قلم اسود سميك - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قلم اسود سميك

قلم حائر

  نشر في 25 مارس 2017 .

فِيْ قَرارةِ نَفسِي -العَتِمةِ -يعلو صوتٌ محفزٌ كئيبٌ لا يليقُ بكاتبِة فِيْ أوائلِ العشريناتِ منْ العمرِ. و قلمُي حائرٌ. يترددُ لاهثًا مُستغيثًا..يتحركُ معنِفًا في دوائرِ بحبرِ أسودٍ سميكٍ. فالقلمُ كماْ ذكرتُ يلهثُ و أقربُ أنْ يكونَ مترجيًا..هممتُ بكلمة فأخرى مطمئنًا إياه. إلى أنْ باغتني صوتي من مكمنَه: "جد شيئًا نافعًا .. هز طولَك و ابحثْ عنْ مَاْ يستحقُ الكتابةَ عنْه. كفاك حديثًا عنْ الحبِ و الفتياتِ الجميلاتِ. اللاتي لم تراهن يومًا."

نعم .. لعلك لاحظت أنني مثيرةٌ للشفقةِ .. و استيائي لضحالةِ مَاْ أنشرُه بادي الرأيِ. لا أهربُ من الحديثِ الجديِ بهذا الهزلِ كما تسميه -لا أوافقك على ذلك بالمناسبةِ. فالخيالُ و الرومانسيةُ الحالمةُ لا تنقصُ منْ قيمةِ الكاتبِ. و نجدُ علىْ مدارِ التاريخِ الأدبيِ كتاباً برعوا في الغزلِ و وصفوا المشاعرَ الإنسانيةَ بأرقِ الكلماتِ و أعذبِها . نزار قباني مثلًا للشعراءِ الكبارِ و إحسان عبد القدوس في فنِ القصصِ والروايةِ!

و هناك تفسيرٌ آخر لعزوفي عنْ أحاديثِ الأمةِ وَ العصرِ ؛أنّ الساحةَ متاحةٌ للجميعِ، و مليئةٌ بِمَاْ يكفي مِنْ المحللين و الناقدين؛ ولن أزيد النهر رشفةً.

قدْ تهزأ مِني. أقسم لَك لا أهربُ. اندفعُ كثيرًا و تأخذُني الهواجسُ إلىْ حيثُ لْا أريدُ أنّ أكتبَ. الكتابةُ فعلٌ أنانيٌ كماْ تعلمُ، و المركبُ لا تسيرُ إلا بشراعِ أوحدٍ. لكنّني أدبًا وليسَ تفضلًا أود إشراكك في الأمرِ. علّك تعي ما أمرُ بِه. حينَها تجدْ مبررًا يؤيني من انتقاداتِك اللاذعةِ حولَ محورِ اهتماماتي -التافهة -و توجهِ كتاباتي. وقتئذٍ تدركْ أنني ما أكتمُ خلجاتِ عقلِي ،و ابعدْ قارئي عن صراعات و جولات بين المنطقِ و الخيالِ، و الحقِ في الحياةِ و الحكمِ، و الكرامةِ و العدلِ و الصفاءِ الإنسانيِّ، و توابعِ ذلك من أمورٍ ننادي بها. أقصد أنتم -يا معشر الكُتاب- تهتفون بها.

..

لو تسمحُ لِي أنْ أُجسِدَ لَك رأيًا صائبًا مِنْ أبناءِ شارعِكم : "تبًا لكم، و سخطًا علىْ أقلامِكم التي تأكلون بِهاْ الحلاوةَ في النعيمِ. تجلسون علىْ الأرائكِ و تشاهدون صورَنا بِلاْ مأوى و لاْ رغيفِ يصلبُ طولَناْ علىْ شاشاتِكم. تتأثرون بِنا لاْ مِنْ أجلِ إنسانيتِكم و رهافةِ مشاعرِكم بلْ دعمًا لصدقِ مقالاتِكم و قصصِكم عَنْ الفقرِ و انتشارِ البطالةِ وَ الحربِ و المجاعاتِ. وَ دعواتُكم الصادقة للسلامِ و الأمانِ. و يذرفُ قراؤكم الدموعَ الحارةَ علىْ ألحانِ الكمانِ فيْ جلساتِ العشاءِ الفاخرةِ .

تبًا لكم و سخطًا عَلىْ الأقلامِ التي ترزقُكم و تزيدُنا فقرًا بفقرٍ".

..

لَمْ يُعجبْك رأيَ المواطنِ البسيطِ، أليسَ كذلك؟

مبالغٌ فيه إلىْ حدِ الارتيابِ مِنْ صحتِه. غير أنّه الصحيحُ و أصدقُ ما قيلَ و يُقالَ! و بنظرةٍ عَلىْ هيئةِ المُتكلمِ يُمكنُك اتهامَ المسكينِ بالجنونِ، ولنْ تكونَ أولَ مَنْ يَفعلُ؛ ليسَ بسببِ مظهره الغير لائق برجلٍ فيْ أواخرِ الثلاثين، وَ العرقُ يغطي جبينَه في عزِ البردِ، و وجهُه الشاحبُ كالمغشى عليه من الموتِ، و هزيانُه المُستمرُ بشأنِ العاصفةِ القادمةِ التي تجتاحُ العامةَ و الخاصةَ، و القصورَ و القبورَ.

مع تأكيدٍه وَ جزمٍه بأنْ لاْ نجاةَ إلا لمَنَ لمْ يتدنسْ بالفسادِ و الرشوةِ، و الغنى من غير نصيب و قسمة.

....

لا بأس ما اردته فقط ان تشاركني دواخلي و أفكاري حتى يصلك الغرض من لا جدوى الحديث عن الألم و الأمل ؛لإنها المعادلة المبتذلة..

...

كما كنت أقول فلنحاول سويًا نسجَ سيناريو واقعيٍا، بعيدًا عن الرومانسيةِ و الخيالِ و الجمالِ. و لنبدأ بكلماتٍ عابرةٍ تحيطُ القارئَ بنعومةٍ و خفةٍ، تستدرجُه لأبوابِ حكايتِنا.

نحدثه عن ظاهرها ، المكان ، الزمن ، القليل من الوصف الانسيابي و دغدغة العواطف؛لإنشاء الرابطة السحرية بين القارئ و شخصيات الحكاية. و من ثم نشركه العقدة في حبكة بارعة تخطف أنفاسه و يسارع بالعثور على الحل المنجي لبطلنا. نعم ، الأمر ينطلي على القارئ المندفع. يبذل أقصى ما عنده من الحلول. يفرك كفيه في أسى، يحك رأسه و يمسح جبينه الخشن. يقول بصوت مرتفع و نفاذ صبر:"لا أجد حلًا، لا اجد حلًا". يقلب الصفحات بحركات عنيفة و مضطربة فيجد البياض و الفراغ. يتابع -بعشوائية -قلب الصفحات الفارغة في جزع.

يتداخل صوتي و صوته: يالحماقتي!

هو احمق لأنه اشترى بماله الثمين قصة حياته اليومية تروى بقلم أسود سميك. و لو كتبها هو او غيره من ملايين المواطنين البسطاء او الفقراء لكانت اكثر صدقا والماما و أقل لذاعة و أوفر ثمنا. و لن يجد احدهم حلا.

أما أنا فأكبر أحمق. كتب رواية بائسة مبكية تعكس واقعا يعرفه الظالم قبل المظلوم. يعيشه القارئ من قبلي! و كلانا لا يجد حلولا مقبولة معقولة نملكها او حتى نعرفها!

فماذا أضفت؟ تعاسة فوق تعاسة.. وجعا مشعا في ظلام الأوجاع المعتادة. احدثك عن الأسرى الفلسطينين و الشهداء السوريين؟ أم سوء الأحوال الاقتصادية المصرية و الصراعات السياسية في إطار حكاية باهظة- لن تقوى على شرائها -بطلتها حسناء التي صادفت حبيبها المكافح في ندوة في ساقية الصاوي فيشتركان معا في مواجهة صعاب الحياة و تحل العقدة الروائية بقليل من الصبر و الأمل و اليقين و الإخلاص و وضع القرش على القرش، و فتح دفتر توفير في البنك الاهلي لملاليمهم السنوية.

لم يعجبك ايضا يا سيدي! لا بأس ما اردته فقط ان تشاركني دواخلي و أفكاري حتى يصلك الغرض من لا جدوى الحديث عن الألم و الأمل ؛لإنها المعادلة المبتذلة.

قلمي حائر لا يزال يلهث ،يتحرك معنفا في دوائر بحبر اسود سميك. قلمي اقرب ان يكون مترجيا..هممت بكلمة فأخرى مطمنة إياه.. فهدأ . و هدأت. و لم يباغتني صوتي و لا صوتك


  • 2

   نشر في 25 مارس 2017 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا