الخلاف الأيديولوجي المجتمعي و أغلوطة نيرفانا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الخلاف الأيديولوجي المجتمعي و أغلوطة نيرفانا

إشكالية التوسط بين اليمين و اليسار المجتمعي .

  نشر في 14 يونيو 2016 .

إنه لمدرك منذ أمد العصور أن المجتمعات مرآة لبعضها البعض ، وأن التاريخ ما هو إلا صفحات تنسخ جُلها أو ملامح منها ، و تتكرر بتكرر الظروف و الأسباب ، ولعل ذلك يسقط الضوء على مستقبل مجتمعنا العربيّ المنهك حالًا طبقًا للمجتمعات التي عاصرت ترهلها و ثوراتها التي اوقعتها في اضطراب بين وحداتها مثلما يحدث الآن في وطننا العربيّ من اضطراب في وحدات المجتمع من الموارد بشرية إلي الثروات الطبيعية .

 إن وطننا العربيّ انتفض في موجة تكاد تبلغ ست سنوات حتى يومنا هذا ، و تلك الانتفاضة كانت نابعة من عمق الشعوب و من قاع أوساطها حتي ترقت إلي التحكم في عملية التغيير ، و عصفت بحكومات أوطانها المستبدة التي جف في زمنها الرزق و قست فيها مناحي الحياة ، فنجحت تلك الثورات و ما باتت إلا و هي حائرة الرأي و مشتتة الفكر ، و صانعوها متباينون لا يتفقوا إلا على خلاف بعضهم البعض ، فكيف تُبنى أوطان الثورات بفرق متعددة ، وقد كرست كل تشكيلة من الأيديولوجيات نشاطها على أن تشي بمنافستها الأخرى ، وتمادت تلك التشكيلات في الظهور و الوشاية غير منتبهين إلي أعداء ثوراتهم المسلحين و فلول طواغيتهم من النخب و الأراذل حتى تفرقوا إلي قطبين ، و انقسما أولهما قطب يزعم الحداثية و التطور ، و ينادي بالعلمانية و العولمة ، و آخر يدعي الأصولية و المحافظة ، و الرجوع إلي الجذور . و إن القطبين لا يزالون يستنزفون طاقاتهم في معارضة بعضهم الآخر و نسوا صنيعهم الثوري الذي يُسرق يومّا بعد يوم و هم في غفلة من أمرهم يرفضون التوسط بين مذاهبهم ، و لأن في صميمهم و عقائدهم أغاليط تفسد تآلفهم ، تكدر صفوهم ، و تثبط العزائم في معركتهم المشتركة.. ألا و منها مغالطة نيرفانا !

يظل العلمانيون و الأصوليون يتمنعون الحوار ، والتوافق بينهم في حل نزاعهم الثقافيّ المحتدم المشتعل في القضايا المجتمعية المختلف عليها ، وتتمثل تلك القضايا في تحديد مفهوم الحرية و مدي أقصاها ، وكذلك مفهوم المساواة و مضمونها الإجمالي ، فيعتبر تحاورهم هذا و مناقشتهم هذه أولي خطوات فض الاشتباك الإيديولوجي ، و لكن كل منهم لا يريد التوسط في الرأي ، ولا الاتفاق علي نقاط تنهي خلافهم ؛ حتى يبقوا علي حالتهم المناقضة لبعضهم الآخر ظنًا كل منهم أنه بذلك يتصالح مع توجهاته و مع أيديولوجيته التي تحتم عليه أن يفرض فكره بأي السبل دون التشارك ؛ لأن كل منهم حاسبًا أجندته نافذة يجب أن تطبق كافة فإما يجني الكل و التوسط يأتي بثماره كاملة و إما فلا أو كما يقولون في المجتمع البريطاني "Nothing or All" ، و ذلك يهدي إلي النيرفانا التي تخترق منطقهم ، تبدد سماحتهم المجتمعية ، و تكلل عقلانيتهم .

و قد ظهر مفهوم "مغالطة نيرفانا" علي يد الاقتصاديّ الأمريكيّ " هارولد ديمسيتش " في عام 1969 من الميلاد حين كان يظهر دورها في تردي و تقدم الاقتصاد الأمريكي و مدي فاعليتها عليه ، وأيضا أول من لمح عنها كان الفيلسوف الفرنسي " فولتير " عندما وصف في مؤلفه المشهور "La Bégueule" عام 1772 ميلاديًا أنه قد يكون الكامل عدو الجيد ، أو بمعني آخر قد يكون عدم الوصول للكمال يفقد الجيد قيمته و حسنته ، فبدور تلك الأغلوطة على التأثير على الخلاف الأيديولوجي المجتمعي وجب بيان مضمونها بالرغم من أن تلك المغالطة ليست هي السبب الوحيد و أن هناك أسباب أخري بالطبع تعيق التوسط أهمها الكبر ، والمغالاة ، و المغالطات المنطقية .

و من المغالطات الأخرى أنه دائمًا معلوم أن ليس من أحد يطيق التوسط بين أمره و أمر مناقضه ، فكل منهم يظن مكابرًا أن التنازل عن بعض أفكاره أمر باهت مفتقد الشرف و البطولة ، و من ظنهم هذا تدور في ذهن كلا الطرفين فكرة تدفعهم إلي التطرف إلي معتقدهم ، و هي أن الإخلاص في الدفاع عن المعتقد ، و التفاني في دفع الشبهات ، و التبرير للأغلاط زاعمين أنه خيرًا من التنازل شبرًا من أجل توسط غير معلوم نتيجته و لا مدروس عواقبه . الكل في خطأه الفكري و الكل يريد الفائدة المطلقة و الرهان الرابح لا محالة ، ذلك يتعرى كثيرًا من المنطقية و يفتقد الواقعية ، و يدعو للإقصاء الذي هو في حد ذاته استبداد غير مقبول عقلًا و لا فطرة ؛ لأن باستبداد الفكر لأحد الطرفين علي آخر يلغي وجود المستبَد بإلغاء صفة التفكير عنه و تهميش فكره فكما قال الفيلسوف الفرنسي "رينيه ديكارت" : "أنا أفكر ، إذن أنا موجود" ، و ذلك يعتبر جرمٌ كبيرٌ لا يغتفر .

أخيرًا لا بد من أن يراجع كل طرف نفسه ، و يتصالح مع فطرته التي فُطر عليها ، و أن يقبل الحل الوسط و يسعي إليه بالبراثن و الأسنان ، فإن كل طرف إن كان يؤمن بخلق الله للظلام و النور كما قال " ماني " قديمًا فليؤمن أن هناك أيضًا منتصف بين هذين الحدين ، و ليأخذوا من اليوم عبرةً فليس اليوم كله نهارًا و ليلًا فقط ، و لكن هناك فجرٌ و نهارٌ ، و غسقٌ و ليل ، فاعتبروا يا أولي الألباب .



  • أحمد محمد الشربيني أحمد
    طالب جامعي ( بكلية طب الفم و الأسنان ) ، مساعد محاضر تطوعًا في مجال الدين المقارن و النقد النصي ، كاتب مهتم بكتابة الشعر و النثر و المقال . حاصل علي المركز العشرين جمهوري و الثاني علي المحافظة في مسابقة الإبداع الفني (الم ...
   نشر في 14 يونيو 2016 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا