مورات (الوطن المنكوب) - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

مورات (الوطن المنكوب)

قصة قصيرة

  نشر في 25 يونيو 2019 .

السيدة جوليا

اشرقت الشمس على مدينه مورات ودبت الحياه في المدينه ذهبت جوليا الى الخباز لتاتي بالخبز فجاه ودون سابق انذار سُمع دوي القنابل والضربات الساحقه . تسارعنا في الاختباء في المخبز في محاوله للنجاه من هذا القصف المدوي تتالت الضربات وسقط علينا الجدار واحتُجزنا في ذلك المخبز ، كان عدد المحتجزين سته اشخاص انا والسيدة المسنه والطفله ديلا ورجلين اشداء واخر ضعيف البنيه . في اليوم الاول كان الرجال يحاولون جاهدين ان يكسرو الجدار ولكن لم يتحرك ولو قيد انمله ، بحكم احتجازنا بمخبز لم يكن ايجاد الطعام بالشي الصعب فخبزت لنا الخبز واكلناه ثم خلدنا للنوم ونحن نأمل خروجنا في الغد اقتربت مني الطفله ديلا وقالت بخوف : هل سنخرج غدا من هذا المكان؟

فقلت : اتمنى ذلك

فقالت بعينين ملئتين بالدموع : لكني اخاف ان اموت هنا

فقالت السيده المسنه : لن نموت يا ابنتي سنخرج من هنا حتما غدا او بعد غد

فردد الرجال بصوت واحد سنخرج حتما.

تتالت الايام بعد ذلك ورغم كل محاولات الرجال لكسر الجدار او تحريكه لم يتحرك الا مقدارا صغيرا لا يكفي لخروج حتى قطه صغيره . لم نكن نسمع سوى صوت القذائف المدويه التي كانت تزعجنا في البدايه ثم اعتدنا عليها كأنها امر من امور الحياه العاديه ,حتى سمعنا ذات اليوم رجل يقول ان مورات اليوم اصبحت رسميا تحت حكم الامبراطوريه وبكى كل منا في اعماقه على هذا الخبر المزلزل واصبحنا نعرف اننا حتى لو خرجنا من هنا لم يعد لدينا ما نخرج لاجله . اليوم وبعد مرور شهر على احتجازن كان التعب وفقدان الامل اكثر ما كان واضح علينا. كنت اعد العشاء بالموارد التي اصبحت قليله وشبه معدومه حين سمعت سقوط الرجل الضعيف على الارض بلا حراك وعيناه شاخصتان في السقف قالت المراه المسنه : لقد مات اول واحد منا يبدو اننا لن ننجو وبدا اليأس يضرب بنا بلا رحمه فقالت الطفله وهي تضع راسها على كتفي : هل سنموت الان ؟

فقلت وانا ادس خوفي في قلبي : لا سنحاول ان ننجو

قالت بخوف طفله : لكنني اخاف ان اموت وانا صغيره

ضممتها الى صدري محاوله منحها الامان الذي بتنا نفقده في هذه المرحله .

كانت تمضي الايام وكل اسبوع يمضي نفقد شخص منا السيده المسنه ثم احد الرجال الاشداء كان الموت قريبا منا وتفوح رائحته في هذا المكان الممتلئ بالجثث ، قلت الموارد حتى فقدت ولم يبقى لدينا جهد لكسر الجدار بل نحاول جاهدين البقاء على قيد الحياه .

قال الرجل بصوت مرتجف : كنت اعمل جاهدا لثلاث سنوات لابني منزلي واستقر في حياتي كنت اظن اني ساصبح سعيدا لكن الان انا اعرف اني ساموت ولن اسكن ذاك المنزل الذي حلمت فيه كثيرا وسقطت دموعه

بكت الطفله الصغيره واختبات في حضني وقد اصبحت هزيله جدا .

سكت لبرهه ثم قال : يبدو اني ساموت قبلك لم اعد استطيع تحمل رائحه الجثث اكثر مما تحملت ثم بدا يسعل وقال : وصيتي لك ان لا تموتي هنا وان تنجي بذاتك ثم سعل مره اخرى وقال وهو يقاوم بصوت متقطع : وان تخبري الناس عن قصتنا وعن محاولاتنا للنجاه رغم كل شي ثم انقطع صوته للابد ، اخذت ارتجف واحتضن الفتاه الصغيره وادعو وادعو لقد داهمني الخوف حتى اني بديت ارى الموت امامي ولا شي اخر وكل احلامي بالنجاه بدت لي مجرد احلام لا تتحقق .

بعد يومين ونحن ناكل اخر كسره خبز ونشرب اخر ما تبقى معنا من الماء قالت لي ديلا : هل سنموت الان؟ لم يبقى لدينا شيئ لناكله

فجاوبتها دموعي واحتضنتي وبكينا ثم فجاه سمعنا صوت انفجار قوي واهتزت الارض من تحتنا وسقط الجدار ورأينا النور لاول مره منذ شهور وامسكت بيد ديلا وركضنا خارجتين وركضنا وركضنا دون ان ننظر للوراء كانت المدينه تعج بالخراب ولم يبقى بيت على حاله ركضنا حتى خرجنا من اسوار المدينه لم اعلم الى اين اخذ نفسي واخذ الطفله معي لكني كنت اشعر بالنجاه ورغم كل الارهاق والتعب الا اني كنت سعيده تعبنا من المسير فوقفنا قرب النهر وشربت منه حتى ارتويت وشربت الطفله وبقيت ارتجف واكاد اموت من الجوع نظرت حولي فرأيت قريه على بعد خطى من النهر فمسكت بيد الطفله وحاولت ان اسير الى القرية لكن لا اعرف ما جرى لقد اصبحت الرؤيه ضبابيه ولم تستطع اقدامي على حملي فسقطت هناك قرب القريه .

كان يطغى على المكان اللون الابيض لم استطع التعرف على المكان ، هل هذه الجنه؟ فرأيت فتاه بثياب بيضاء جميله تقول لي كلام لم استطع فهمه للوهله الاولى ثم وضعت يدها على رأسي وقالت لي : هل تسمعينني؟ فقلت نعم اسمعك بصوت متقطع ، اخذت انظر الى المكان لم يكن تلك البقعه التي احتجزت بها تمسكت بها وقلت بصوت تشوبه الدهشه : اين انا وأين الطفلة الصغيرة ديلا ؟ فصرخت بكل صوتي اين ديلا ؟ كنت ارتجف رعبا من فكرة ان تموت ديلا وابقى وحيدة لا احد يعرفني ولا احد اعرفه . فمسكت يدي بحنان وقالت : اهدئي لقد وجدناك انتي و ديلا على اطراف القرية فقلت بضياع : اين هي الان ؟ لماذا ليست هنا ؟ فقالت لي : لقد اخذتها احدى النساء حتى تطعمها ثم تحضرها لك .

فسالتني بفضول من اين انتي ؟ فقلت بالم واضح : من مورات قالت لي بدهشه هل انتي من مورات حقا؟ قالت موضحه : لم يبقى احد من اهل مورات .

فحكيت لها ما جرى لي وعن احتجازي وعن تلك الايام الطويله في المخبز وبكيت على عائلتي وعلى مدينتي الجميله التي مُحيت كما لو انها لم تخلق وعلى وطني المنكوب .


  • 2

   نشر في 25 يونيو 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا