأفكار الفلسفية فقط ، و ليس تعليم التلاميذ طرق و مناهج و آليات التفكير الفلسفي حتى يمارسون الفلسفة بأنفسهم ، و يصبحوا مفكرين و لو في أبسط الأمور و الأفكار التي تستعمر عقولهم ، لذلك تجد أغلبية طلبة و تلاميذ شعبة الفلسفة ببغاويون يكررون و يحفظون ما تمت مذاكرته في الفصل ، دون القدرة على امتلاك ملكة التفلسف و قلق التساؤل ، بل تجد أغلبيتهم يؤمنون بالخرافات و الأساطير ، ما يؤشر إلى أن وظيفة الفلسفة لم تتحقق حتى عند من يدرسونها -فما بالك عند من لم يدرسها أبدا- ، نظرا للأعطاب التي تعتور بيداغوجية تدريس هذه المعرفة السامية 

  يمكن أن نخلص إلى أن المشترك بين استنتاجات كل هذه الدراسات هو كون التعليم في هذه المنطقة لا يعدو كونه "فترة يمر منها التلميذ فقط" دون إكتساب مهارات فكرية و تقنية و علمية تحقق بالنسبة إليه الإستقلال الهوياتي و الثقافي و الفكري ، بحيث لا تعدو المؤسسة التعليمية كونها بناية لتجمع الطلبة أو التلاميذ لا أقل و لا أكثر (11) ، أما من الجانب السوسيولوجي فيظهر التعليم في الدول الإسلامية كآلية لإنتاج و إعادة إنتاج نفس الأوضاع الإجتماعية و الأنساق الثقافية التي تشكل ضرورة لاستمرار هذه المجتمعات بما تحمله من موازين قوى طبقية و سلطوية داخلها لصالح جهات و طبقات دون الأخرى ، إذ لا يسمح بتداول تخصصات و مواد و أفكار داخل المؤسسات التعليمية حيث يقطف التعيلم العربي الفكرة المعارضة/النقيضة من التلاميذ  حتى قبل أن تنبت و تنضج في عقولهم ، ما يؤدي إلى قيام أفراد هذه المجتمعات مع القائمين و جلوسهم مع الجالسين ، إتفاقهم مع المتفقين و اختلافهم مع المختلفين ، تمردهم مع المتمردين و تكفيرهم للآخر مع المكفرين ، دون استقلالية دون فردانية دون امتلاك شخصي لآرائهم و قرارتهم ، أي كائنات سلبية عاجزة بدون إرادة و بلا اختيار حر ، أو وفق ما يسميه المفكر السوري أدونيس "باللاذاتية" (12) -و هو ما يريده الفاسدون- و هو ما يسهل انقيادهم و استعبادهم و الهيمنة عليهم ، و هم فرحين حتى مهللين بمن استعبدهم و هيمن عليهم  . في إشارة واضحة لمدى استحمار هذه الشعوب المُفتَرَسَة 

  لذلك بما أن هذه الشعوب جاهلة و تنتشر فيها و تنبت الأمية كما ينبت البَقَلُ في الأرض ، فهي أحوج إلى احتضان الفكر الحر حتى تتحرر ، في حاجة إلى تبني الفكر العقلاني حتى تتعقلن ، تحتاج الفكر الثوري و الإستقلالي حتى تثور و تستقل . غير أن ذلك يلزم وعي سياسي أو وجود على الأقل قيادات و زعماء يتمتعون بوعي سياسي و فكري تحرري لا استعبادي ، لكن للأسف لا وجود لا لهذا و لا لذاك ، ما يجعل هذه الشعوب مادات غير متصالحة مع الفكر الحر -سواء كان فلسفي أو علمي- فلن تتصالح كذلك و لن تلتقي مع الحرية و التقدم و التنمية .

2- الدين و فتاوى الكهنة :

  على غرار معظم الأمم ، لم تَعدَم الأمة الإسلامية وجود رجال دين ديماغوجيين راديكاليين متطرفين ، أصحاب آراء متحجرة و أحكام مسبقة و اعتقادات مطوبة للحقيقة ، لكن هذا لا يعني خُلو تاريخ الإسلام و حاضره من فقهاء متنورين ، غير أن نسبتهم قليلة بل منزورة جدا بالقياس إلى الفقهاء الأصوليين ، إذ أن لرجل الدين في المجتمعات العربية قيمة مميزة و وضعية اجتماعية مرموقة ، تفوق حتى قيمة و وضعية رجل الفكر ، إذ أسهم هؤلاء الفقهاء بشكل كبير جدا في نحث صورة الفلسفة في تصورات هذه الشعوب بشكل أقل ما يقال عنه أنه منحرف و تشويهي و ظالم ، إذ هناك منهم من بدَّع المشتغلين بالفلسفة و هناك من فسقهم ، و هناك من كفرهم .

  بدءا بتحذير و تبديع الإمام "أبو حامد الغزالي" للمناطقة و الفلاسفة في كتابه "تهافت الفلاسفة" ، فضلا عن قولته الشهيرة في هذا الصدد " من تمنطق فقد تزندق " ، هنا يركب "الامام الذهبي" نفس قاطرة التحذير حيث يقول : ” احجموا عن استعمال علم الأوائل فهو لا ينتج شيئا غير السقم ، و فساد أمور الدين ” حيث يقصد بعلوم الأوائل الفلسفة و علم الكلام (13) ، كما لشيخ الإسلام "ابن تيمية" نفس الرأي بل له كتب مخصصة فقط للرد على دعاة المنطق و الفلسفة و تفنيد ادعاءاتهم و تكفير آرائهم و معتقداتهم ، ذلك ما عبر عنه في كتابه "درء التعارض بين العقل والنقل" ، و فيه طبعا يقطع بنحر العقل على مِقصلة النقل و بالتالي اجتثات أصل الفكر الفلسفي و هو العقل ، و يبقى أشهر نص فقهي في تكفير الفلسفة هو ما جاء على قلب و لسان الشيخ "تقي الدين أبو عمرو" ، إذ من فتاويه أنه سئل عمن يشتغل بالمنطق والفلسفة فأجاب : "الفلسفة أس السفه والانحلال ، ومادة الحيرة والضلال ، ومثار الزيغ والزندقة ، ومن تفلسف ، عميت بصيرته عن محاسن الشريعة المؤيدة بالبراهين ، ومن تلبس بها ، قارنه الخذلان والحرمان ، واستحوذ عليه الشيطان ، وأظلم قلبه عن نبوة محمد صلى الله عليه وسلم ، إلى أن قال : واستعمال الاصطلاحات المنطقية في مباحث الأحكام الشرعية من المنكرات المستبشعة ، والرقاعات المستحدثة ، وليس بالأحكام الشرعية - ولله الحمد - افتقار إلى المنطق أصلا ، هو قعاقع قد أغنى الله عنها كل صحيح الذهن ، فالواجب على السلطان أعزه الله أن يدفع عن المسلمين شر هؤلاء المشائيم ، ويخرجهم من المدارس و يبعدهم " (14) . 

  تجدر الإشارة أيضا إلى أن تكفير الفلسفة و استنكار استعمال العقل بطريقة سليمة لم يكفي الفقهاء و المتسلطين ، بل ثم منع تداول كتب الفلسفة و علم الكلام ، حيث فرض مثلا على قسم من كتاب و نساخ بغداد عدم نسخ كتب الفلسفة ، و ضروبها من العلوم العقلية (15) ، لعل هذا ما أصاب "ابن خلدون" بالفزع من ميول المسلمين السلبية نحو العلم العقلي و التعلم راويا : ” و لما فتحت أرض فارس ، وجد المسلمون كتب علم كثيرة لعلمائها ، فكتب سعد ابن ابي وقاص إلى الخليفة عمر ابن الخطاب ليستأذنه بشأنها ، فكتب له عمر أن اطرحوها في النهر ، فإن يكن ما فيها هدى فقد هدانا الله بأهدى منه ، و ان يكون ظلالا فقد كفانا الله شره ، فطرحوها في النهر أو النار ، فذهبت علوم الفرس … ” (16) , مرت الأيام حتى تسبب ذلك ، و بعد أن فك الحصار عن العقلانية و علومها في الزمن المعاصر إلى تحولها لحكي و نقل لا إلى إبداع كما كان الشأن أيام المعتزلة مثلا ، ذلك ما يؤكده المفكر و أستاذ الفلسفة "حسن حنفي" بقوله : “لقد تعثرت الفلسفة لدينا لأن البعد الثالث في موقفنا الحضاري ، وهو الموقف من الواقع ، قد أزيح جانبا وأسقط من الحساب، فتحولت الفلسفة لدينا إلى نقل ، نقل عن القدماء أو نقل عن المحدثين ، فغاب التنظير المباشر للواقف ” (17) .

  هذا دون أن ننسى تكفير الفلسفة و تحذير الناس منها و بث الريبة في أنفسهم بشأنها من طرف المشايخ و الدعاة الإسلاميين المعاصرين (18) ، في الخطب و المواعض و مواقع الفتوى الإلكترونية الخاصة بهم و التي يتوافد عليها ملايين المسلمين شهريا ، إذ تم الرد في موقع "مركز الفتوى" على طالب هندسة يدرس الفلسفة تكميليا ، حول حكم دراسة و تدريس الفلسفة كالتالي: " و أما إذا كانت إجبارية و لم يكن لديك من العلم الشرعي ما ترد به شبهاتها ، فلا تجوز لك مواصلة الدراسة في تلك المدرسة ، لما في ذلك من الخطر على دينك ، ولا طاعة لوالديك في ذلك ، لأن الطاعة إنما تكون في المعروف " (19) ، و للقارئ تصور كيف مازال المسلمين يطرحون مثل هذه الأسئلة و  كيف يتم الرد عليها بهذه الطريقة البَشعة .

  و بذلك نستشف أن من أكبر العوامل المشوهة و المنفرة من الفلسفة -ليس الدين في حد ذاته - و إنما المتدينين و الفقهاء الأصوليين الذين لا يتعاملون مع الفكرة إلا من منطق الكفر و الإيمان ، و لا يزنون الأفهام و الآراء و المسالك إلا بميزان الحلال و الحرام حسب فهمهم الحدي ، أي بالتقييد و هو ما يناقض عقيدة الفلسفة المتأسسة على التحرير و التحرر دون قيد و لا غل ، لعل ذلك من بين ما ساهم بشكل كبيرا جدا في انحصار الفكر الفلسفي في هذه المجتمعات و عدم تنويرها بنسائم العقلنة و المنطق ، وهو ما قابله طبعا انتشار الحمق و الخرافة و القبورية . 

3- القانون و ترهيب المفكرين :

  ذكرت فيما قبل أنه كلما أغلق المدلسون أبواب الحرية ، -بما فيها حرية الفكر- كلما انحصرت فاعلية الإنسان و تجمدت قواه الإبداعية خصوصا العقلية و الفكرية ، و هو ما يؤدي إلى الكساد و التخلف ، بحيث أن كل ذلك يحصل عبر سن قوانين هي أقرب إلى التخويف و الترهيب ، منه إلى ضمان حقوق و تطلعات الأفراد . مثال ذلك "قانون ازدراء الأديان" في مصر ، إذ تتضمن المادة 98 من قانون العقوبات المصري و التي تنص على : "العقوبة بالحبس مدة لاتقل عن ستة أشهر و لا تتجاوز خمس سنوات أو بغرامة لا تقل عن خمسمائة جنيه ولا تجاوز ألف جنيه كل من استغل الدين فى الترويج بالقول أو بالكتابة أو بأية وسيلة أخرى لأفكار متطرفة، لقصد إثارة الفتنة أو تحقير أو ازدراء أحد الأديان السماوية أو الطوائف المنتمية إليها أو الإضرار بالوحدة الوطنية" . نذكر بأن هذا القانون تَصَيد كبار مفكري مصر مثل "د.سيد القمني" و الباحث في الثرات الإسلامي "إسلام البحري" و آخرهم الشيخ المتنور "محمد عبد الله نصر" ، هذا بالإضافة إلى الفصل 220 من القانون الجنائي المغربي المُتَمَحورة حول "زعزعة عقيدة مسلم" ، بحيث تصل عقوبتها بالحبس "من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات وغرامة من مائة إلى خمسمائة درهم" ، إذ من السهل جدا اتهام و سجن الباحثين و المفكرين و الحقوقيين بسبب هذا القانون .

  و عليه يتبين أن مثل هذه القوانين التقييدية لا تحقق أي وظيفة سوى التخويف من التفكير و التحذير من طرح أفكار و آراء مختلفة و معارضة لما هو سائد مجتمعيا ، لذلك فلا تصب هذه القوانين إلا لصالح الجمود و الأصولية و بالتالي انحصار الفكر الحر العقلاني الفلسفي المؤدي إلى التخلف الفكري الموصل إلى التخلف المادي و التنموي التي ترزح تحت ضله هذه المجتمعات المُتقادمة منذ زمن غير قصير 

4- الإعلام المُخَدِّر :

   معلوم أن من أشرف وظائف الإعلام هو تنوير الرأي العام ، و رفع المستوى الثقافي و الفكري عند الجمهور ، و محاربة الأصولية و الدوغمائية و التمييز العنصري ، و تمرين (مرونة) الأوضاعها الاجتماعية و الاقتصادية بإرشادات عملية لاستسباب شروط التفتح و التطور و التنمية ، غير أن واقع الحال غير مراد المتطلعيين لمجتمع حداثي ، مجتمع الجدل و الثقافة و الإختلاف ، إذ أن الإعلام في هذه المجتمعات ينقسم إلى أنواع كما هو واضح ، و لا نوع بينها يمكن أن نصفه بأنه ينشر ثقافة تنويرية عقلانية محترمة ، بل كل ما هنالك سوى مسلسلات الغرام و سهرات المجون و برامج الترفيه ، أما البرامج التي تناقش المشاكل الفكرية و العلمية و السياسية و الحقوقية فهي شحيحة جدا ، ربما لا تشكل سوى 5% من مجموع ما تبثه الفضائيات العربية من برامج دينية -حد التخمة- و برامج إخبارية و رياضية و أخرى للموضة و الأفلام و المسلسلات ، و برامج رعات الإبل و سباق الجياد و الكلاب في المشرق و غير ذلك من برامج التغييب و التخدير أو باللغة الماركسية الإغتراب و الإستيلاب .

  لذلك فقطعا بأن هذا الإعلام لعب دورا محوريا -بموازات آليات أخرى طبعا- في تدجين هذه الشعوب و استحمارها ، و جر ثقافتها إلى الأسفل و تكبيل قدراتها العقلية الإبداعية عن طريق إشغالها بالتفاهات و الترهات و التخاريف ، ما ساعد على إخراج أجيال لا تفقه من الحياة إلا الإستهلاك ، أجيال مُخدرة عاشت و قُبرت دون صناعة لا لفكر و لا لثقافة و لا لعلم و لا لحضارة ، أجيال انتحر في روحها الإبداع ، و أُعدم في عنفوانها الإبتكار ، و قُصل في ضميرها حس التفكير و التساؤل . بل وحتى إذا وُجدت نخبة شاذة عن هذا الحمق المتفاقم ، تجدها متوارية غير معروفة و غير مستفاذ منها ، إذ لا يمكن أن تجد أمريكي لا يعرف "نعوم تشومسكي" ، لا يمكن أن تجد فرنسي لا يعرف "مشيل فوكو" و "أوليفييه روا" ، لا يمكن أن تجد إيطالي لا يعرف "أومبيرطو إيكو" ، لا يمكن أن تجد ألماني لا يعرف "مارتن هايدغر " أو "يورغن هابرماس" . لكن ممكن أن تجد مغربي لا يعرف "محمد عابد الجابري" و "عبد الله العروي" و "طه عبد الرحمان" ، ممكن أن تجد جزائري لا يعرف "مالك ابن نبي" ، ممكن أن تجد عراقي لا يعرف "علي الوردي" أو "خزعل الماجدي" ، ممكن أن تجد سوري لا يعرف "أدونيس" و "صادق جلال العظم" ، و أكيد ستجد سعودي لا يعرف "عبد الله القصيمي" . 

  ففي عصر العولمة و في زمن قلة أو إنعدام المقروئية -خصوصا في مجتعاتنا المتهالكة- لا يوجد سبيل أرحب للتعريف بالمفكرين و نشر آراءهم الفلسفية و العلمية غير الذراع الإعلامي . و هو ما لم يتوفر حتى الآن في الساحة العربية ، و بذلك يكون الإعلام ماكينة لبذر التخلف و التخدير ، بدل أن يكون أداة تنويرية تُوخز و توقض الضمائر و العقول .

على سبيل الختم : 

   أخيرا نتبين أن فوبيا الفلسفة و فوبيا المعرفة بشكل عام في المجتمعات العربية ، هي نتيجة لثقافة مجتعية تأسست على احتكار الحقيقة و تطويبها لنفسها دون غيرها ، و بذلك تحارب كل ما هو مختلف و جديد ، إذ أن هذه الثقافة في شكلها المتصلب تعتبر نتيجة لسيرورة تراكم تاريخي ساهمت في هندسته عوامل متعددة منها ما هو ديني و سياسي بالدرجة الأولى ، ثم التعليم التجهيلي الذي بدل أن يرسم صورة حقيقة للفلسفة و يوضح ضرورة الحاجة إليها ، يعمق الرؤيّة الشعبوية المغلوطة ضد التفلسف ، ناهيك عن القوانين الترهيبية التي تحدر من استعمال العقل غير ما تستعمله العامة و طرح أفكار و آراء غير أفكار و آراء قد سبق للمجتمع و أن بثها في أفراده دون تدليل أو بيِّنة ، هذا فضلا عن الإعلام "المخدر" الذي يمارس تطبيع العقول على اللامنطق و الخرافة و التفاهة ، و بذلك يشارك في تسطيح وعي هذه الشعوب ، بحيث أن كل هذه العوامل و غيرها ساهمت في نحث ثقافة متحجرة دوغمائية نابذة لكل ما هو خارج عناصر هذه الثقافة . و هذا ما يجعل هذه الشعوب ، تعارض أي شيء جديد حتى لو كان فكرة أو نهج سياسي أو مظهر خارجي ، أو معتقد مختلف بل تعارض حتى الحقوق الفردية لنفسها و للآخرين ، إذا كان كذلك فمعارضة الفلسفة و اعتبارها مروق و إلحاد و انحراف ، شيء طبيعي و نتيجة حتمية لكل ما ذكر أعلاه من شروط و جهات ، تشوه الصورة الحقيقة للفلسفة و تحرف الأهداف السامية لها ، و هو ما أدى إلى أوضاع كارثية على جميع المستويات .

   بل إن هذا الوضع المزري الذي يرزح تحته العالم العربي يجب أن نقر بأنه  نتاج غياب فلسفة رصينة تأخذ على عاتقها إحداث الوعي المفضي للتطور ، لا نقصد بالفلسفة ما يتم تدريسه في الثانوية أو الجامعة ، بل الأمر يتعلق بمنظومة فكرية متكاملة تستدعي شروطا ذاتية و موضوعية تستند في معظمها على أهمية العلم والمعرفة و حرية البحث و التفكير دون قيد أو شرط مسبق ، و الحق في التساؤل دون سقف ، و اتخاذ المواقف في إطار نقدي قائم على الحجة و الاختلاف و الاحترام المتبادل . فمعظم الشعوب التي نهضت ماديا لم تحقق ذلك إلا بعد أن نهضت فكريا و ثقافيا ، و بما أن الفلسفة فكر إنساني مرموق فبزوغه في أمة من الأمم يعني مقدمة لنهوضها ، يقال أن الثورة الفرنسية كانت ستتأخر لو تأخر ميلاد الفيلسوف الفرنسي "جون جاك روسو" ، فالأحداث الكبرى في التاريخ تتأثر بالأفكار الفلسفية الرصينة و بالعقول المفكرة و الألسن الرنانة ، و بذلك نؤكد أن حالة العطالة الحضارية و التخلف الذي نعيشه لمن بين أهم أسبابه الرئيسية تأخر ميلاد الفلسفة و الفلاسفة في أوطاننا و مجتمعتنا المتقادمة .



____________________________

إحالات و مراجع :


(1) راجع الدراسة التي قام بها الباحث "سعيد توفيق" تحت عنوان "محنة الفلسفة وأزمة العلوم الإنسانية في الجامعات الخليجية" .. انظر الرابط http://aldhiaa.com/arabic/show_articles.php?articles_id=387&link_articles=alfalsafh%2Fmehnat_alfalsafa 

(2) نفسه .

(3) انظر موقع الجمعية الأمريكية للفلسفة حيث بيانها حول قيمة و أهداف الفلسفة في التعليم العالي على الرابط : http://www.apaonline.org/page/role_of_phil

(4) محمد مادوي ، "السوسيولوجيا المغربية : من الرفض إلى إعادة الاعتبار" ، ترجمة رشيد بن بيه ، مجلة إضافات / العددان 31-32 ، صيف - خريف 2015 ، ص 197- 198- 199 .

(5) Najib Bouderbala , " les classes moyennes comme moteur de l'ascenseur sociale " , Rabat 2005 , p 108 

(6) انظر الرابط : http://www.aljazeera.net/news/arabic/2014/1/9/%D8%A3%D9%83%D8%AB%D8%B1-%D9%85%D9%86-96-%D9%85%D9%84%D9%8A%D9%88%D9%86-%D8%A3%D9%85%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D9%88%D8%B7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A

(7) انظر الرابط : http://www.aljazeera.net/programs/behindthenews/2007/1/9/%D8%A7%D8%B1%D8%AA%D9%81%D8%A7%D8%B9-%D9%85%D8%B9%D8%AF%D9%84%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A

(8) مصطفى محسن، "الخطاب التربوي : بين أسئلة الأزمة و تحديات المستقبل"، المكز الثقافي العربي ، بيروت - الدار البيضاء ، ط 1 ، ص 20 .

(9) انظر الأمية في الوطن العربي على موقع الموسوعة الحرة ويكيبيديا .

(10) الدراستان الدوليتان حول تقويم التحصيل الدراسي : تيمس 2011، بيرلز 2011 ، واقع الحل و ممكنات المآل ، "تقرير جمعية أماكن المغربية لتحسين جودة التعليم ، مارس 2013 ، ص 2 .

(11) رشيد جرموني ، "المنظومات التربوية بالوطن العربي بين مظاهر الأزمة و تحديات المستقبل" ، مجلة عمران العدد 10 ، إصدار المركز العربي للأبحاث و دراسات السياسات ، الدوحة - بيروت 2014 ، صص 83-102 .

(12) مصطفى صفوان و عدنان حب الله ، " إشكالية المجتمع العربي قراءة من منظور التحليل النفسي "، المركز الثقافي العربي ، بيروت 2008 ، ط 1 ، انظر خصوصا المقدمة الرائعة بقلم أدونيس ، ص 13 .

(13)  Ignaz Goldziher in "Studies on islam , translated and édités" by Merlin l.Swarts,( Oxford University Pressb1981 ) p 189

(14)  انظر ترجمة الشيخ "تقي الدين أبو عمرو" ، في كتاب "سير النبلاء" لمحمد بن أحمد بن عثمان الذهبي على الرابط : http://library.islamweb.net/newlibrary/display_book.php?ID=6011&bk_no=60&flag=1

(15) A.Tabawi , "Islamic Éducation" , ( London , luzac , 1979 ) pp 49-50 .

(16) ابن خلدون ، "المقدمة" ، طبعة لجنة البيان العربي ، ص 373 .

(17) حسن حنفي ، “الفلسفة في الوطن العربي المعاصر”، بحوث المؤتمر الفلسفي العربي الأول الذي نظمته الجامعة الأُردنية، (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، طبعة 2 ، 1987 ) ص 19 .

(18) انظر فتاوي تحريم تعلم الفلسفة للشيخ مصطفى العدوي على الرابط : https://www.youtube.com/watch?v=rDafWLeJSms .. انظر فتوى تحريم الفلسفة من أحد الشيوخ لأنها سياسة صهيونة .. https://www.youtube.com/watch?v=XVVUBsoxtfk ..انظر رأي الشيخ ابن عثميين http://www.ajurry.com/vb/showthread.php?t=11155

(19) انظر فتوى " مركز الفتوى" حول حكم دراسة الفلسفة بتاريخ الإثنين 23-9-2013 ، الرابط : http://fatwa.islamweb.net/fatwa/index.php?page=showfatwa&Option=FatwaId&Id=221035



   نشر في 16 ماي 2017  وآخر تعديل بتاريخ 25 أكتوبر 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا