لا تتركوني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

لا تتركوني

أوقات الألم يكتض بحنين لا يسد فراغه شيء

  نشر في 29 ديسمبر 2015 .

الآ ن فقط تأكدت أنني لن أتكلم مرة أخرى ، فأنا مغمضة العينين اتجول في تاريخي القديم وأتأمل كيف ضاعت الكثير من الأيام في أزقة غرور الوقت وعنجهية الدوران ، من كان يستطيع منازعتي الكلام او مجادلتي كنت قوية اذهب وأعود وأعمل في منزلي واهتم بأبنائي الاثنين إلى أن كبروا فتزوجت البنت وبقي الولد تزوج بعدها بسنوات وما هو  إلا وقت قصير ثم هاجر إلى امريكا .. وترك زوجته حامل بطفلها الثاني ...وكنت أشتاق له شوقا عظيما لا يوصف وكيف بإم أن تصف شوقها لولدها البعيد . إنه الشوق الذي تتساقط له الآف الدمعات وتنقبض النفس له الآف الإنقباضات وتضيق الروح من عذابها حتى لا يسعني أن أصف كيف كنت أهرب من ضيقي للجيران ، احيانا اختلق مشكلة وأحيانا أجد حلولا لمشاكل أخرى ..  كل هذا وعقلي مسافر بعيدا حيث ولدي البعيد فأعود لغيبوبة العذاب مع الروح وهيمنة الوجع على النفس وسيطرة الشوق على القلب .. هذا القلب القوي صار ضعيفا لا يحتمل  وماعاد يقوى على الجراح فقد فارق الأحبة وهيمنت عليه جيوش الحنين لفلذة كبدي الغائب وليس من وسائل اتصال لأطمئن وتسكن روحي  . فأذهب لأتلمس مكان نومه واستنشق روائح ملابسة التي تتبلل من نزيف العيون , وما أجمل من احتضان ولده  وابنته في يدي لكأنني أراه . 

غير أني أراه فيهم فأشتاق له أكثر .. زارنا بعد ثمان سنوات كان الولد قد كبر والبنت عمرها 8 وكنتُ أشبة بطفلة  تحمل بين أفراحها عقلها الضائع في حضرته , وما هي إلا أسابيع ورحل وقد ترك في أحشاء زوجته طفل اخر .. 

إنني الآن أرى نعم أرى كيف كنت اتشاجر مع زوجته على أسباب لا قيمة لها ولو عاد الزمن .. وأرى كم هذه الدنيا مخادعة لقد سحبت مني أيام كثيرة وجعدت جلدي وأحنت ظهري وأنا في قمم الحياة لم أدرك كل هذا إلا بعد أن سقطت أرضا ، إنه السقوط التي لن يساعدني فيه أحدا على النهوض منه ، إنه السقوط الذي حاصرني بسخريته مؤكدا لي أنني لن أقف بعدها رغم أنني مصممة أن لا أغلق عيني , خانتني عيني هذه المرة وتركتني في هذا الظلام لم تعد تابه لأوامري فقد أمرها صاحب الأمر  فيا صاحب الأمر رفقا بي .. أغمضت عيني لكنني الآن أرى ايضا كم أحببت أبناء إبني وهانت الأحزان بحضرتهم برغم لساني الذي يصرخ بوجوههم كل مرة .. وبرغم نظراتهم التي لا ترحمني أحيانا . فيتمنون لي الزوال من الحياة لأن الحياة ضيعت مني كل شيء حتى الحب أخذه إبني وهاجر به بعيد لم يكن موت أبيه شيئا سهلا وهو في مدن أمريكا يشتري الوهم بالحياة  فقد كان صراعي مضاعفاً مع اوجاع كهذه ، فحين يقوى إيماني أصبر وحين يضعف يصيبني الإنهيار والدوار والحزن العميق الذي لن يفهمه أحد  إلا الأحد ، ربما بعد رحيلي سيفهمه أحد ما . أما الآن فأنا لست أكثر من عجوز مزعجة لسكينة أبناء إبني وأمهم ولن أزكي نفسي ولكن ماذا لو تحملوني وجاملوني وصبروا كصبري . 

دفء وجودهم كان نادرا لكنه ناقص ، تنهش مني الذكريات وأنا أتجول في غاباتها الآن .. فيأكلني الصمت وتصر عيني أن تبقيني في هذا الظلام الذي يوحشني ويصيبنيي بخوف مكبل لا تفصح عنه جوارحي فتحمله روحي لأقصى الأزمنه ..

اللعنة على الحرب .. لقد هاجمتنا فجأة بالنسبة لي لا تخصني السياسة وبالنسبة لي لم اعرف تماماً سبب الحرب لكنها الحرب التي نفقد فيها الأمان وننتظر الموت ، لقد جائت الينا زائرة فاستعمرتنا واستوطنتنا .. وبينما غفلة الحياة تفرش لي التأقلم مع وضعي الجديد خمسة وعشرون عاما مرت وأنا أنتظر إبني كل يوم حتى رأيت إبنه رجلا كبيرا يرعاني ويسأل عني وإن خرجت أعود فأراهم وإن خرجوا اتلمس الأماكن بحثا عنهم وماهي إلا ساعة وأخرى فيعودون لتمتلأ البيت بنسيم جميل ودف يغمرني فلا يشعرون به أبدا . كم مرة حاولت انتزاع ألوان الأمل فأزينهم بها وأتخيل ضحة أبيهم كجرس ينبه الروح لضحكة قادمة . 

ودون انذار .. دون أجراس .. دون توقع بينما اقبع بين غفلتي كالعادة إذ بي أرى حقائب السفر حقائب متعددة .. انقلاب في التصرفات فأسأل ماذا هناك ولم أجد أي جواب  بعدها اراهم مستعدون للخروج يسلمون علي مسافرين إلى خارج البلد هربا من الحرب .

إبني من تواصل معهم وأمن لهم ثمن التذاكر وتحدث مع أناس ليؤمنوا لهم المنزل في الأردن  ومنها إلى الجزائر ليعيشوا هناك بأمان حتى يتم اكمال إجراءات سفرهم إلى أمريكا .

هو هو إبني من أتفق مع أحفادي وأحباب روحي ليحرمني منهم كما حرمني منه . 

لم يكن لي الحق أن أسألهم لأنني أعرف أنني لن أحصل إلا على نصف الإجابة هذا إن حصلت عليها ، دارت الدنيا في مقلتي بسرعة الضوء فاستعدت توازني وكأن الدنيا تسدل ستارا آخر بلون أعمق من الأسود وأشد من المظلم . لقد صعقني الخبر فتارة تبرق وتارة تظلم وضج الحديث في فمي دون خروجه وتزاحمت الكلمات حتى ماتت . وهم يمشون نحو السيارة التي ستنقلهم إلى المطار وأنا وحيدة في هذا المنزل الذي امتلئ بأشباح الذكريات .

لم يفكروا بي ، إبني أيضا لم يفكر بي وقد ضاع العمر بكاءا على أطلاله ...

سقط مني الجسد .. نعم سقط وتساقطت كل التوقعات وشل تفكيري وبحثت عن مخرج من عذاب الروح وليس من مخرج سوى يا رب .

ها أنا أتحدث إليكم الآن وأنا مغمضة العينين تائهة الروح ضائعة كذرة تقاذفتها الريح حتى وصلت بها إلى آخر ركن من أركان العمر . من يستطيع الآن أن يساعدني أن أفتح عيني .. إنني اسمع ابنتي بجانبي الآن وزوجها وابنائها لكنهم ينتظرون موتي ليخلوا لهم المنزل . وأنا بين الحزن والمرض  غائبة عن الوعي ها أنا أكتب لكم قطرة واحدة من فيض ما كان وما يكون . وأعرف تماما أنني لن أفتح عيني بعد الآن وهذا سلامي لابني وأبنائة .


  • 5

   نشر في 29 ديسمبر 2015 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا