الكُرة إكْسير الشعوب - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الكُرة إكْسير الشعوب

شِي كْبيرْ يا عُمري

  نشر في 14 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 يوليوز 2019 .

"شِي كْبيرْ يا عُمري، شي كْبيرْ ياعُمري، حْنا لالْجيري" ...هذا شيءٌ من أُغنية جزائريَّةٍ رياضيَّة وطنية، لمُغَنٍّ يُسمَّى "بِلال ميلانو"، تُشيدُ بالفريق الوطني لكرة القَدم، ومعنى هذا الكلام: "إنَّهُ شيءٌ كبير يا عُمري (حياتي)، نحن الجزائر"، والمقصودُ بــ"عُمري" الجزائر الحبيبةُ، وإنَّه حقًّا أمرٌ كبيرٌ ما تفعله الكُرة، فَلْتَحيَ الجَزائر.

مهما قيل عن كُرة القدَم إنها أَفيون الشُّعوب، فإنَّها شئنا أم أبَينا مَطيَّةٌ للشُّعوب للهروب إلى أوطانها، فالشعوب العربيَّة بشكل عام، والجزائريُّون بشكل خاص، قَويَ في نفوسهم الشعور بالاغتراب عن الوطن، بينما ظلَّت الروح الوَطنيَّةٌ مُتَّقِدةً فوَّارةً في أفئدَتهم، وإن وَاراها كثيرٌ مِن الظُّلم، والحُقرة، والتنَكُّر، والخِيانة. المواطنُ الجزائريُّ كَغيرِه من مواطِني هذا العالَم، يُحبُّ أن يَشعُرَ أنَّه جُزءٌ من هذا الوَطن، وأنَّه رقمٌ صعبٌ في معادلة الوطَن، ولذلك لم نَرَ جزائريًّا مُهجَّرًا من وَطنِه- إلا ما نَدُر- إلَّا ويُظهِرُ جزائريَّته غيرَ مُستَحٍ من الانتماء إلى وَطنٍ لم يَر فيه غير الظُّلمِ أحيانًا، وكأنَهُ يَتوَسَّل بذلكَ إلى نَفضِ الغبارِ عن صَفحةٍ ناصِعةٍ من كيانه، كأنه يريدُ أن يقول :"أنا جزائريٌّ، وأحبُّ أن أشعُر بذلك".

ما الذي قد يُذكِّر المواطِن البسيط في بلدِنا بجزائريَّته؟ حقوقٌ مُغتَصَبة، أبوابٌ مُغلقة، مؤسسات وإدارات في خدمة المسؤولين بدل أن تكون في خدمة المواطن، محاباةٌ في كل شيء حتى في العلاج، حياةٌ عسيرةٌ في الكثير من وجوهِها، حتى أنَّ الأسماء القبيحة التي هي من مخلَّفات الاستعمار لم يَسهُل عليه تغييرُها، عدالةٌ ظالمة، وظُلمٌ عادل في توزيع الفقر والحِرمان على كل مناطق البلاد.

هذا المواطن البسيط يُمكنُه بكل سُهولةٍ أن يَشعُر أنَّ الفريق الوطني لكرة القَدم يُمثِّله، وأنه جزء منه، لأن اللاعبين ليسوا سياسيّين يعِدون ويُخلفون، ولا يمكن أن يكونوا جزءًا من الفريق إلَّا وقد صَرفوا له قدرًا مِن الحُبّ، لا مِن الانتهازيَّة، والاختلاس. قد تكون الكرة مُخدرا، ومِن المُخدِّر ما يكون ضروريًّا حتى لا يشعر المريض بآلام تقطيع أوصاله من قِبَل الخَونة والانتهازيين، إنَّها تَجعلكَ تُعانقُ شخصًا واقفا إلى جانبك في المدرجات لا تعرفُه، ولا يعرِفك، ولن يسألك: "مَن أنت. ومَن الذي أذنَ لك بمعانقتي؟"، هذا لا يَحدث إلا في المدرَّجات.

الكُرةُ تُقرِّبكَ من لاعبٍ لا تراه إلا في شاشات التلفزيون، فإذا به إلى جانبك يُحييك وتُحييه، لا فارق بينكَ وبينه، لا أموال، ولا تشريفات، ولا حراس، ولا كِبْرَ، ولا احتقار، لأنَّك تُسمَّى مُناصِرًا، بعد أن كنتَ مُواطنًا، فإن كانت المواطنةُ لا تُشعرني بهذا الانتماء الذي أجده في المناصرة، فإني أحب أن أبقى مناصِرًا للمنتخب الوطني، وأن أُسمَّى مناصرًا جزائريًّا بَدل أن أسمى مواطنًا.

لقد هزمت كرة القدمِ السياسيِّين وجرَّتهم ليكونوا مناصرين، فصاروا يتعلَّمونَ من المناصِر البسيط أصول المناصرة الحقيقية، ومعنى الانتماء إلى المنتخَب، بعدَ أن عجزوا عن فهم أصول المواطنة الحقيقية، فضلا عن أن يُعلِّموها غيرهم من المواطنين البسطاء، ألا فَلْيتعلّموا مِن اللاعبَ الذي يجعلني فخورا ببلدي وبعَلَمي، ويجعلني أذرف الدُّموعَ فرحًا أو حزنًا، ليتعلَّموا منه المهارةَ، والإخلاص في العمل، والجدَّ والتفاني، وطول المراس، وأنَّه لا يأتيهم النجاحُ إلا بالعمل الكفء.

قد تكون الكُرةُ أفيون الشُّعوب عند البعض، ولكنَّها تَمنحُنا السعادةَ في زمن الحزن، والإخلاصَ في زمن الخيانة، والبذلَ في زَمن البُخل، وإنها تكشف لنا قوة الحُبَّ، لو عرفنا كيف نبني بالحُبّ، وكيف نُحارب بالحُبّ، فما فعله بغداد بونجاح، وما حدث لِعطّال وبلْماضي، ولِغيرهم من اللاعبين، جعل الملايين في الجزائر وخارجها، يُحبُّونهم ويتعاطفون معهم، وهم لا يعرفونهم، فكيف يكونُ شعور اللاعبِ عندما يشاهد على مواقع التواصل الاجتماعي امرأة أو طفلًا أو شابًّا أو شيخًا يقول له:" أنا أحبُّكَ يا عطَّال، أو أنا أُحبُّكَ يا بَغداد.."، بينما هم لا يعرفون هؤلاء جميعًا، فقد أصبحوا جزءا من قلوبهم، واستهلكوا مِن مشاعرهم الكثير، فقط لأنهم أخلصوا الانتماء لوطنهم عندما جاهدوا من أجل الفَوز.

وفي الحدود بين المغرب والجزائر بين مرسى بن مهيدي والسعيدية، حيث يقف المغاربةُ في ضفة الوادي، والجزائريون في الضفة المقابلة يُلوِّحون بعضُهم لبعضٍ، عاجزين عن اجتياز الحدود، هنالك التقى هؤلاء بعد مباراة الجزائر وساحل العاج، والكل كان يهتف:" وان تو ثري فيفا لالجيري"، في مشهَدٍ دراميٍّ مُحزنٍ حيث هدمت السياسةُ ما بنته الكُرة من حبٍّ وتضامن، حتى أن بعض المواطنين اقتَحم الحدود على مرأى من الحراس، مدفوعًا بعاطفة الشوق للإخوة المغاربة.

إنه فعل كرة القَدم، تقتُل أشخاصًا من الفرح، أو من الحُزن، وتحيي مشاعر ميتة، وتصلُ ما قَطعه السِّياسيُّون، وتُصلِحُ ما عَبث به الخَونةُ والانتهازيُّون، وما علينا الآن إلّا أن نُحسنَ استثمارَ هذا الأفيون لمُداواة أمراضنا المزمنة.

حامدي عبد العزيز مناصِر جزائري



   نشر في 14 يوليوز 2019  وآخر تعديل بتاريخ 15 يوليوز 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا